الطيب الهادي قتل وهو يحمل هم خمسة أشقاء
كتب: حسين سعد
رحل الطيب الهادي أحمد عن عمر لم يتجاوز 16 عامًا، لكنه كان يحمل على كتفيه مسؤوليات تفوق سنوات عمره بكثير. فقد والديه، وأصبح المعيل والسند لخمسة أشقاء أصغر منه، قبل أن تنهي حياته الضربة التي استهدفت معدّنين سودانيين في شمال السودان، في حادثة أثارت مطالبات بإجراء تحقيق مستقل وعاجل لكشف ملابساتها وتحديد المسؤولين عنها.
كان الطيب يعيش لأجل أشقائه الخمسة: عبد القادر، وجلال، ومصطفى، وأم كلثوم، ورقية. لم يكن طفلًا يعيش سنوات مراهقته مثل أقرانه؛ فقد وجد نفسه بعد وفاة والديه أمام مسؤولية أسرة صغيرة، يبحث عن العمل والرزق ويحاول أن يوفر لهم الطعام والاحتياجات الأساسية.
وكان يأمل في السفر للعمل، ليؤمّن لأشقائه ما يحتاجونه، ثم يعود إلى ديونه والتزاماته.
لكن الموت سبقه.
وفي مقطع فيديو متداول، ترك الطيب وصية لإخوته، قال فيها: «أنا عافي عنكم وراضي عنكم، وإنتوا ذاتكم أعفوا لي».
ثم انتقل إلى تفاصيل تبدو صغيرة أمام هول الموت، لكنها تكشف الكثير عن شخصيته؛ أوصى بإعطاء كيلتي سمسم لشخص له حق عنده، وأشار إلى أموال موجودة لدى أحد الأشخاص، كما كان عليه دين يشمل كيلتي سمسم وأربع شوالات من العيش.
حتى في لحظة الرحيل، كان الطيب يفكر في حقوق الآخرين.
العمر الذي كان يفترض أن يكون فيه منشغلًا بالدراسة وأحلام المستقبل، كان الطيب منشغلًا بتوفير لقمة العيش لأشقائه، وتسديد الديون، والتخطيط للعمل والسفر.
فقد والديه، ثم حمل مسؤولية خمسة أطفال، قبل أن يفقد حياته هو الآخر.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الطيب واحد من ضحايا القصف الذي استهدف مواقع للتنقيب عن الذهب في شمال السودان قرب الحدود المصرية السودانية، في حادثة خلفت قتلى ومصابين، وسط تضارب بشأن العدد الإجمالي للضحايا وعدم إعلان حصيلة نهائية مؤكدة.
وفي هذا السياق، أدان تحالف «قوى التغيير الجذري» القصف، وطالب بإجراء تحقيق مستقل وعاجل وشفاف لكشف ملابسات الحادث ومحاسبة المسؤولين عنه، إلى جانب حماية المدنيين وصون السيادة السودانية.
وقال التحالف، في بيان صدر الاثنين، إن المعلومات المتداولة تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وقدّرت بعض المعلومات عدد القتلى بما بين 200 و500 شخص، مشددًا على أن هذه الأرقام وظروف الاستهداف ينبغي أن تخضع للتحقق والتحقيق المستقل.
واعتبر التحالف أن استهداف مواطنين داخل الأراضي السودانية، إذا ثبت، يمثل انتهاكًا خطيرًا للسيادة الوطنية، ويثير تساؤلات حول حماية المدنيين والموارد السودانية، داعيًا إلى موقف سوداني موحد تجاه الحادث.
كما انتقد صمت سلطة الأمر الواقع في السودان بقيادة عبد الفتاح البرهان، مطالبًا بإعلان موقف واضح وتقديم معلومات للرأي العام حول ملابسات القصف، ومساءلة كل من يثبت تورطه في أي انتهاكات مرتبطة بالحادث.
ودعا التحالف القوى السياسية والمجتمعية والشعب السوداني إلى «توحيد الإرادة ورص الصفوف» لمواجهة ما وصفه بانتهاكات السيادة الوطنية، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي، وربط ذلك بضرورة وقف الحرب وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية.
وأكد كذلك أن علاقات السودان الخارجية ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، رافضًا ما وصفه باستباحة الأراضي والموارد السودانية.
لكن خلف كل هذه الأرقام والمواقف والبيانات، هناك وجه إنساني لا ينبغي أن يضيع.
هناك الطيب، ابن السادسة عشرة، الذي فقد والديه قبل أن يفقد حياته، وحمل مسؤولية خمسة أشقاء صغار، ثم رحل تاركًا إياهم أمام فاجعة جديدة.
لم يكن الطيب رقمًا في قائمة الضحايا.
كان أخًا، ومعيلًا، وسندًا، وشابًا كان يحاول أن يصنع لأشقائه حياة أفضل.
رحم الله الطيب الهادي أحمد، ورحم جميع الضحايا، وجبر قلوب أشقائه الصغار، وشفى المصابين، وكشف مصير المفقودين، وفتح تحقيقًا مستقلًا يكشف الحقيقة كاملة ويضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته.

