السبت, أكتوبر 24, 2026
تقاريرسياسة

صاحبة الجلالة.. بين رصاص الحرب وسيف القانون

كتب: حسين سعد

منذ اندلاع حرب منتصف أبريل 2023، لم تعد الصحافة السودانية تواجه الخطر عند خطوط النار وحدها، بل أصبحت الكلمة نفسها في مرمى الاستهداف. فقد تعرض الصحفيون للقتل والاعتقال والاختفاء والتهديد والفصل والتشريد، ودُمّرت مؤسسات إعلامية وأُغلقت أخرى، وفقد مئات الصحفيين وظائفهم ومصادر دخلهم، لتتحول ممارسة المهنة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

الحرب على الكلمة

في هذا السياق، تأتي التعديلات الأخيرة على القانون الجنائي السوداني لتثير مخاوف من إعادة إنتاج القيود على الصحافة عبر التشريع، بعدما فرضت الحرب قيودها بالسلاح والخوف والتهديد. فإدخال النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن الأفعال المرتبطة بجرائم خطيرة، بعقوبات تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد، يطرح أسئلة جدية حول مستقبل حرية التعبير وحدود استخدام القانون في مواجهة الكلمة والمعلومة والرأي.

حقوقياً، حماية الصحافة التزام أساسي يرتبط بحرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات ونقلها. ونقابياً، هي حماية للمهنة من الابتزاز والخوف وفقدان الاستقلال. أما سياسياً، فإن إضعاف الصحافة في بلد تمزقه الحرب والانقسامات يعني تقويض إحدى أهم أدوات كشف الانتهاكات ومراقبة السلطة والدفاع عن الضحايا ودعم فرص السلام والعدالة.

صحافة تحت النار..

تكشف حصيلة الحرب حجم الكارثة التي أصابت الصحافة السودانية؛ فقد قُتل 35 صحفياً وصحفية، واعتُقل المئات، إلى جانب تعرض آخرين للتهديد والملاحقة والاعتداء والاختفاء القسري.

ليست هذه الأرقام مجرد إحصاءات مهنية؛ فكل صحفي قُتل يمثل صوتاً انقطع، وكل معتقل يمثل خسارة لمساحة من المعرفة العامة. فالصحفي في مناطق النزاع شاهد على الانتهاكات، ووسيط بين الضحايا والعالم، ومصدر للمعلومات التي يصعب الوصول إليها عبر القنوات الرسمية. لذلك فإن استهدافه يمس حقوق الإنسان وحق الجمهور في المعرفة، ولا يمكن اختزاله في خلاف مهني أو سياسي.

تدمير المؤسسات الصحفية..

لم تتوقف آثار الحرب عند الصحفيين، بل امتدت إلى المؤسسات التي تنتج الأخبار وتحفظ الذاكرة الوطنية. وتشير التقديرات الواردة بشأن الأزمة إلى تدمير أو تعطيل نحو 80% من المؤسسات الإعلامية السودانية.

فالمؤسسة الإعلامية ليست مبنى وأجهزة فحسب، وإنما شبكة من الصحفيين والفنيين والإداريين، وأرشيف للمعلومات وذاكرة للأحداث ومساحة للنقد والمساءلة. وعندما تتوقف، يخسر الصحفي وظيفته، ويخسر المجتمع إحدى مؤسساته المنتجة للمعرفة والموثقة للأحداث.

لذلك، لا يمكن أن تقتصر إعادة إعمار السودان على الطرق والمباني والأسواق، بينما يظل الإعلام مدمراً؛ فإعادة بناء الدولة تتطلب مؤسسات إعلامية مستقلة، قادرة على العمل بعيداً عن الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

الفصل والتشريد..

خلف أرقام القتلى والمعتقلين أزمة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في الفصل والتشريد وفقدان مصادر الدخل. فقد وجد مئات الصحفيين أنفسهم خارج مؤسساتهم بسبب توقف الصحف والقنوات والإذاعات، أو النزوح، أو التهديد والخوف من الاستهداف.

وهكذا تحولت الحرب إلى أزمة مهنية واقتصادية واجتماعية. فالصحفي الذي يفقد عمله وسط الانهيار الاقتصادي والنزوح لا يخسر راتبه وحده، بل تتراجع قدرته على توفير احتياجات أسرته، وقد يضطر إلى مغادرة المهنة أو العمل بعيداً عن تخصصه.

ويهدد هذا الواقع مستقبل الصحافة نفسها؛ إذ تحتاج استمراريتها إلى صحفيين قادرين على العيش من عملهم، ومؤسسات تدفع أجوراً عادلة، وبيئة قانونية وأمنية تتيح ممارسة المهنة دون خوف.

مستقبل المهنة في خطر..

تزداد المخاوف مع التعديلات التي طالت المادتين (50) و(51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991. فالصحفي الذي واجه الاعتقال والتهديد والنزوح وتدمير مؤسسته قد يجد نفسه أمام احتمال الملاحقة بسبب ما ينشره أو يكتبه أو يصوره.

وتكمن الخطورة في احتمال عدم وضوح الحدود بين النقد السياسي ونقل المعلومات والتعبير عن الرأي، من جهة، والأفعال التي تشكل جرائم، من جهة أخرى. فالقانون الجنائي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لمعاقبة الصحفي على عمله المهني، أو أن تصبح العقوبات المغلظة وسيلة لترهيب المجتمع من ممارسة حقه في التعبير.

وقد تقود هذه المخاوف إلى الرقابة الذاتية، فيحذف الصحفي معلومات أو يتجنب تناول قضايا مهمة خشية الاعتقال والمحاكمة. وهكذا يمكن أن يتحول القانون، حتى قبل تطبيقه، إلى عامل يحد من حرية الصحافة.

وفي هذا السياق، طالب تحالف قوى التغيير الجذري، في بيان صدر الخميس 22 أكتوبر 2026، بإلغاء التعديلات التي طالت المادتين، محذراً من توظيفهما لتقييد حرية الصحافة والتعبير وملاحقة الصحفيين والناشطين، وداعياً إلى مواءمة التشريعات السودانية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

كما حذّر التحالف من احتمال استخدام النصوص المعدلة لتجريم الآراء والمعلومات المنشورة في الفضاء الرقمي، أو تصفية الحسابات السياسية عبر القانون، مؤكداً حاجة السودان إلى إعلام حر ومستقل يكشف الانتهاكات ويدافع عن حقوق المواطنين.

ومن جهتها طالبت نقابة الصحفيين السودانيين بإلغاء تعديل المادة (51) من القانون الجنائي لسنة 1991، وقرار تشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، محذرةً من استخدامهما لتقييد حرية الصحافة والتعبير وملاحقة الصحفيين.

وقالت سكرتارية الحريات بالنقابة، في بيان صحفي، إن إدراج «النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية» ضمن المادة (51)، التي تتعلق بأفعال تمس أمن الدولة، يفتح الباب أمام توسيع نطاق التجريم ليشمل العمل الصحفي المشروع، في ظل عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.

وحذرت النقابة من أن الصياغات الفضفاضة في التشريعات والإجراءات المتعلقة بالنشر قد تؤدي إلى ملاحقة الصحفيين وفرض الرقابة الذاتية، وتحرم المواطنين من حقهم في الوصول إلى المعلومات، خاصة في ظل الحرب والانتهاكات الواسعة التي تشهدها البلاد.

ورفضت النقابة تشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، محذرةً من منحها صلاحيات لرصد وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أو ملاحقة الناشرين تحت عبارات غير محددة، مثل «النشر الضار والمخل بأمن الدولة والمجتمع».

وأكدت أن مكافحة الجرائم الإلكترونية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لمراقبة الصحفيين أو إخضاع المؤسسات الإعلامية للرقابة، مشددةً على ضرورة حماية الحقوق والحريات الأساسية واستقلال الصحافة.

الحرب وتجريم النشر..

في زمن الحرب، تزداد الحاجة إلى إعلام مهني مستقل ينقل أخبار النزوح والانتهاكات والقتل والاعتقالات والأوضاع الإنسانية وتطورات القتال والفساد واستغلال الموارد، ويتيح للجمهور الاطلاع على مواقف الأطراف المختلفة.

وإذا تراجع الصحفيون خوفاً من الملاحقة، فسيمتلئ الفراغ المعلوماتي بالدعاية والشائعات وخطاب الكراهية والمعلومات المضللة. ومن ثم، فإن مواجهة التضليل لا تتحقق بإسكات الصحافة، وإنما بدعم الإعلام المهني المستقل وتمكينه من الوصول إلى المعلومات والتحقق منها ونشرها.

فالصحفي ليس مقاتلاً، ولا ينبغي اعتباره طرفاً في الصراع لمجرد نقل الأخبار أو انتقاد السلطات أو كشف الانتهاكات. ويقتضي ذلك من جميع أطراف الحرب احترام سلامة الصحفيين وعدم استهدافهم أو اعتقالهم تعسفياً أو تهديدهم بسبب عملهم، كما يتطلب ضمان عدم استخدام أجهزة الدولة والقوانين والمحاكم لتصفية الحسابات السياسية معهم.

النقابة والدور المطلوب..

تضع الأزمة التنظيمات والنقابات الصحفية أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز بيانات الإدانة إلى بناء منظومة مستدامة لتوثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني للصحفيين، والدفاع عن المعتقلين، ومساندة أسر الضحايا، والمطالبة بتحقيقات مستقلة في جرائم قتل الصحفيين، والتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة.
كما يقع على عاتقها الدفاع عن الحقوق الاقتصادية للصحفيين الذين فقدوا وظائفهم، والمطالبة ببرامج لدعم النازحين واللاجئين منهم، وإعادة دمج العاملين في المؤسسات المتوقفة.

فالدفاع عن الصحفي لا ينتهي بإطلاق سراحه، بل يشمل حقه في العمل والأجر والحماية والتأمين والوصول إلى المعلومات.

ولا يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية في بيئة يخشى فيها الصحفي كتابة خبر، والمواطن نشر رأي، وتُغلق فيها المؤسسات الإعلامية، وتُستخدم القوانين لمعاقبة التعبير السلمي. فالسلام يحتاج إلى صحافة حرة تكشف الانتهاكات، وتنقل أصوات الضحايا، وتراقب تنفيذ اتفاقات السلام، وتساءل السلطات، وتقاوم خطاب الكراهية، وتتيح المجال للنساء والشباب والنازحين والمزارعين والمجتمعات المحلية.
إن تدمير الصحافة أو إخضاعها يضعف أحد الشروط الأساسية للانتقال الديمقراطي.

حماية الصحافة لا تجريمها..

تتطلب المرحلة المقبلة مراجعة شاملة للتشريعات المنظمة للعمل الصحفي والنشر الإلكتروني، بما يضمن عدم استخدام القوانين الجنائية لمعاقبة التعبير السلمي، وتعديل النصوص المتعارضة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتحقيق التناسب بين الأفعال والعقوبات، وتجنب العقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير والنشر السلمي.

كما تستدعي فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في قتل الصحفيين والاعتداء عليهم واعتقالهم، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بصرف النظر عن انتماءاتهم أو مواقعهم. وتحتاج المؤسسات الإعلامية التي دمرتها الحرب إلى برامج وطنية ودولية لإعادة التأهيل، بالتوازي مع دعم عاجل للصحفيين الذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم.

الطريق إلى السلام..

تقف الصحافة السودانية أمام واحدة من أخطر مراحل تاريخها: 35 صحفياً وصحفية قُتلوا، والمئات اعتُقلوا، ونحو 80% من المؤسسات الإعلامية دُمّرت أو تعطلت وفق التقديرات الواردة، فيما شُرّد صحفيون وفقدوا أعمالهم، لتضاف المخاطر القانونية إلى أعباء الحرب.

إن حماية الصحافة ليست دفاعاً عن فئة مهنية محدودة، بل عن حق السودانيين في معرفة الحقيقة، وحق الضحايا في إسماع أصواتهم، وحق المجتمع في مساءلة السلطة.

فالطريق إلى السلام والعدالة والدولة المدنية يمر عبر حماية الصحفيين وصون حرية التعبير وإقامة دولة قانون تحترم الحقوق والحريات.

فإذا كانت الحرب قد حاولت إسكات الصحافة بالرصاص، فلا ينبغي أن يأتي القانون ليكمل المهمة بالقلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *