النقابات بين مطرقة الحرب وسندان الدولة (1-7)
كتب: حسين سعد
لم تكتفي الحرب السودانية بإسقاط المؤسسات وتدمير المصانع والمشروعات الزراعية والانتاجية وتشريد العاملين، فقط بل عمّقت أزمة واحدة من أهم مؤسسات المجتمع المدني وهي الحركة النقابية التي لم تكن تعمل قبل الحرب في بيئة مستقرة ومستقلة، وإنما وجدت تنظيماً عمالياً مثقلاً بإرث طويل من التدخل السياسي والصراع حول الشرعية والتمثيل.
ولذلك تكتسب ملاحظات لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية في تقريرها لعام 2026 أهمية تتجاوز الجانب القانوني، فالسؤال الجوهري ليس فقط ما إذا كانت القوانين السودانية تتوافق مع المعايير الدولية، بل ما إذا كان العامل السوداني يستطيع أن ينظم نفسه بحرية، وينتخب ممثليه، ويعبر عن مطالبه، ويفاوض صاحب العمل أو الدولة من دون أن يخشى العقاب أو الإقصاء، إنها مسألة تتصل بطبيعة الدولة نفسها: هل تتعامل مع النقابة باعتبارها حقاً ديمقراطياً أصيلاً، أم باعتبارها مؤسسة ينبغي إخضاعها للسيطرة حتى لا تتحول إلى قوة مستقلة في المجتمع؟
أزمة أقدم من الرصاص:
يشير تقرير لجنة الخبراء إلى ملاحظات الاتحاد الدولي للنقابات، الذي عبّر عن قلق عميق بشأن وضع الحريات المدنية والحقوق النقابية في السودان، في ظل اعتقال ناشطين خلال الحرب، واستمرار آثار إعلان عدم قانونية النقابات التي تشكلت بعد ثورة ديسمبر 2019.
وتقر اللجنة بصعوبة وتعقيد الظروف الناجمة عن النزاع المسلح، لكنها تدعو الحكومة إلى الامتناع عن التدخل في عمل منظمات العمال وأصحاب العمل، وضمان الحريات المدنية اللازمة لممارسة أنشطتها بحرية، بما في ذلك المفاوضة الجماعية الطوعية، ومن دون خوف من الانتقام أو التمييز (تقرير منظمة العمل الدولية ، لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات للعام 2026م).
تكمن النقطة الجوهرية في التالي : الحرب قد تعطل الاجتماعات، وتغلق المصانع، وتدمر مقار النقابات، وتشتت العضوية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر مفتوح لتعليق الحقوق أو إعادة تشكيل التنظيمات العمالية من أعلى.
بل إن الأزمات والحروب تجعل الحاجة إلى التنظيم النقابي أشد إلحاحاً. فالعامل الذي فقد دخله، أو نزح من مكان عمله، أو تعرض للفصل، أو عجز عن استرداد مستحقاته، يحتاج إلى قوة جماعية تفاوض باسمه. وعندما تضعف النقابات أو تُحرم من استقلالها، يصبح العامل أكثر عزلة أمام الدولة وصاحب العمل.
وتعطي الوقائع الموثقة في قطاع الصحافة مثالاً ملموساً على أثر الحرب في المجال المدني والعمل المهني. فقد أحصى «تقرير الحريات لعامي الحرب في السودان» الصادر عن نقابة الصحفيين السودانيين، سكرتارية الحريات، 556 انتهاكاً، منها 317 انتهاكاً مباشراً و239 حالة أخرى شملت، وفق التقرير، وقائع مثل الاحتجاز في أماكن العمل ونهب منازل الصحفيين. كما وثق مقتل 30 صحفياً منذ اندلاع الحرب. (ملحوظة: هذع تقرير العام 2025م حاليا إرتفع عدد قتلي الحرب من الصحفيين والصحفيات الي 35 ) وهذه الأرقام تخص الصحفيين والحريات الصحفية، لكنها تكشف البيئة القاسية التي تحاول التنظيمات المهنية والنقابية العمل داخلها. (نقابة الصحفيين السودانيين، سكرتارية الحريات، تقرير الحريات لعامي الحرب في السودان، 2025)..
الاتفاقيتان 87 و98:
تستند ملاحظات منظمة العمل الدولية إلى إطار دولي واضح. فالحرية النقابية والحق في التنظيم تحكمهما الاتفاقية رقم 87، بينما تتناول الاتفاقية رقم 98 الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية والحماية من التمييز المعادي للنقابات.
وقد صدّق السودان على الاتفاقية رقم 87 في 17 مارس 2021، وهو ما أشارت إليه لجنة الخبراء في تقريرها. لكن التصديق على اتفاقية دولية لا يحقق أهدافها تلقائياً؛ إذ يتطلب تحويل الالتزامات إلى تشريعات وممارسات ومؤسسات تضمن حرية العمال في تكوين منظماتهم والانضمام إليها، وانتخاب قياداتهم، وتحديد أولوياتهم من دون تدخل غير مشروع.
لذلك تصبح المسافة بين التصديق والتطبيق هي الاختبار الحقيقي. فليس كافياً أن يعترف القانون بوجود النقابات إذا كانت قواعد تأسيسها أو إدارتها أو تمثيلها تقيّد استقلالها، وليس كافياً أن تسمح السلطات بالنشاط النقابي نظرياً إذا كانت ممارسته محفوفة بالخوف أو التمييز.
ومن منظور نقابي، لا يمكن قياس الحرية النقابية بعدد النقابات المسجلة وحده، بل بقدرتها الفعلية على تمثيل أعضائها، ومحاسبة قياداتها، وإعلان مواقفها، والتفاوض باسم العاملين، والاعتراض على السياسات التي تضر بمصالحهم.
النقابة ليست جهازاً إدارياً النقابة في معناها الحديث ليست لجنة تابعة لوزارة العمل، ولا مكتباً لتلقي الشكاوى، ولا جهازاً يكتفي بتقديم المذكرات بشأن الأجور. إنها مؤسسة جماعية تنشأ من إرادة العاملين، وتستمد شرعيتها من عضويتها، وتملك حق التفاوض عنهم والدفاع عن مصالحهم.
وهذا يعني أن استقلال النقابة لا يقاس بعلاقتها بالحكومة وحدها، بل كذلك بعلاقتها بأعضائها. فالنقابة التي لا تسمح بالاختلاف، أو لا تخضع قيادتها للمساءلة، أو تحتكر الحديث باسم العاملين من دون تفويض واضح، تكون قد أضعفت الأساس الديمقراطي الذي يمنحها شرعيتها.
وفي المقابل، فإن النقابة التي تتمتع بديمقراطية داخلية لا تصبح بالضرورة خصماً للدولة. بل تستطيع أن تكون شريكاً في الحوار، وأن تقدم مقترحات للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تسهم في حل النزاعات، مع احتفاظها بحق الاعتراض حين تتعارض القرارات مع مصالح العمال.
ديمقراطية الحركة النقابية:
لقد أظهرت التجارب النقابية أن التنظيم المستقل يمكن أن يؤدي دوراً يتجاوز المطالب المهنية المباشرة، لأنه يمنح العاملين مساحة للمشاركة في الحياة العامة، ويساعدهم على الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويخلق توازناً أمام السلطات وأصحاب العمل.
لكن هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لفرض توجه سياسي واحد على النقابات. فحق النقابيين في المشاركة السياسية حق شخصي، أما المؤسسة النقابية فينبغي أن تظل مفتوحة لأعضائها على اختلاف مواقفهم، وأن تنحصر شرعيتها في التفويض النقابي والديمقراطية الداخلية.
لذلك فإن حماية الحرية النقابية ليست مطلباً فئوياً يخص العمال وحدهم؛ بل جزء من حماية المجال المدني كله. فعندما تستطيع النقابات أن تعمل بحرية، تتوافر للمجتمع قناة منظمة للتعبير عن المصالح والتفاوض بشأن الخلافات. وعندما تُقيد، تتراجع إحدى أدوات المشاركة السلمية.
الاختبار أمام الحكومة والحركة النقابية تضع ملاحظات منظمة العمل الدولية مسؤولية واضحة أمام الحكومة: ضمان الحريات المدنية، والامتناع عن التدخل في عمل المنظمات، وحماية المفاوضة الجماعية الطوعية من الانتقام والتمييز.
لكن الحركة النقابية نفسها تواجه مسؤولية تاريخية أيضاً. فاستعادة الحرية لا تتحقق بمجرد رفض التدخل الحكومي، بل تتطلب بناء تنظيمات ديمقراطية وشفافة، قادرة على استعادة ثقة العمال، وتوسيع عضويتها، وتمثيل النساء والشباب والعاملين في القطاعات التي ظلت بعيدة عن مراكز القرار، فالاختبار ليس أن تسمح الدولة بوجود نقابات تحمل أسماء مختلفة، بل أن تقبل بوجود نقابات لا تملك الدولة حق توجيهها.
وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة المؤسسات النقابية، فإن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحاً قانونياً ومؤسسياً، لا مجرد عودة إلى الهياكل القديمة. وهذا يقود إلى السؤال التالي: ما طبيعة القانون الذي يمكن أن يحمي استقلال النقابات، وكيف يمكن ضمان أن تكون المفاوضة الجماعية حقاً فعلياً لا إجراءً شكلياً؟ (يتبع)

