الأحد, نوفمبر 1, 2026
مقالات

قانون النقابات.. معركة الاستقلال والتمثيل (2-7)

كتب: حسين سعد

لا يمكن إصلاح الحركة النقابية السودانية من دون مراجعة القواعد القانونية التي تنظم وجودها وعملها. فالقانون ليس مجرد نصوص تحدد إجراءات التسجيل أو الانتخابات، بل هو الذي يرسم حدود العلاقة بين الدولة والنقابات، ويحدد ما إذا كان العامل قادراً على اختيار ممثليه، وما إذا كانت التنظيمات تستطيع التفاوض بحرية، وما إذا كان تدخل السلطات في شؤونها محكوماً بضمانات أم مفتوحاً للتأويل.

ولذلك تكتسب ملاحظات لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية بشأن قانون النقابات لسنة 2010، والمفاوضة الجماعية والتحكيم الإجباري، أهمية خاصة. فهذه الملفات الثلاثة تتصل بجوهر العمل النقابي: حرية التنظيم، وحق التفاوض، والقدرة على الدفاع عن المصالح الجماعية للعاملين.

قانون 2010.. إصلاح مؤجل :
يشير تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2026 إلى أن اللجنة سبق أن طلبت من الحكومة اتخاذ التدابير اللازمة لمواءمة قانون النقابات لسنة 2010 مع الاتفاقيتين رقم 87 و98. كما يذكر أن الحكومة أفادت بتشكيل لجنة في عام 2022 لدراسة المسألة، فيما أعاد الاتحاد الدولي للنقابات إثارة مخاوف بشأن عدم توافق عدد من أحكام القانون مع معايير المنظمة.

وتشدد لجنة الخبراء في تقريرها الصادر في العام 2026م ، علي ضرورة تنفيذ ملاحظاتها وضمان مراجعة القانون بالتشاور الكامل مع الشركاء الاجتماعيين، وتطلب معلومات عن التقدم الذي أُحرز في المراجعة.

إن النقطة الأساسية هي أن إصلاح قانون النقابات لا ينبغي أن يُعامل بوصفه ملفاً فنياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب. فالقواعد التي تحدد حرية التنظيم تؤثر في قدرة العمال على الدفاع عن حقوقهم أثناء الحرب وبعدها، كما تؤثر في إمكان بناء مؤسسات مستقلة تشارك في إعادة الإعمار.

من يختار ممثلي العمال:
من المبادئ الأساسية للحرية النقابية أن يكون للعاملين حق إنشاء المنظمات التي يختارونها والانضمام إليها، ضمن قواعد عادلة لا تجعل الاعتراف بالنقابة رهناً بقرار سياسي أو احتكار تنظيمي، وعندما يؤدي القانون إلى تقييد التعددية أو إخضاع بعض قرارات التنظيم النقابي لسلطات خارجية، تصبح حرية الاختيار مهددة. فالعامل لا يحتاج فقط إلى حق الانتساب إلى نقابة، بل يحتاج أيضاً إلى أن تكون لديه القدرة على اختيار ممثليه، ومحاسبتهم، وتغييرهم عبر إجراءات ديمقراطية.

ولا يعني ذلك أن التعددية النقابية تحل جميع المشكلات تلقائياً؛ فقد تؤدي التعددية غير المنظمة إلى التشتت أو ضعف التمثيل في بعض الحالات. لكن علاج هذه المشكلات ينبغي أن يكون عبر قواعد ديمقراطية شفافة، لا عبر فرض الاحتكار أو حرمان العاملين من حرية الاختيار، والمعيار هو أن تستمد النقابة قوتها من ثقة أعضائها، وقدرتها على التفاوض، ومدى التزامها بالدفاع عن مصالحهم، لا من قربها من السلطة أو حصولها على امتيازات إدارية.

وتكشف بيانات نقابة الصحفيين السودانيين عن جانب من البيئة التي تُمارَس فيها الحقوق المهنية؛ إذ رصد تقرير سكرتارية الحريات 73 حالة من الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري أو الاحتجاز بحق صحفيين وصحفيات، من بينهم 12 امرأة. ولا يتناول التقرير تفسير مواد قانون النقابات لسنة 2010، لذلك لا يصح الاستناد إليه وحده للحكم على نصوص القانون؛ غير أن الوقائع التي يوثقها تبرز أهمية وجود ضمانات فعلية لحرية التعبير والتنظيم، والحماية من التهديد والانتقام. (تقرير الحريات لعامي الحرب في السودان، 2025)..

المفاوضة الجماعية:
لا يمكن الحديث عن نقابة مستقلة من دون الحديث عن المفاوضة الجماعية. فالتنظيم النقابي لا يقتصر على التعبير عن المواقف أو تقديم المطالب؛ بل يهدف إلى تحويل القوة الجماعية للعاملين إلى اتفاقات تنظم الأجور وشروط العمل والحماية المهنية.

ويشير تقرير المنظمة إلى اتفاقيات جماعية أُبرمت في السودان، منها اتفاقية عام 2023 مع هيئة النقل النهري، واتفاقيات في قطاع مناطق تجهيز الصادرات خلال أعوام 2021 و2022 و2025، تخص عمال الشحن والتفريغ. وقد طلبت اللجنة نسخاً من هذه الاتفاقيات وتقارير تفتيش العمل ذات الصلة، إلى جانب معلومات إضافية عن المفاوضة الجماعية ( منظمة العمل الدولية ، لجنة الخبراء المعنية بتطبيق الاتفاقيات والتوصيات وملاحظات السودان بشأن الاتفاقية رقم 89 تقرير العام 2026م).

هذه التفاصيل مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم واقع المفاوضة الجماعية. فوجود اتفاقية لا يوضح بالضرورة عدد العمال المشمولين بها، أو مدى تنفيذها، أو قدرة النقابة الموقعة عليها على تمثيل أعضائها ، لذلك ينبغي أن تشمل البيانات المطلوبة عدد الاتفاقيات السارية، والقطاعات التي تغطيها، وأعداد العاملين المستفيدين منها، وآليات تجديدها وتنفيذها، والخلافات التي تنشأ بشأن تطبيقها.
إن المفاوضة الجماعية ليست اجتماعاً بين ممثلين يخرجون ببيان مشترك؛ بل عملية مستمرة تتطلب معلومات دقيقة، وتمثيلاً شرعياً، وقدرة على التفاوض، والتزاماً بتنفيذ ما يُتفق عليه.

التحكيم الإجباري:
من المسائل التي توقف عندها تقرير منظمة العمل الدولية موقف اللجنة من التحكيم الإجباري. فقد سبق أن طلبت مراجعة المادة 112 من قانون العمل لسنة 1997، التي تتيح اللجوء إلى التحكيم الإجباري على نطاق عام، بحيث يقتصر على ظروف محددة.

وتوضح اللجنة أن هذه الظروف تشمل الخدمات الأساسية بالمعنى الضيق، وبعض النزاعات في الخدمة العامة المتعلقة بالموظفين الذين يمارسون وظائف إدارة الدولة، والوصول إلى طريق مسدود بعد مفاوضات مطولة وغير مثمرة، أو وقوع أزمة حادة.

وتنبع أهمية هذه المسألة من أن المفاوضة الجماعية تقوم على وجود طرفين مستقلين، لكل منهما القدرة على التعبير عن مصالحه والتفاوض بشأنها. فإذا أصبح اللجوء إلى التحكيم الإجباري خياراً عاماً يسهل استخدامه، فقد يتحول من وسيلة استثنائية لتسوية نزاع إلى أداة لتجاوز التفاوض.
ولا يعني ذلك رفض التحكيم في كل الأحوال؛ فهناك حالات تستدعي آليات لتسوية النزاعات، خصوصاً حين تتصل بخدمات أساسية أو بأزمات حادة. لكن المطلوب أن يظل الاستثناء محدوداً، وأن تُحترم فرص التفاوض الحقيقي قبل اللجوء إليه، وألا يُستخدم لتقييد الحقوق النقابية.

كما يشير التقرير أيضاً إلى أن الحكومة أفادت بوجود اجتماعات بين اتحاد أصحاب العمل واتحاد النقابات وأجهزة الدولة، بهدف استئناف آليات الحوار الاجتماعي ومناقشة مبادرات تتعلق بإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية المتضررة من الحرب، وما نتج عنها من نزوح للعاملين. وطلبت اللجنة مواصلة تقديم المعلومات بشأن استئناف هذه الآليات.

وهذه إشارة مهمة إلى أن الحوار الاجتماعي يمكن أن يكون وسيلة لربط الحقوق النقابية بالتعافي الاقتصادي. لكن نجاحه لا يقاس بعدد الاجتماعات أو الأطراف التي تحضرها، وإنما بمدى قدرة المشاركين على طرح قضاياهم بحرية، والتأثير في القرارات، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات.

فالحوار الذي تُحدد نتائجه مسبقاً لا يختلف كثيراً عن التشاور الشكلي. أما الحوار الحقيقي فيقتضي اعترافاً باستقلال الأطراف، وحقها في الاختلاف، وتوافر معلومات موثوقة، وآليات لمتابعة ما يتم الاتفاق عليه، كما يتطلب الحوار الاجتماعي تمثيلاً عادلاً للعمال، وألا يقتصر على عدد محدود من القيادات أو التنظيمات، خصوصاً في ظل التحديات التي فرضتها الحرب على عضوية النقابات وقدرتها على العمل.

ما المطلوب من المراجعة:
يجب أن تؤسس مراجعة قانون النقابات لقواعد واضحة تحمي حق العاملين في التنظيم، وتضمن التعددية، واستقلال إدارة النقابات ومواردها، والانتخابات الحرة، والمساءلة الداخلية، والحماية من التمييز المعادي للنقابات.

كما ينبغي أن تُراجع القواعد التي تنظم المفاوضة الجماعية والتحكيم الإجباري، وأن تُعزز آليات تسوية النزاعات التي لا تنتقص من حق العمال في التفاوض. ويجب أن تكون مشاركة النقابات وأصحاب العمل في مراجعة القانون مشاركة فعلية، لا مجرد إجراء شكلي، فالقانون النقابي العادل لا يصنع نقابة قوية بقرار إداري، لكنه يزيل العقبات التي تمنع العاملين من بناء نقابات قوية بأنفسهم.

وإذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت الحرية النقابية باعتبارها حقاً أساسياً، فإن هذه الحلقة توضح أن هذا الحق يحتاج إلى تشريعات ومؤسسات تحميه في الممارسة. لكن كيف يمكن ترجمة هذه الحرية إلى حماية ملموسة للعاملين في أكبر عملية إعادة إعمار ينتظرها السودان؟ (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *