الأحد, سبتمبر 6, 2026
اقتصادتقارير

أزمة الري في الجزيرة.. تكشف خلل الإدارة (2-2)

تقرير: حسين سعد

إذا كان الماء هو شريان الحياة في مشروع الجزيرة، فإن إدارة هذا الشريان تمثل مسؤولية لا يمكن فصلها عن حق المزارع في الإنتاج والحياة الكريمة. لذلك، فإن أزمة العطش لا يمكن اختزالها في عطل فني عابر، بل تكشف اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات المشروع على حماية المنتجين والحفاظ على أحد أهم ركائز الاقتصاد والأمن الغذائي في السودان.

المزارع لا يطالب بامتياز عندما يطالب بالمياه؛ فهو يطالب بالشرط الأساسي للزراعة. وعندما تتعطل الترع، وتتراجع أعمال الصيانة والتطهير، ويتأخر التمويل، تنتقل الخسارة من الحقل إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى السوق، لتتحول في النهاية إلى أزمة معيشية وغذائية أوسع.

العطش.. من ترعة إلى أخرى
وتكشف إفادات المزارعين وصور المناطق الزراعية أن المشكلة ليست محصورة في موقع واحد. ففي مكتب 90 الفريجاب، بامتداد المناقل، تبرز حالة ترعة واحد أم مليحة المتفرعة من قنطرة 18، والتي تمر شرق قرية أم مليحة، وسط تساؤلات حول حالة البنية التحتية للري ومسؤولية الجهات المعنية عن التطهير والصيانة.

وتلخص عبارة متداولة من المنطقة جانباً من حالة الاحتقان: «المشروع لا يحتاج للانتخابات ولا اجتماعات.. المشروع يحتاج لعمل ملموس على الأرض».
وتأتي واقعة أخرى نقلتها صحيفة الموقف 24 من قسم ري التحاميد لتؤكد اتساع المشكلة؛ إذ أظهر مقطع فيديو بثه مزارعون شح مياه الري في ميجر ود النورة، في وقت حرج من الموسم الزراعي. وقال المزارعون إن ضعف المياه يهدد محاصيلهم ويبدد ما أنفقوه من أموال وجهد، فيما تزداد خطورة الوضع لأن الميجر لا يخدم الزراعة فقط، بل تعتمد عليه قرى مجاورة في الحصول على مياه الشرب.
وهنا يطرح سؤال: من المسؤول عن ضمان وصول المياه إلى هذه المناطق في الوقت المناسب؟ ومن يتابع حالة الترع والميجر والقنوات؟ ومن يحدد أولويات التطهير والصيانة؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من إفادات المزارعين وحدها، لكنها تستوجب رداً واضحاً وموثقاً من إدارة مشروع الجزيرة والجهات المسؤولة عن الري والصيانة والتطهير.

العقلية التي تدير المشروع
ولا تقف انتقادات المزارعين عند مشكلة المياه، وإنما تمتد إلى طريقة إدارة المشروع. ويقول المزارع محمد عبد القادر، المعروف باسم بليك، من ترعة بدر بالقسم الشمالي، إن «العقلية التي تدير المشروع عقلية متبلدة»، متهماً الإدارة بعدم القدرة على التعامل مع مشكلات المنتجين.
وبغض النظر عن حدة اللغة التي استخدمها المزارع، فإن الإفادة تكشف مستوى الاحتقان الذي وصلت إليه العلاقة بين بعض المنتجين وإدارة المشروع، وتطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة المؤسسات القائمة على استعادة ثقة المزارعين.

عندما لا تصل مياه الري في موعدها، لا تتوقف الخسارة عند حدود قناة أو ترعة. فالمزارع قد يفقد محصولاً أنفق عليه مدخراته، أو يضطر إلى الاقتراض أو تشغيل طلمبة بتكلفة إضافية، أو تقليص المساحة المزروعة.
ومن هذه الزاوية، تصبح إدارة المياه جزءاً من حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمزارعين. فالحق في العمل والإنتاج داخل مشروع الجزيرة مرتبط بالقدرة على الوصول إلى الأرض والمياه والمدخلات والتمويل.

وهذا لا يعني تحميل إدارة المشروع وحدها نتائج الحرب والظروف الخارجة عن السيطرة، لكنه يعني تحديد ما تستطيع المؤسسات القيام به، وما قامت به فعلياً، وما تعذر عليها تنفيذه وأسباب ذلك.
المساءلة هنا ليست إدانة مسبقة؛ إنها كشف للمعلومات، وتحديد للمسؤوليات، وقياس للأداء، ومحاسبة على التقصير.

الحرب ليست الإجابة الوحيدة
لا شك أن الحرب ألحقت أضراراً عميقة بمشروع الجزيرة، وأثرت في البنية التحتية وحركة المزارعين وتوفير المدخلات والخدمات. لكن تحميل الحرب وحدها مسؤولية كل مظاهر التدهور لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بإدارة الري والصيانة والتطهير والتمويل.
حتى في ظروف الحرب، تظل هناك مسؤوليات يمكن تحديدها: إعلان خطط الري، ترتيب الأولويات، الاستجابة لشكاوى المزارعين، وتوفير المعلومات حول الموارد المتاحة وكيفية استخدامها.
وفي المقابل، يمكن للمزارعين التعاون في الأعمال العاجلة التي يمكن إنجازها محلياً، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المسؤولية المؤسسية في إدارة شبكة الري.

(48) مليار جنيه.. أين النتائج؟
كانت الجهات المعنية قد أعلنت عن رصد نحو 48 مليار جنيه لتأهيل منظومة الري، وهو ما يضعها أمام مسؤولية إضافية في توضيح كيفية توظيف هذه الموارد وما نُفذ فعلياً.
السؤال ليس فقط: كم رُصد لتأهيل الري؟

بل: كم ترعة تم تطهيرها؟ وكم قنطرة جرى تأهيلها؟ وما حجم الأعمال المنفذة؟ وما المناطق التي أعطيت الأولوية؟ وهل انعكس الإنفاق فعلياً على وصول المياه إلى الحواشات؟
هذه المعلومات ليست ترفاً إدارياً، وإنما حق للمزارعين والرأي العام، خصوصاً مع إعلان استهداف زراعة 1.2 مليون فدان.
فالنجاح لا يُقاس بحجم الأموال المرصودة أو المساحات المعلنة، وإنما بما يحدث فعلياً داخل الحواشات.

من ينقذ الموسم؟
المسألة الآن سباق مع الزمن. وكل يوم يتأخر فيه وصول المياه يعني مزيداً من الأراضي المهددة، وتكاليف إنتاج ضائعة، وأسرًا قد تفقد مصدر دخلها.
ومع أن الموسم الصيفي لا يزال قائماً، فإن محاصيل الذرة والقطن والفول السوداني والخضروات وغيرها تحتاج إلى ريات منتظمة. وفي الوقت نفسه، تقترب تحضيرات الموسم الشتوي، الذي يبدأ الاستعداد له في أكتوبر، ويضم محاصيل أساسية مثل القمح والكبكبي، ما يجعل جاهزية شبكة الري مسألة لا تحتمل التأجيل.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط إنقاذ ما تبقى من الموسم الصيفي، وإنما البدء فوراً في تأهيل الترع والقنوات والاستعداد للموسم الشتوي.

وهنا تعود الأسئلة الأكثر إلحاحاً:
أين ذهبت مخصصات تأهيل الري؟
ما حجم الترع التي تم تطهيرها فعلياً؟
ما خطة توزيع المياه؟
من يتابع التنفيذ؟
لماذا يتأخر التمويل؟
ومن يضمن وصول المياه إلى الحواشات؟
وما آلية محاسبة المسؤولين عن أي تقصير؟

هذه ليست أسئلة سياسية فقط، ولا مطالب مزارعين يمكن تأجيلها؛ إنها أسئلة تتعلق بمستقبل الإنتاج والأمن الغذائي وحقوق آلاف الأسر التي ترتبط حياتها بمشروع الجزيرة.
الموسم لم ينتهِ، لكن الوقت يضيق.

والجزيرة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود أو الخطط على الورق، بل إلى مياه تصل إلى الأرض في الوقت المناسب، وإدارة تكشف ما تملك وما أنجزت، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها أمام المزارع والرأي العام.
فالمعركة الحقيقية الآن ليست حول عدد الأفدنة التي ستُعلن زراعتها، وإنما حول سؤال أكثر بساطة وخطورة:
هل ستصل المياه إلى الحواشات قبل أن يتحول العطش إلى خسارة لموسمين زراعيين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *