الإثنين, أكتوبر 26, 2026
مقالات

المادة (51).. الإعدام في مواجهة الكلمة؟

بقلم: عادل عبد الله نصر الدين – المحامي

لماذا اختيرت المادة (51) من القانون الجنائي السوداني، الخاصة بإثارة الحرب ضد الدولة، لإقحام تجريم النشر فيها؟ اري أن هذه الإضافة، التي صدرت بموجب المرسوم رقم (7) لسنة 2026، تثير إشكالات جوهرية تتعلق بمشروعية التعديل، ومبدأ توازي الأشكال، وحرية التعبير، والعلاقة بين القانون العام والقوانين الخاصة المنظمة للنشر. واقدم في هذا المقال قراءة قانونية لأسباب اعتراضي على التعديل، وآثاره المحتملة على الصحفيين، والسبل التي اقترحها لمواجهته.

لماذا المادة (51) تحديداً؟

إن إقحام تجريم النشر في المادة (51) من القانون الجنائي، الخاصة بإثارة الحرب ضد الدولة، تم بما يشبه «السمكرة» في ليلة وقفة العيد، وهو إجراء يفتقر إلى أبسط قواعد التشريع والصياغة.
فاختيار المادة (51) تحديداً لم يكن اعتباطياً، وفقاً لرأي الكاتب، بل استند إلى ثلاثة أسباب:

أولاً: لأنها المادة الوحيدة التي تقرر عقوبة الإعدام وجوباً، دون منح القاضي سلطة تقديرية.

ثانياً: لأنها مادة ذات طبيعة إرهابية، تنقل الصحفي من قاضيه الطبيعي، أي محكمة الصحافة والمعلوماتية المنشأة بموجب المادة (6) من قانون جرائم المعلوماتية، إلى محكمة الإرهاب، وتحول دون تمتعه بضمانات قانون الصحافة، ومنها المادة (25/ج)، المتعلقة بإخطار الاتحاد كتابة، والمادة (5/4)، التي تحظر الحبس في قضايا النشر.

ثالثاً: لأنها تنقل الركن المادي للجريمة من فعل التعبير، ككتابة مقال، إلى فعل ذي طبيعة حربية.

ومن حيث الركن المادي، فإن الأفعال المنصوص عليها في المادة (51) ذات طبيعة عسكرية، إذ تنص الفقرة (أ) على: «جمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو الشروع في أي من ذلك بقصد إثارة الحرب». وهذه الأفعال، بحسب الكاتب، لا تنسجم مع فعل النشر، الذي يمثل تعبيراً معنوياً.

وبالرجوع إلى القوانين الخاصة المنظمة للنشر، يتضح هذا التنافر؛ فقانون الصحافة، بوصفه قانوناً خاصاً، نظم النشر باعتباره فعلاً مدنياً، ورتب عليه عقوبات متدرجة، بينما أقحم التعديل النشر قسراً في القانون العام، باعتباره فعلاً حربياً عقوبته الإعدام.
أن ذلك يكشف عن أن السلطة، بعد أن ضاقت ذرعاً بكشف الإعلام للانتهاكات وملفات الفساد، وبإسهامه في بلورة رأي عام ضاغط لوقف الحرب، لم تعد تحمي الدولة من الحرب، بل تحمي السلطة من الرأي العام. ومن هنا يبدأ البحث في مدى مشروعية هذه الإضافة من أساسها.

أولاً: انعدام المرسوم رقم (7) لسنة 2026 لمخالفته مبدأ توازي الأشكال
إن الإضافة اللاحقة لفعل «النشر» إلى المادة (51)، وفقاً للحجة القانونية التي يقدمها الكاتب، لا تعد تعديلاً تشريعياً صحيحاً، بل تمثل عملاً مادياً منعدماً.

ماهية المبدأ:

يقصد بمبدأ توازي الأشكال أن السلطة التي تملك الإنشاء هي وحدها التي تملك التعديل والإلغاء، وبذات الإجراءات التي اتُبعت في الإنشاء، أو بإجراءات أقوى منها. فالقانون الصادر عن البرلمان لا يعدله، وفقاً لهذا المبدأ، إلا البرلمان.

وقد تبنى المشرع السوداني هذا المبدأ صراحة في المادة (4) من قانون تفسير القوانين لسنة 1974، التي تنص على: «يكون تعديل التشريع أو إلغاؤه بنفس الطريقة التي صدر بها أو بطريقة أقوى منها».

التطبيق على المرسوم رقم (7):

القانون الجنائي لسنة 1991 قانون برلماني، بينما صدر المرسوم رقم (7) لسنة 2026 عن رئيس مجلس السيادة منفرداً في 19 أكتوبر 2026، دون اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء، وفقاً لما يستند إليه في المادة (25) من الوثيقة الدستورية.

وبذلك، يرى المقال أن الأداة الأدنى من حيث الشكل عدّلت قانوناً صادراً عن سلطة تشريعية، وهو ما يشكل، في تقديره، إخلالاً بمبدأ توازي الأشكال.

مدى الإلزامية والأثر:

يعتبر المقال هذا المبدأ قاعدة آمرة من قواعد النظام العام، ويستند في ذلك إلى ما ينسبه إلى المحكمة الدستورية في الطعن الدستوري رقم (15) لسنة 2009، المبدأ (42): «يقتضي مبدأ المشروعية وتوازي الأشكال ألا يتم تعديل قانون صادر من السلطة التشريعية إلا بتشريع صادر من ذات السلطة… وإلا كان التعديل منعدماً».

كما يستشهد بالطعن الدستوري رقم (12) لسنة 2006، وينسب إلى المحكمة الدستورية تأكيدها أن «سلطة الأمر الواقع لا شرعية لها في إنشاء قواعد عقابية تمس الحقوق الأساسية».

ويتمثل الأثر، في الانعدام لا البطلان. ويستشهد في هذا السياق بما ينسبه إلى المحكمة العليا في الطعن الإداري رقم (88) لسنة 2012: «إذا صدر القرار من غير ذي صفة معتدياً على اختصاص السلطة التشريعية، فإنه يكون منعدماً ولا يتحصن بمضي المدة».

أن الانعدام لا يصحح بالإجازة اللاحقة، وأن ما نُشر في ملحق الجريدة الرسمية بتاريخ 19 أكتوبر يظل، وفقاً لهذا الرأي، حِبراً على ورق.

ثانياً: عدم دستورية الإضافة لمخالفتها الوثيقة الدستورية والعهد الدولي

أ. من الناحية الدستورية

يرى المقال أن الإضافة تخالف المادة (56) من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، بتعديل 2025، التي تنص على: «لكل مواطن حق غير مقيد في حرية التعبير…».

ويذهب المقال إلى أن تقييد هذا الحق بنص يقرر عقوبة الإعدام يفرغ حرية التعبير من مضمونها. كما يرى أن الإضافة تخالف المادة (2/3) من الوثيقة الدستورية، التي جعلت العهد الدولي جزءاً لا يتجزأ منها.

ب. من الناحية الدولية

يستند المقال إلى المادة (19/3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادق عليه السودان عام 1986، والتي وضعت، وفقاً لقراءته، اختباراً ثلاثياً لتقييد حرية التعبير، يتمثل في أن يكون القيد محدداً بنص، وضرورياً، ومتناسباً.

ويرى المقال أن الإضافة لا تستوفي هذه الشروط؛ إذ إن عبارة «النشر» فضفاضة وغير محددة بما يكفي، كما أن التقييد غير ضروري في ظل وجود قانون خاص ينظم النشر، فضلاً عن عدم التناسب بين فعل النشر والعقوبة المقررة، التي قد تصل إلى الإعدام.

ويستشهد المقال بالتعليق العام رقم (34) الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ولا سيما الفقرة (34)، دعماً لحجته المتعلقة بضوابط تقييد حرية التعبير.

ثالثاً: مخالفة قاعدة «الخاص يقيد العام»
التعريف:

القانون العام هو القانون الذي تكون الدولة طرفاً فيه بوصفها صاحبة سلطة، وتتميز قواعده بالطابع الآمر، ومن أمثلته القانون الجنائي. أما القانون الخاص، فيشمل القوانين التي تنظم مهنة محددة أو علاقات قانونية معينة، ومن أمثلته، وفقاً للمقال، قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009.

ويشير المقال ايضا إلى المادة (4/1) من قانون الصحافة والمطبوعات، المتعلقة باختصاص الصحافة بالنشر، والمادة (25/ج)، المتعلقة بحظر القبض دون إخطار الاتحاد، والمادة (5/4)، المتعلقة بحظر الحبس.

كما يستند إلى قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، ولا سيما المادة (6) الخاصة بإنشاء محكمة متخصصة، والمادة (24) المتعلقة بعقوبة إشانة السمعة التي تبلغ سنتين، والمادة (26) المتعلقة بعقوبة نشر الأخبار الكاذبة التي تبلغ ثلاث سنوات.

الإلزامية:

يستند المقال إلى المادة (3/2) من قانون تفسير القوانين لسنة 1974، التي تنص على: «إذا تعارض قانون عام مع قانون خاص، يقدم الخاص على العام ولو كان العام لاحقاً».

كما يستشهد بما يورده عن سابقة المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد مجلة الأضواء، المنشورة في مجلة الأحكام القضائية لسنة 1998، الصفحة (42)، وينسب إليها المبدأ الآتي: «قانون الصحافة قانون خاص واجب التطبيق في جرائم النشر، ولا يجوز اللجوء إلى القانون الجنائي العام إلا فيما لم يرد به نص في القانون الخاص».

ويضيف إلى ذلك ما ينسبه إلى المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم (6) لسنة 15 قضائية دستورية لعام 1993: «الخاص يقيد العام إلزاماً وليس اختياراً».

حكم المخالفة:

يرى المقال أن تقديم القانون العام على القانون الخاص يرتب نوعين من البطلان: بطلاناً موضوعياً لمخالفة مبدأ التناسب، وبطلاناً إجرائياً لانعدام الاختصاص النوعي، استناداً إلى المادة (38/أ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، التي تنص على: «كل إجراء جنائي يتم أمام جهة غير مختصة نوعياً يقع باطلاً».

وبناءً على ذلك، يخلص المقال إلى أن كل بلاغ يُفتح ضد صحفي بموجب المادة (51)، تأسيساً على فعل النشر، يكون باطلاً بطلاناً مطلقاً.

رابعاً: ما المطلوب من الصحفيين؟

يرى المقال أن مواجهة ما يصفه بمحاولات تكميم الأفواه تتطلب اتخاذ خطوات مهنية وجماعية، تتمثل في الآتي:

عدم الخضوع للرقابة الذاتية: فالنظام، يسعى جاهداً إلى تكميم الأفواه، ومواجهة ذلك تكون بعدم الخضوع للرقابة الذاتية. ويضيف أن القانون يريد الصمت، وأن الاستمرار في النشر يمثل إسقاطاً لهذا الهدف.

التضامن المهني: إذ يرى أن أي بلاغ يُفتح بموجب المادة (51) ضد صحفي هو بلاغ ضد المهنة الصحفية كلها، ما يستدعي موقفاً جماعياً للدفاع عن حرية الصحافة.

توثيق الانتهاكات: والعمل على مخاطبة المقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير بالأمم المتحدة بصورة جماعية، لإطلاعه على المخاوف المتعلقة بالتعديل وآثاره المحتملة على الصحفيين.

الخاتمة: تحصين الفساد؟

من يحصّن الفساد بالإعدام، لا يحمي الدولة من الحرب، بل يقدم شهادة وفاة لشرعيتها.
وما نُشر في ملحق 19 أكتوبر ليس تشريعاً، وفقاً لموقف الكاتب؛ فالجريدة الرسمية تنشر التشريع ولا تصنعه.

قائمة المصادر والمراجع:

أولاً: النصوص التشريعية الوطنية
القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، المادة (51).

قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009، المواد (4/1)، و(5/4)، و(25/ج).

قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، المواد (6)، و(24)، و(26).

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، المادة (38/أ).

قانون تفسير القوانين والتشريعات العامة لسنة 1974، المادتان (3/2) و(4).

قانون المعاملات المدنية لسنة 1984، المادة (3).

الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019، تعديل 2025، المواد (2/3)، و(24)، و(25)، و(56/2).

المرسوم رقم (7) لسنة 2026، الصادر بتعديل القانون الجنائي، ملحق الجريدة الرسمية بتاريخ 19 أكتوبر 2026.

ثانياً: المواثيق الدولية

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 1966، المادة (19/3)، وقد صادق عليه السودان في 18 مارس 1986.

لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التعليق العام رقم (34) بشأن المادة (19): حرية الرأي والتعبير، الفقرة (34)، الوثيقة CCPR/C/GC/34، بتاريخ 12 سبتمبر 2011.

نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (7)، بشأن الجرائم ضد الإنسانية، بما فيها الاضطهاد.

ثالثاً: السوابق القضائية
المحكمة العليا السودانية، حكومة السودان ضد مجلة الأضواء، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1998، ص 42.

المحكمة الدستورية السودانية، الطعن الدستوري رقم (12) لسنة 2006، المبادئ الدستورية.

المحكمة الدستورية السودانية، الطعن الدستوري رقم (15) لسنة 2009، المبدأ (42) من المبادئ الدستورية، بشأن مبدأ توازي الأشكال.

المحكمة العليا السودانية، دائرة الطعون الإدارية، الطعن الإداري رقم (88) لسنة 2012.

المحكمة الدستورية العليا المصرية، القضية رقم (6) لسنة 15 قضائية دستورية، جلسة 6 فبراير 1993، بشأن قاعدة «الخاص يقيد العام».

رابعاً: المراجع الفقهية

د. الطيب هارون، شرح القانون الجنائي السوداني، القسم العام.

د. زكي شناق، الوجيز في شرح قانون الصحافة السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *