الثلاثاء, نوفمبر 3, 2026
مقالات

من يعيد الاعتبار للعامل وحقوقه (3-7)

كتب: حسين سعد

عندما يتحدث السودانيون عن إعادة إعمار بلادهم بعد الحرب، تتجه الأنظار عادةً إلى ما تهدم من مباني، وما توقف من مصانع، وما خرج من الخدمة من محطات كهرباء ومياه ومستشفيات ومدارس وطرق ومشروعات زراعية. وتُقاس الخسائر بما تحتاج إليه هذه المنشآت من أموال ومعدات ومواد بناء، وبالزمن المطلوب لإعادتها إلى العمل.

لكن ثمة سؤالاً لا يقل أهمية عن سؤال التمويل: من سيعيد بناء هذه المؤسسات؟ وبأي شروط سيعمل ملايين السودانيين الذين سيتولون تشغيلها؟ ومن سيحمي أجورهم، ويضمن سلامتهم، ويمنع استغلال حاجتهم إلى العمل، ويمنحهم صوتاً في القرارات التي ستحدد مستقبلهم المهني والمعيشي؟

إن إعادة الإعمار التي تستعيد الجدران والمعدات، لكنها تترك العامل بلا حماية، لا تنشئ اقتصاداً متعافياً بقدر ما تعيد إنتاج الهشاشة. فالمصنع لا يعمل بالمعدات وحدها، والمشروع الزراعي لا ينتج بالآلات فقط، والمستشفى لا يقدم خدماته من دون أطباء وممرضين وعمال وفنيين، لذلك لا ينبغي النظر إلى النقابات بوصفها طرفاً ينتظر انتهاء الحرب كي يعود إلى المطالبة بالأجور والبدلات، بل باعتبارها مؤسسة قادرة على المشاركة في صياغة شروط التعافي الاقتصادي والاجتماعي؟.

إعادة بناء علاقة العمل:
تكشف ملاحظات لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية لعام 2026 أن ملف الحقوق النقابية في السودان يتصل مباشرةً بقدرة العاملين على تنظيم أنفسهم والتفاوض بحرية. فقد دعت اللجنة إلى عدم التدخل في عمل منظمات العمال وأصحاب العمل، وإلى ضمان الحريات المدنية اللازمة لممارسة المفاوضة الجماعية الطوعية من دون خوف من الانتقام أو التمييز.

دعونا نتسأل : كيف يمكن تنفيذ مشروعات ضخمة في الزراعة والصناعة والنقل والطاقة والخدمات، بينما تظل قدرة العاملين على تنظيم أنفسهم والتفاوض بشأن شروط عملهم محدودة أو مهددة؟

فإعادة الإعمار ستخلق احتياجات كبيرة إلى الأيدي العاملة، وقد تؤدي إلى ظهور عقود مؤقتة، والتعاقد من الباطن، والتنقل الواسع بين مواقع العمل، والعمل في بيئات خطرة. وفي غياب الرقابة الفعالة والتنظيم النقابي المستقل، يمكن أن يتحول ضغط الحاجة إلى إعادة البناء إلى مبرر لخفض الأجور أو إضعاف معايير السلامة.
أما وجود نقابات مستقلة، فيتيح للعاملين التفاوض حول الأجور وساعات العمل والإجازات والتأمينات والسلامة المهنية، ويساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى نزاعات واسعة، تحتاج إعادة الإعمار إلى تمويل ضخم، لكن طريقة توزيع هذا التمويل لا تقل أهمية عن حجمه. فإذا انصبت الموارد على شراء المعدات وإعادة تشييد المنشآت، من دون تخصيص اهتمام كافٍ للأجور والتدريب والحماية الاجتماعية، فإن جانباً أساسياً من التعافي سيظل ناقصاً.

العامل الذي فقد منزله ومصدر دخله بسبب الحرب لا يستطيع الانتظار إلى أجل غير معلوم حتى تستعيد المؤسسة قدرتها الإنتاجية. والعامل النازح الذي يعود إلى منطقته قد يحتاج إلى استعادة وثائقه المهنية، وتسوية مستحقاته، وإعادة إدماجه في العمل. أما الموظف الذي انقطعت عنه الأجور، فقد يواجه التزامات معيشية لا تتوقف بمجرد إعلان استئناف النشاط.

لهذا ينبغي أن تتضمن خطط إعادة الإعمار مسارات واضحة لمعالجة قضايا العاملين، تشمل حصر الوظائف المفقودة، وتوثيق الأجور المتأخرة، ومعالجة المستحقات والتعويضات، وتوفير التدريب والتأهيل، وضمان السلامة المهنية، وحماية العمال النازحين والعائدين من التمييز والاستغلال ويعزز تقرير نقابة الصحفيين سكرتارية الحريات عامان علي الحرب في السودان الصادر في العام 2025م أهمية إدراج العاملين في الإعلام ضمن خطط التعافي؛ إذ قدّر التقرير أن نحو 90% من المؤسسات الإعلامية تضررت أو دُمّرت، وأشار إلى مغادرة أكثر من 400 صحفي البلاد. كما وثق 15 حالة فصل تعسفي، بينها فصل عشرة من العاملين في إذاعة «دبنقا» في الأول من أكتوبر 2023، منهم كاتب المقال وأخرين. وتوضح هذه المعطيات أن إعادة الإعمار لا تقتصر على ترميم مقار المؤسسات، بل تشمل أيضاً استعادة الوظائف، وتسوية المستحقات، وإعادة بناء بيئة عمل آمنة. (نقابة الصحفيين السودانيين، سكرتارية الحريات، 2025).

وفق ما أورده تقرير المنظمة، إلى إبرام اتفاقيات جماعية في السودان، من بينها اتفاقية عام 2023 مع هيئة النقل النهري، واتفاقيات في قطاع مناطق تجهيز الصادرات خلال أعوام 2021 و2022 و2025. وطلبت اللجنة نسخاً من الاتفاقيات وتقارير تفتيش العمل ذات الصلة، إلى جانب استمرار تقديم المعلومات بشأن الاتفاقيات الجماعية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في مرحلة إعادة الإعمار؛ إذ لا يكفي أن توقع المؤسسات اتفاقيات جماعية، بل ينبغي معرفة ما إذا كانت تشمل أعداداً واسعة من العمال، وما إذا كانت تغطي القطاعات الأكثر تضرراً، وما إذا كانت أحكامها تنفذ فعلياً.

وفي المشروعات الزراعية، يمكن للتنظيمات المهنية والنقابية أن تساهم في حماية العاملين الموسميين، ومناقشة شروط العمل، ومراقبة السلامة، والتفاوض بشأن المستحقات. وفي الصناعة والنقل، يمكن للنقابات أن تسهم في وضع معايير واضحة لاستئناف الإنتاج، وفي التدريب والتأهيل، وفي منع تحميل العامل وحده كلفة الخسائر التي سببتها الحرب.

ويحتاج تمثيل العاملين في الزراعة والمهن الهشة إلى اهتمام خاص؛ لأن بعضهم يعمل خارج علاقات العمل الرسمية أو في مواقع متفرقة، ولا يتمتع بالحماية نفسها التي قد تتوافر للعامل في مؤسسة كبيرة. لذلك فإن تجديد الحركة النقابية يجب ألا يقتصر على استعادة الهياكل القديمة، بل ينبغي أن يشمل العمال الذين ظلت أصواتهم ضعيفة داخلها.

يشير تقرير منظمة العمل الدولية إلى أن الحكومة أفادت بوجود اجتماعات بين اتحاد أصحاب العمل واتحاد النقابات وأجهزة الدولة، بهدف استئناف آليات الحوار الاجتماعي، ومناقشة مبادرات لإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية التي تضررت بسبب الحرب وتسببت في نزوح العمال. وطلبت اللجنة استمرار تقديم المعلومات بشأن استئناف هذه الآليات (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *