الجمعة, سبتمبر 11, 2026
تقاريرسياسة

صاحبة الجلالة تحت القصف والقتل والاعتقال (1-2)

تقرير: حسين سعد

حرب السودان الكارثية لم تستهدف المدن وحدها لم تدمر الأعيان المدنية ومحطات المياه والكهرباء والمستشفيات فقط ، وفي ذات الوقت لم تقتصر خسائرها على القتلى والجرحى والنازحين واللاجئين الذين فروا من جحيم المعارك. ثمة خسارة أخرى أقل ظهوراً، لكنها لا تقل خطورة: خسارة من يملكون شجاعة رواية ما يحدث، وتوثيق ما يجري، ونقل أصوات الضحايا إلى العالم.

منذ اندلاع الحرب اللعينة، وجد الصحفيون والصحفيات أنفسهم في مواجهة حرب متعددة الوجوه؛ رصاص وقصف، واعتقالات واختفاء قسري، تهديد وتشريد، مصادرة معدات، فقدان وظائف وتدمير مؤسسات إعلامية.
وفصل من العمل مثل حالة كاتب التقرير الذي فصل من دبنقا في أكتوبر ٢٠٢٣م ، وأصبح مزارع بمشروع الجزيرة والمناقل القسم الشمالي مكتب المعيلق وهنالك حالات عديدة للصحفيين والصحفيات الذين فقدوا وظائفهم بمهن اخري

وبينما تتصارع الأطراف المسلحة على الأرض، نشأ صراع آخر على الرواية والحقيقة، أصبح فيه الصحفي المستقل مهدداً لأنه يصر على أن يرى ويسأل وينقل.

وفي 3 مايو 2026، قالت نقابة الصحفيين السودانيين إن الحرب أودت بحياة 34 صحفياً وصحفية، بينهم خمس صحفيات، فيما وثقت 680 انتهاكاً بحق الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، شملت القتل والاعتقال والاختفاء القسري والتشريد والاعتداءات الجسدية ومصادرة المعدات والاستهداف المباشر للمؤسسات الإعلامية.

لكن الأرقام، مهما كانت قسوتها، لا تستطيع وحدها أن تحكي المأساة. خلف الرقم 34 أسرة فقدت ابناً أو أباً أو زوجاً أو أماً، وزملاء فقدوا صوتاً كان يحمل أخبار الناس، ومجتمع فقد شاهداً على واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخه الحديث.
وبعد ذلك التاريخ، استمر سقوط الصحفيين َفي الثامن من سبتمبر 2026، قُتل الصحفي عبدالرحمن محمد أبكر، أحد العاملين بهيئة إذاعة وتلفزيون ولاية جنوب دارفور، إثر استهداف بطائرة مسيّرة في ضواحي مدينة نيالا.

وبحسب بيان نعي صادر عن بعض منسوبي الهيئة، كان عبدالرحمن يرعى أغنامه بالقرب من منزله عندما تعرض للاستهداف. وكان يعمل في قسم الأخبار بإذاعة وتلفزيون نيالا، قبل أن تنتهي حياته في مشهد يلخص اتساع دائرة الحرب التي لم تعد تميز بين صحفي يؤدي مهمته في غرفة الأخبار، وصحفي خارجها، بل وحتى صحفي يمارس حياته اليومية بالقرب من منزله.

مقتل عبدالرحمن جاء في ظل استمرار استهداف الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي، ويطرح مجدداً سؤالاً بالغ القسوة: كيف يمكن للصحفي أن يحمي الحقيقة إذا كان هو نفسه لا يجد مكاناً آمناً للحياة؟

وكان الصحفيون في مناطق القتال من بين المدنيين الذين دفعوا ثمناً باهظاً للحرب. ففي 4 أكتوبر 2025، توفي الصحفي النور أحمد سليمان، مسؤول الإعلام بمكتب والي شمال دارفور، متأثراً بجراح أصيب بها خلال قصف عشوائي استهدف منازل المدنيين في مدينة الفاشر.

وفي الفاشر أيضاً، أصيب الإعلامي والمتطوع مشاعل ود الفاشر في 31 أغسطس 2025، أثناء توجهه لأداء عمله في التكايا، نتيجة شظايا قصف داخل المدينة. وهي واقعة تكشف أن الخطر لم يعد مرتبطاً فقط بالمراسل الذي يحمل كاميرته إلى خطوط النار؛ فقد أصبح الإعلاميون عرضة للخطر حتى أثناء أداء مهام إنسانية ومجتمعية.

لكن القتل لم يكن السلاح الوحيد الذي واجهت به الحرب الصحافة.
فالاعتقال تحول إلى وسيلة متكررة لإسكات الأصوات الصحفية، ودفع كثيراً من الصحفيين إلى الاختباء أو النزوح أو مغادرة البلاد.
في 4 مايو 2024، اعتُقل المصور الصحفي عبدالعزيز محمود صالح عرجة في زالنجي بوسط دارفور خلال مداهمة نفذتها قوة من استخبارات الدعم السريع حيث أمضى نحو أربعة أشهر في الاحتجاز بتهمة التعاون مع الجيش، قبل الإفراج عنه مقابل فدية بلغت 3.15 مليون جنيه سوداني، مع منعه من مغادرة المدينة.

وبعد أكثر من سبعة أشهر، تمكن من الفرار إلى تشاد عبر طرق غير رسمية، لكنه عاد إلى السودان في أبريل 2025، حيث أوقفته خلية أمنية واحتجزته لأربعة أشهر إضافية قبل نقله إلى السجن القومي. ويواجه عرجة اتهامات بموجب مواد من القانون الجنائي تتعلق بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، إضافة إلى مادة من قانون جرائم المعلوماتية.

وفي سبتمبر 2025، اعتُقل الصحفي عمر ود أبكر في مدينة الأبيض بسبب مقال نشره على صفحته في فيسبوك انتقد فيه الأوضاع الأمنية وأداء السلطات المحلية.

وفي ديسمبر من العام نفسه، اعتقلت السلطات الأمنية بولاية القضارف الإعلامي عمر عمارة، السكرتير الثقافي لمنتدى شروق، من منزله.
وتكشف هذه الوقائع أن الملاحقة لم تعد مرتبطة بالتغطية الميدانية وحدها؛ فحتى ما يكتبه الصحفي على هاتفه أو صفحته الشخصية يمكن أن يتحول، في زمن الحرب، إلى سبب للاعتقال والمساءلة.
الأخطر من الاعتقال المعلن هو الاختفاء القسري، حين لا تعرف الأسرة مكان وجود الصحفي، ولا الجهة التي تحتجزه، ولا ما إذا كان حياً أو ميتاً.
وفي 2 سبتمبر 2026، قالت نقابة الصحفيين السودانيين إن خمسة صحفيين ما زالوا رهن الاختفاء القسري، وهم: أشرف الحبر منذ نوفمبر 2024 من أم درمان، ومصطفى فضل المولى «أبو قوته»، المدير العام لهيئة إذاعة وتلفزيون وسط دارفور، منذ سبتمبر 2025، إضافة إلى مجدي يوسف الزين، المصور الصحفي، ومحمد حسين شلبي ومصعب الهادي منذ أكتوبر 2025 من الفاشر.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار اعتقال الصحفي معمر إبراهيم، الذي اعتقلته قوات الدعم السريع في الفاشر أثناء محاولته مغادرة المدينة، ووجهت إليه اتهامات مرتبطة بعمله الصحفي ومواقفه من الحرب.

وفي مايو 2026، حذرت نقابة الصحفيين من تدهور وضعه الصحي بعد ثمانية أشهر من الاحتجاز، مشيرة إلى حرمانه من الرعاية والفحص الطبي. كما أعربت عن قلقها بشأن مصير الصحفي عصام محمد هارون، الذي لا يزال مكان احتجازه مجهولاً، وحذرت كذلك من تدهور الحالة الصحية لعبدالعزيز عرجة.

هنا لا تعود قضية الصحفي المعتقل مجرد قضية حرية تعبير. إنها تصبح قضية حياة، وسلامة جسدية، وحق أسرة في معرفة مصير أحد أفرادها.

في ظل هذه الوضعية الأمنية المحفوفة بالمخاطر ، لا تملك الأسر في كثير من الحالات سوى الانتظار، بينما تتحول الأسئلة اليومية إلى عذاب مفتوح: أين هو؟ من يحتجزه؟ هل ما زال حياً؟ ولماذا لا يعرف أحد مصيره؟
في 16 مايو 2026، احتجزت السلطات الأمنية المصرية الصحفية السودانية درة قمبو في مطار القاهرة ومنعتها من دخول مصر، رغم حصولها، وفق المعلومات التي أوردتها نقابة الصحفيين، على موافقة أمنية مسبقة.

وبحسب النقابة، أمضت قمبو أكثر من 12 ساعة داخل صالات المطار، وجُردت من هاتفها وجواز سفرها قبل ترحيلها تحت الحراسة الأمنية إلى الدوحة.

وفي يوليو 2026، أوقفت السلطات الصحفي الرياضي نادر عطا من مقر إقامته في الخرطوم، على خلفية بلاغ جنائي بسبب مقال صحفي، وبدأت إجراءات ترحيله إلى بورتسودان لاستكمال الإجراءات القانونية.
ويوم ٩ سبتمبر ٢٠٢٦م اعتقلت قوة أمنية مصرية الصحفي عطاف محمد مختار رئيس تحرير صحيفة “السوداني” من داخل منزله بالقاهرة واحتجزته قيد التحقيق.
ولم تصدر السلطات المصرية بيانًا رسميًا يوضح الأسباب.

وفي سبتمبر 2025، أوقفت وزارة الإعلام والثقافة والسياحة الصحفية لينا يعقوب، مديرة مكتبي قناتي العربية والحدث، وسحبت ترخيصها الصحفي، متهمة إياها بارتكاب مخالفات مهنية ونشر معلومات غير موثقة ومضللة.

في المقابل، اعتبرت نقابة الصحفيين السودانيين القرار انتكاسة لحرية الصحافة، وقالت إن استخدام عبارات مثل «الأمن الوطني» و«المصلحة العامة» يمكن أن يفتح الباب أمام تقييد العمل الصحفي المستقل، خصوصاً في ظل غياب أدلة واضحة ومحددة، بحسب موقف النقابة الوارد في التقرير.

هذه الوضعية تعكس معضلة الحرب بوضوح: كيف يمكن محاسبة الصحفي على الخطأ المهني دون تحويل القوانين إلى أدوات لإسكات الصحافة؟ وكيف يمكن مواجهة المعلومات المضللة دون حرمان المجتمع من حقه في المعرفة؟

داخل هذه الحرب الكارثية ، تواجه الصحفيات السودانيات مخاطر إضافية بسبب النوع الاجتماعي.
ففي تقرير لشبكة إعلاميات صدر في ديسمبر 2025، تعرضت الصحفيات للقتل والاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي والتشريد والمنع من السفر والتهديد الإلكتروني والتنمر والتشهير، إلى جانب اقتحام المنازل ومصادرة الهواتف والكاميرات ومعدات العمل.

وكشفت البيانات أن 40% من الصحفيات تعرضن لنوع من أنواع العنف، كان أبرزها العنف النفسي واللفظي والتهديد، فيما لم تتلقَّ 72% منهن تدريباً متخصصاً في تغطية الأزمات والصراعات أو السلامة أثناء الحرب.

كما أشارت البيانات إلى أن 56% من الصحفيات فقدن وظائفهن أو انخفضت دخولهن، بينما تمثل النسبة نفسها من الصحفيات المعيلات الرئيسيات لأسرهن.
وفي الأشهر الأولى للحرب، فقدت 90% من الصحفيات فرص العمل، قبل أن ترتفع نسبة من واصلن العمل الصحفي بدرجات مختلفة إلى 72%.

وهكذا أصبحت الصحفية السودانية تخوض معركتين في وقت واحد: معركة البقاء في بيئة حرب، ومعركة الحفاظ على وجودها المهني في سوق عمل ينهار تحت وطأة النزوح والدمار.

فالحرب لم تقتل الصحفيين فقط؛ لقد ضربت البنية التي تقوم عليها الصحافة نفسها.
مصادرة الكاميرات والهواتف وأجهزة الاتصال، وتدمير أو استهداف المؤسسات الإعلامية، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وفقدان المقرات والمعدات، كلها حولت ممارسة الصحافة إلى مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر.

وفي مايو 2026، فرضت قوات الدعم السريع قيوداً على استخدام خدمات الإنترنت عبر أجهزة الاتصالات الفضائية في محلية الردوم بجنوب دارفور، وصادرت عدداً من الأجهزة المستخدمة في مناطق التعدين، في ظل اتهامات بارتباطها بتسريب معلومات ميدانية.

بالنسبة للصحفي، لا يعني فقدان الهاتف أو الكاميرا خسارة مادية فحسب؛ إنه يعني فقدان أداة أساسية لجمع المعلومات وتوثيقها وإرسالها. أما انقطاع الإنترنت والكهرباء، فيعني عزل الصحفي عن جمهوره وعن العالم.

وتزداد الأزمة مع انهيار سوق العمل الصحفي، وانخفاض الأجور، وفقدان الوظائف، وارتفاع تكاليف المعيشة، لتصبح الاستمرارية المهنية نفسها معركة من أجل البقاء.

لكن خلف كل ذلك تقف قضية أكبر: من يملك حق رواية الحرب؟

ففي الحلقة المقبلة، ننتقل من رصد القتل والاعتقال والاختفاء إلى الحرب على المؤسسة الإعلامية نفسها؛ كيف دُمّرت غرف الأخبار، وكيف تحولت الصحافة إلى ساحة صراع على الرواية، ولماذا لا يعني إسكات الصحفيين إسكات الحقيقة، بل تهديد ذاكرة بلد بأكمله. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *