الإثنين, سبتمبر 14, 2026
تقاريرسياسة

صحفيون يُقتلون وإعلامٌ يُدمَّر (2-2)

تقرير: حسين سعد

لم تكتفي الحرب الكارثية بقتل الصحفيين واعتقالهم وتشريدهم؛ فقد امتدت إلى المكان الذي يعملون فيه، والأدوات التي يستخدمونها، والمنصات التي ينقلون عبرها الحقيقة إلى الناس.

عندما تُغلق مؤسسة إعلامية، أو تُصادر كاميرا، أو ينقطع الإنترنت، أو يفقد صحفي وظيفته، لا يخسر العامل في الإعلام مصدر رزقه فقط؛ بل يخسر المجتمع نافذة من نوافذه على الحرب.

وبعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، باتت الصحافة السودانية تواجه واقعاً قاسياً: صحفيون قُتلوا، وآخرون اختفوا أو اعتُقلوا، ومؤسسات دُمرت، ومئات العاملين نزحوا، بينما أصبحت المعلومة نفسها واحدة من ساحات الصراع.

بحسب الأرقام التي أوردتها نقابة الصحفيين السودانيين في مايو 2026، دمرت الحرب أو عطلت جزءاً كبيراً من البنية الإعلامية في السودان، فيما تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى تضرر نحو 80% من المؤسسات الإعلامية.

وهذه النسبة لا تعكس فقط مباني مدمرة أو استوديوهات خرجت من الخدمة. خلفها غرف أخبار توقفت، وأرشيفات ضاعت، وأجهزة ومعدات صودرت أو تحطمت، وصحفيون فقدوا وظائفهم، ومؤسسات لم تعد قادرة على دفع رواتب العاملين فيها.

لقد كان الإعلام، منذ بداية الحرب، من أكثر القطاعات تعرضاً لضربة مزدوجة: ضربة مادية أصابت مقراته ومعداته، وضربة سياسية وأمنية استهدفت استقلاليته وقدرته على نقل رواية مختلفة عن الروايات التي تفرضها أطراف الصراع.

في مايو 2026، فرضت قوات الدعم السريع قيوداً على استخدام خدمات الإنترنت عبر أجهزة الاتصالات الفضائية في محلية الردوم بجنوب دارفور، وصادرت عدداً من الأجهزة المستخدمة في مناطق التعدين، في ظل اتهامات بارتباطها بتسريب معلومات ميدانية.

معلوم ان الإنترنت أكثر من وسيلة تقنية بالنسبة للصحفي؛ إنه شريان العمل نفسه. من دونه لا يستطيع الصحفي الوصول إلى المصادر، ولا إرسال الصور والفيديوهات، ولا نشر شهادات الضحايا، ولا التأكد من المعلومات المتداولة.
وهكذا يتحول قطع الاتصال إلى شكل آخر من أشكال تقييد المعرفة.

أخطر ما أنتجته الحرب هو تحويل الإعلام إلى جزء من المعركة السياسية والعسكرية.
كل طرف يسعى إلى السيطرة على الرواية، وتقديم تفسيره للأحداث، وإقناع الجمهور بأن روايته هي الحقيقة الوحيدة.
وفي هذه البيئة، يصبح الصحفي الذي يحاول الاحتفاظ بمسافة مهنية من أطراف القتال معرضاً للاتهام بالانحياز.

وقد حذرت نقابة الصحفيين السودانيين من عسكرة الفضاء الإعلامي عبر الرقابة والترهيب والتوظيف الدعائي، معتبرة أن ذلك يعمق الانقسام ويضعف فرص المصالحة الوطنية.

وهذه ليست مجرد مشكلة تخص الصحفيين. لاسيما عندما يصبح الإعلام أسير الاستقطاب العسكري والسياسي، يفقد المواطن قدرته على التمييز بين المعلومة والدعاية، وبين الشهادة والتعبئة، وبين الخبر والتحريض.

وفي الحرب، قد يكون ثمن المعلومة الخاطئة كبيراً؛ لكن ثمن غياب المعلومة أكبر.

فقد اضطر كثير من الصحفيين والصحفيات إلى مغادرة مدنهم، وفقدوا منازلهم ومقار عملهم ومصادر دخلهم، وانتقل بعضهم إلى مناطق أخرى داخل السودان، بينما خرج آخرون إلى دول الجوار.

ومع النزوح، لم تعد المشكلة في الوصول إلى مكان آمن فقط، وإنما في كيفية الاستمرار في ممارسة المهنة.
صحفي فقد منزله قد يفقد مكتبه، وصحفية نزحت مع أطفالها قد تجد نفسها بلا دخل، ومصور خرج من منطقة القتال قد لا يستطيع حمل معداته معه، بينما تواجه المؤسسات التي كانت توظف هؤلاء الصحفيين أزمات مالية وتشغيلية.

وهكذا أصبح النزوح واحداً من العوامل التي تهدد استمرارية الصحافة السودانية نفسها.
عندما تفقد الصحافة أدواتها
الكاميرا بالنسبة للمصور ليست مجرد جهاز؛ إنها ذاكرة.
والهاتف بالنسبة للصحفي ليس مجرد وسيلة اتصال؛ إنه دفتر ملاحظاته، ومصدر معلوماته، وأداة التسجيل والتوثيق والنشر.

وعندما تُصادر هذه الأدوات أو تُدمر، فإن الخسارة تتجاوز صاحبها إلى المجتمع الذي يفقد جزءاً من ذاكرته اليومية.

لهذا فإن استهداف معدات الصحفيين لا ينبغي النظر إليه بوصفه خسارة مادية فحسب، بل باعتباره عائقاً أمام التوثيق والوصول إلى الحقيقة.

ومع انهيار المؤسسات الإعلامية، أصبحت أعداد كبيرة من الصحفيين أمام فقدان الوظائف وانخفاض الدخول، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المعيشة وأصبح النزوح نفسه عبئاً اقتصادياً هائلاً.
فتقرير شبكة إعلاميات الصادر في ديسمبر 2025 كشف أن الصحفيات تعرضن للقتل والاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي والتشريد والمنع من السفر والتهديد الإلكتروني والتنمر والتشهير، إضافة إلى اقتحام المنازل ومصادرة الهواتف والكاميرات ومعدات العمل.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة: 40% من الصحفيات تعرضن لأحد أشكال العنف، و72% لم يتلقين تدريباً متخصصاً في تغطية الأزمات والصراعات أو السلامة أثناء الحرب.

كما فقدت 56% من الصحفيات وظائفهن أو انخفضت دخولهن، فيما كانت النسبة نفسها تقريباً من الصحفيات المعيلات الرئيسيات لأسرهن.

وفي الأشهر الأولى للحرب، فقدت 90% من الصحفيات فرص العمل.

وهذا يعني أن الحرب لم تضع الصحفيات أمام الخطر الأمني فقط؛ بل هددت أيضاً استقلالهن الاقتصادي وقدرتهن على الاستمرار في المهنة.

دعونا نتسأل ها يمكن حماية الحقيقة؟
في ظل هذه الوقائع، تبدو حماية الصحفيين والمؤسسات الإعلامية جزءاً أساسياً من أي تصور لإنهاء الحرب، وليس ملفاً مهنياً مؤجلاً إلى ما بعد السلام.
فالصحفي ليس مقاتلاً، والمؤسسة الإعلامية ليست طرفاً في المعركة.

وحماية الصحافة تعني في جوهرها حماية حق المجتمع في المعرفة، وحماية الشهود الذين يوثقون الانتهاكات، وحماية الذاكرة الوطنية من أن تكتبها البنادق وحدها.

وتؤكد نقابة الصحفيين السودانيين وشبكة إعلاميات أن الصحفيين ليسوا طرفاً في الحرب، وأن حماية الصحافة ليست امتيازاً مهنياً للصحفيين وحدهم، وإنما حماية لحق المجتمع في المعرفة والوصول إلى الحقيقة.

عليه تصبح المعركة على الحقيقة مرتبطة مباشرة بمستقبل السودان.
فلا يمكن بناء سلام مستدام على روايات أحادية، ولا يمكن تحقيق العدالة في ظل غياب من يوثق الانتهاكات، ولا يمكن للمجتمع أن يتصالح مع ماضيه إذا حُرم من معرفة ما حدث.

لقد قتلت الحرب صحفيين، وغيبت آخرين، ودفعت الآلاف إلى النزوح، ودمرت أو عطلت مؤسسات إعلامية، وصادرت أدوات العمل، وحاصرت تدفق المعلومات.
لكن الحقيقة لا تموت بموت الصحفي.

قد تُغلق غرفة الأخبار، لكن الشهادة تبقى. وقد تُصادر الكاميرا، لكن الصورة التي التقطتها قبل مصادرتها يمكن أن تصبح وثيقة. وقد يختفي الصحفي، لكن السؤال عن مصيره يظل قائماً.

لذلك إن حماية الصحافة في السودان ليست ترفاً، ولا مطلباً نخبوياً، ولا قضية تخص الصحفيين وحدهم؛ إنها جزء من معركة أوسع من أجل حق السودانيين في معرفة ما جرى لبلادهم، ومن أجل العدالة والسلام والديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *