اقتصاد الحرب يبتلع السودان (2-2)
تحليل: حسين سعد
في الحلقة الأولى، تتبعنا كيف تحول انهيار الجنيه وارتفاع التضخم من مؤشرات مالية إلى أزمة تضرب الحياة اليومية للسودانيين، مع تراجع الإنتاج وشح النقد الأجنبي وارتفاع تكلفة المعيشة. لكن الأزمة تتجاوز سعر الدولار إلى معركة أوسع على الموارد: من يسيطر على الذهب؟ أين تذهب حصائل الصادرات؟ كيف تعمل تجارة العملة؟ وما الذي تبقى للدولة من قدرة على إدارة الاقتصاد؟
الحرب لم تدمر الاقتصاد المنتج فقط، بل أوجدت اقتصاداً موازياً تتسع فيه أهمية الذهب والنقد والتحويلات والتجارة غير الرسمية والأنشطة المرتبطة بالحرب. ومع تراجع المؤسسات وتعدد مراكز السيطرة وتضرر المصارف والأسواق، يصبح اقتصاد الحرب أكثر قدرة على البقاء، وقد تتشكل حوله مصالح تجعل استمرار النزاع أكثر جاذبية لبعض الشبكات المستفيدة منه.
الذهب والسوق الموازي
يمثل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي الممكنة للسودان، لكن قيمته التنموية تتراجع كلما خرجت عائداته من القنوات الرسمية. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: كم ينتج السودان من الذهب؟ بل: كم من عائداته يدخل فعلياً إلى الاقتصاد الرسمي؟
الأمر ذاته ينطبق على السوق الموازي للعملة. فالسوق الموازي قد يفاقم تقلبات سعر الصرف، لكنه لا يخلق من تلقاء نفسه شح الدولار. ضعف الصادرات والإنتاج، وتراجع الثقة في المؤسسات والعملة، ومحدودية دخول التحويلات عبر القنوات الرسمية، كلها عوامل تغذي الطلب على النقد الأجنبي.
لذلك فإن ملاحقة تجار العملة أو فرض قيود إدارية لن تكون كافية ما لم تُعالج الأسباب التي صنعت السوق الموازي. فهو في جانب كبير منه مرآة لاختلال الاقتصاد الرسمي أكثر من كونه أصل الأزمة.
الأسعار تكشف عمق الانهيار
الانعكاس الأكثر وضوحاً للأزمة يظهر في الأسواق، حيث لم تعد الزيادات السعرية مجرد نتيجة لتقلبات الدولار، وإنما أصبحت انعكاساً لانكماش الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والطاقة والمدخلات.
ففي تقرير نشره الزميل عاصم إسماعيل في صحيفة العربي الجديد في 2 سبتمبر 2026، ارتفعت أسعار بعض المنتجات بنحو 30% خلال شهر، بينما تجاوز ارتفاع منتجات أخرى 50%، بالتزامن مع ركود في حركتي البيع والشراء.
وبحسب رئيس الغرفة القومية للمستوردين، هاشم أبو الفاضل، فإن الزيادات العالمية المرتبطة بحرب الشرق الأوسط وارتفاع فاتورة النقل الداخلي أسهما في ارتفاع الأسعار، لكنه أشار إلى أن الحكومة جربت وسائل مختلفة للسيطرة على سعر العملة، بينها حظر 46 سلعة واستيراد المواد البترولية، دون أن يتوقف صعود الدولار.
وتكشف بيانات السوق نفسها حجم الأزمة. ففي سوق المسيد بمحلية الكاملين بولاية الجزيرة، يوم 2 سبتمبر 2026، بلغ سعر جوال البطاطس 220 ألف جنيه، والليمون 480–500 ألف، والبصل الأحمر 140 ألفاً، والشطة 140–150 ألفاً، بينما بلغ جوال الفاصوليا 900 ألف جنيه والفول المصري 700–800 ألف، والكسبرة 550 ألفاً، والعدسية 400 ألف. كما بلغ جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً 290 ألف جنيه، وجوال زيت الفول زنة 36 رطلاً 380 ألفاً.
وتأتي أحدث الزيادات لتؤكد أن الأزمة لم تعد محصورة في أسواق السلع، بل وصلت إلى الخبز، وهو أكثر السلع ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.
فقد أعلن اتحاد المخابز بولاية الخرطوم تعديل سعر قطعة الخبز إلى 500 جنيه اعتباراً من الجمعة 4 سبتمبر 2026، مرجعاً القرار إلى الارتفاع المتواصل في تكاليف الإنتاج ومدخلات الصناعة. وقال نائب رئيس الاتحاد عصام عكاشة، في مقابلة مع راديو دبنقا، إن سعر جوال الدقيق ارتفع من 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف جنيه، بزيادة تقارب 40%، إلى جانب ارتفاع أسعار الزيت والخميرة وأجور العاملين.
ويكشف هذا التطور كيف تنتقل أزمة سعر الصرف وتكاليف الإنتاج تدريجياً إلى السلع الأساسية. فالخبز، الذي يمثل سلعة يومية لا يستطيع غالبية المواطنين الاستغناء عنها، أصبح بدوره أسيراً لتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف التشغيل.
وأوضح اتحاد المخابز أن صناعة الخبز غير مدعومة وتتأثر مباشرة بالتقلبات الاقتصادية وتراجع قيمة العملة الوطنية، فيما دعا نائب رئيس الاتحاد، عبر راديو دبنقا، إلى إعادة الصلاحيات للأمن الاقتصادي للحد من المضاربات في سوق العملات وكبح جماح التجار الذين يتسببون، بحسب وصفه، في انفلات الأسعار.
لكن المشكلة أعمق من المضاربة وحدها. فحتى لو جرى ضبط سوق العملات، فإن انخفاض الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والمدخلات وتراجع القوة الشرائية ستظل عوامل ضاغطة على الأسعار.
والأخطر أن ارتفاع الأسعار يحدث بالتزامن مع انهيار مصادر الدخل. فقد رسم أحد المواطنين العائدين إلى البلاد، في حديثه عن الوضع الاقتصادي، صورة قاتمة لسوق العمل، مشيراً إلى أن البطالة تهيمن على القطاع الأكبر من السكان بعد توقف معظم الأنشطة، بينما لم يتبقَّ سوى العمل الحكومي وبعض الأنشطة التجارية المحدودة، الأمر الذي أفقد غالبية الأسر مصادر دخلها الأساسية.
وهنا تظهر المفارقة الأخطر: الأسعار ترتفع، بينما الدخول تنكمش والبطالة تتسع.
فالتاجر يرفع السعر لمواجهة تكلفة الاستبدال، لكن المواطن فقد جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية، فتتباطأ حركة السوق ويتآكل رأس المال.
وتتشكل بذلك دائرة اقتصادية مغلقة:
إنتاج أقل و تكلفة أعلى ، أسعار أكبر و دخل أضعف ، طلب أقل و استثمار أقل ، إنتاج أقل.
ولهذا فإن ما نقلته «العربي الجديد» عن هاشم أبو الفاضل بشأن ضرورة الاتجاه إلى الإنتاج وزيادة الإنتاجية، يضع اليد على جوهر المشكلة: لا يمكن كبح الأسعار بصورة مستدامة في اقتصاد يتراجع إنتاجه باستمرار.
تهاوي الجنيه
تشكيل خلية لإدارة أزمة سعر الصرف يمكن أن يكون خطوة مهمة إذا تحولت إلى آلية تنسيق حقيقية بين وزارة المالية والبنك المركزي والجهات المعنية بالإنتاج والتجارة والصادرات. لكن نجاحها لن يقاس فقط بخفض الدولار مؤقتاً، وإنما بقدرتها على معالجة شح المعروض من النقد الأجنبي وارتفاع الطلب عليه.
وهذا يتطلب معالجة ملفات حصائل الصادر، والذهب، والتحويلات، والاستيراد، والإنتاج، والسوق الموازي، والإنفاق الحكومي، والجبايات، والثقة في النظام المصرفي.
وفي المقابل، حذّر خبراء اقتصاديون ومصرفيون، بحسب ما أوردته الزميلة ناهد محمد في صحيفة صوت الأمة، العدد 1663 الصادر في 2 سبتمبر 2026، من «التدهور المريع» في قيمة الجنيه، ودعوا البنك المركزي إلى إجراءات عاجلة، بينها التحكم في حجم الكتلة النقدية. كما توقعوا احتمال تجاوز الدولار 8000 جنيه خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وصولاً إلى انهيار اقتصادي كامل في المدى القصير إذا لم تُتخذ المعالجات اللازمة.
والأهم أن الخبراء ربطوا الأزمة النقدية مباشرة باستمرار الحرب، مؤكدين ضرورة أن تضطلع القيادة السياسية بدور متعاظم في وقف نزيف الحرب «بأي كلفة»، في ظل ارتفاع الإنفاق الحكومي عليها وتراجع الإيرادات وتسارع التضخم.
وهنا تكمن المفارقة: الحكومة تحاول إنقاذ العملة بينما تستنزف الحرب الموارد التي تحتاج إليها عملية الإنقاذ.
الدولة جزءاً من الأزمة
المشكلة في جوهرها ليست نقدية فقط، وإنما أزمة دولة. فالاقتصاد يحتاج إلى سياسة نقدية موحدة، وإدارة واضحة للموارد العامة، وتنظيم للتجارة، وحماية للأسواق، ونظام مصرفي موثوق، ومؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات.
لكن الحرب والانقسام السياسي والعسكري أضعفا هذه الوظائف. ولذلك فإن انهيار الجنيه يعكس أيضاً أزمة ثقة في قدرة الدولة على إدارة الحاضر والمستقبل الاقتصادي.
فالعملة لا تستمد قيمتها من القرارات الإدارية وحدها؛ إنها تحتاج إلى إنتاج وصادرات ونقد أجنبي ومؤسسات مستقرة وثقة عامة.
وقف الحرب ليس ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد، بل هو جزء من المعادلة الاقتصادية نفسها. كل يوم إضافي للحرب يعني مصنعاً متوقفاً، وموسماً زراعياً مهدداً، ورأس مال بشرياً يغادر البلاد، وأسرة تفقد مصدر دخل، وبنية تحتية تتدهور، ومستثمراً يؤجل قراره.
وفي الوقت نفسه، يتوسع اقتصاد الحرب وتتعاظم مصالح الشبكات المستفيدة منه. ولذلك فإن إطالة الحرب لا تزيد الخسائر الإنسانية فقط، بل ترفع أيضاً كلفة إعادة بناء الاقتصاد والدولة.
والأخطر أن استمرار الحرب قد يحول الاقتصاد السوداني من اقتصاد يفترض أن يقوم على الزراعة والصناعة والتجارة والخدمات إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على التحويلات والمساعدات والذهب والتجارة غير الرسمية والأنشطة المرتبطة بالنزاع.
تمدد الأزمة الإنسانية
الحرب تخرج ملايين الأشخاص من الإنتاج والعمل، والنزوح يقطع علاقة المزارع بأرضه والعامل بوظيفته والتاجر بسوقه. ومع فقدان الدخل تتزايد الحاجة إلى المساعدات، بينما يؤدي التضخم إلى تآكل قيمتها وقدرتها على تغطية الاحتياجات.
وهكذا يدخل الاقتصاد في دائرة أخرى: إنتاج أقل، احتياجات أكبر، موارد عامة أضعف، واعتماد متزايد على المساعدات والتحويلات.
إنقاذ الجنيه لا يمكن أن يتم بقرار نقدي منفرد، كما أن خفض التضخم بصورة مستدامة لا يتحقق بالإجراءات الإدارية وحدها. البداية الحقيقية هي وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة، ثم استعادة مؤسسات الدولة وتوحيد إدارة المالية والنقد وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.
وفي المدى القصير، تحتاج الدولة إلى ضبط الإنفاق العام، وتحسين إدارة النقد الأجنبي، وضمان دخول حصائل الصادرات إلى النظام الرسمي، ومكافحة تهريب الذهب، وتسهيل التحويلات، وتقليل اختناقات استيراد السلع الضرورية.
أما على المدى المتوسط، فيجب توجيه الموارد إلى الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية، وإصلاح الضرائب والجبايات بما يشجع الإنتاج بدلاً من استنزافه.
ويجب أن تكون إعادة بناء مشروع الجزيرة وإصلاح منظومة الري أولوية استراتيجية للأمن الغذائي والتعافي الاقتصادي، لا مشروعاً زراعياً منفصلاً؛ لأن إنقاذ الإنتاج الزراعي يعني في الوقت نفسه تقليل الواردات، وتوفير الغذاء، وخلق فرص العمل، وتحسين النقد الأجنبي.
عموما: يختزل كثير من السودانيين الأزمة في سؤال: كم بلغ الدولار؟
لكن السؤال الأهم هو: لماذا أصبح السودان يحتاج إلى هذا الكم من الدولار، ولماذا لم يعد قادراً على إنتاج ما يكفيه من الغذاء والسلع والعملات الأجنبية؟
انهيار الجنيه نتيجة لتراجع الثقة وشح النقد الأجنبي وانكماش الإنتاج. والتضخم نتاج تفاعل انهيار العملة مع نقص السلع وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والمدخلات. أما السوق الموازي وتهريب الذهب والممارسات غير الرسمية، فهي تزيد الاختلالات، لكنها تكشف في الوقت نفسه ضعف الاقتصاد الرسمي.
لذلك لا يواجه السودان في 2026 أزمة مالية عابرة، بل أزمة نموذج اقتصادي أنتجته الحرب.
والتحدي ليس أن تنجح الحكومة في إدارة الدولار عند 6600 جنيه أو منع وصوله مؤقتاً إلى 8000، وإنما أن تعيد بناء اقتصاد يستطيع إنتاج الدولار بدلاً من مطاردته.
إنقاذ الاقتصاد السوداني ليس مشروعاً لإنقاذ العملة وحدها؛ إنه مشروع لاستعادة الدولة والإنتاج والسوق والثقة معاً.
ولهذا فإن السلام ليس فقط مدخلاً لإنهاء القتال ومطلباً إنسانياً وسياسياً، بل هو أيضاً أول سياسة اقتصادية عاجلة يحتاجها السودان.
فالسلام يعيد الأمن إلى المزارع، والسوق إلى التاجر، والعمال إلى المصانع، ورأس المال إلى الاستثمار، والموارد إلى الدولة، والثقة إلى العملة.
وفي النهاية، قد تستطيع الحكومة إدارة أزمة الجنيه لبعض الوقت، لكن لا يمكن إدارة انهيار الاقتصاد إلى ما لا نهاية.
السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان ليس فقط: كم يساوي الدولار؟
بل: كم بقي من اقتصاد قادر على إنتاج القيمة، وكم بقي من دولة قادرة على حمايته؟

