مواكب 30 يونيو.. إنتصار الشعب
بقلم: حسين سعد
فرضت مواكب 30 يوينو 2020م تطور كبير، ومحطة مهمة، في مسار الثورة ، ودعم الفترة الانتقالية ،وتوضح قراءة فاحصة لمواكب 30 يونيو ،وماقبلها ،وما بعدها من مذكرات ،وتداعيات ،تؤكد ان 30 يونيو ليست حدث عابر ،بل هي انتصار، وطني ومؤشر الي ان الشارع فرض صوته ، وذلك من خلال المشاركة الواسعة لقوي الثورة ولجان المقاومة ،حيث أظهر (الشفاتا والكنداكات) إرادة صلبة وعزيمة قوية علي مواصلة العمل الثوري، والنضالي ،ونتوقع ان يصدر حمدوك خلال فترة الاسبوعان التي حددها قرارات حاسمة تختلف تماما عن خطاباته السابقة ، تستجيب الي مطالب الثوار (الشفاتا والكنداكات) العادلة، المتمثلة في اصلاح مسار ثورة ديسمبر، ومحاكمة من كانوا وراء مقتل الشباب الثائر امام قضاء عادل وتفكيك الفساد ،وأعاده هيكلة القوات النظامية ثم في اطار الحكم المدني تعيين ولاة مدنيين.
رسائل عديدة:
ونري ان مواكب 30 يونيو ارسلت رسائل واضحة الي الجهاز التنفيذي والمجلس السيادي ورفاق النضال المسلح، ومكونات قوي الحرية والتغيير كما اعادت 30 يونيو الاعتبار للثورة ،ولدور الجماهير بعد خيبات الامل وبعض أوجه القصور التي تسبب بها الجهاز التنفيذي وقوي الحرية والتغيير، ومن المرجح الاسراع في تفكيك الدولة العميقة (الموازية)، ومن المتوقع أن تستجيب القرارات المرتقبة الي مطالب الشارع الذي نقلته تلك المواكب من متفرج الي صانع للاحداث واستعادة زمام الثورة ومراقب لاداء الجهاز التنفيذي ،ولا يختلف اثنان حول اهمية مواصلة النضال لاجل التغيير المنشود.
ماذا قالت مذكرة لجان المقاومة وأسر الشهداء
قالت المذكرة ان شعبنا يعاني من أزمة اقتصادية خانقة وغياب للخطط الإسعافية العاجلة والخطط الاستراتيجية، كما أنه بدلاً عن فتح وظائف الخدمة المدنية للمنافسة الحرة والعادلة تحولت لاستبدال تمكين بتمكين آخر وجعل الخدمة المدنية عاجزة مما وضع الثوار في خط المواجهة ليقوموا بواجبات ووظائف الحكومة وإداراتها التنفيذية المختلفة بل والقيام أحياناً بأعمال الشرطة والأمن بالدور الرقابي على السلع والخدمات والرصد والتبليغ عن المخالفات، كما أن ضمان وتعزيز مشاركة النساء في هياكل السلطة الانتقالية لم يكن بالصورة الثورية المطلوبة بعد ثورة كان، ولا زال لنساء السودان الدور الأعلى في إنجازها والدفاع عنها
تضحيات كبيرة:
واوضحت المذكرة كان لزاماً على شعبنا وفي مقدمته لجان المقاومة أن تبذل الدماء الطاهرة والنضالات من أجل رفعة هذه البلاد وأن تفدي أرض السودان بالشهداء والجرحى والمفقودين بتكلفة عالية عمرها ثلاثين عاماً لتدير مرحلة بناء انتقالي لوطن دفع شعبه تلك التكلفة ولا يزال يساند بكل ما يملك، لكن اصطدمت آمال شعبنا وعزيمته بحكومة أقل من طموحات الثورة حتى الآن وبحاضنة سياسية لا تملك رؤية واضحة مشتركة لقضايا الانتقال وبناء الدولة مما جعلنا اليوم ندق ناقوس الخطر، ونحن نرى أداء حكومة الثورة أقل من ما هو مطلوب ويحد من حركتها بقايا النظام البائد الذين يصولون ويجولون مكاتبها وشعابها دون خوف أو وجل، وتحيط بها دسائس ومكائد مكونات إقليمية ودولية لا ترغب في أن يكون السودان قويا، عزيزاً، حراً، ديمقراطياً، ومع كل تلك الظروف القاهرة.
تخبط واضح:
وأوضحت المذكرة لقد شهدت الساحة السياسية الكثير من الأحداث ولامسنا تخبطاً واضحاً اتضح جلياً في الكثير من القرارات الخاطئة، وقد عملنا مراراً وتكراراً على التنبيه بالأخطاء والإشارة للخلل عبر مختلف الوسائل، فتتم الاستجابة حيناً والتجاهل والتجاوز في احايين كثيرة، لذلك كان لزاماً علينا أن نخرج للشوارع لما قد نظنه يخدم أهداف ومصالح الثورة في استكمال مهامها وتصحيحاً لمسارها وتقويم الانحرافات.
تفكيك النظام البائد:
ودعت المذكرة لتعجيل خطوات تفكيك النظام البائد وفك قبضته وإنهاء سيطرة منسوبيه على مؤسسات وأجهزة وهيئات الدولة وإعادتها للحاضنة القومية مع تكوين مفوضية إصلاح الخدمة المدنية بصورة تعكس قوميتها واستقلاليتها وعدالة توزيع الفرص فيها والإسراع بإنشاء المفوضيات المستقلة وترشيح أعضائها وفقاً لما نصت عليه الوثيقة الدستورية.
إنجاز السلام
طالبت المذكرة بإنجاز السلام العادل والشامل عبر مخاطبة جذور الأزمة بمشاركة كافة حركات الكفاح المسلح وتمثيل النازحين واللاجئين وضحايا الانتهاكات والحركات المطلبية وغيرهم من أصحاب المصلحة الحقيقيين في ملف السلام، وتولي مجلس الوزراء لإدارة عملية السلام عبر المفوضية القومية للسلام ووفقاً لما نصت عليه الوثيقة الدستورية مع الضغط لتشكيلها فوراً ووقف اختطاف مجلس السيادة لهذا الملف البالغ الأهمية، وأيضاً الحل الفوري لما يعرف بالمجلس الأعلى للسلام الغير الدستوري، ونتوقع ان تشهد الفترة القليلة القادمة إستئناف التفاوض مع الحركة الشعبية شمال بقيادة القائد عبد العزيز الحلو والتوصل معها الي سلام شامل وكذلك اجراء محادثان مع الاستاذ عبد الواحد محمد نور والتوصل معه الي اتفاق سلام وحال التوصل الي سلام ستبرز مشاكل خاصة بقسمة السلطة الاتحادية والولائية والمجلس السيادي والمجلس التشريعي.
العدالة الانتقالية
اما المطلب الخاص بتحقيق العدالة الانتقالية والجنائية للقتلى وضحايا الحروب والنزاعات والانتهاكات طيلة فترة عهد الإنقاذ وما قبلها وما بعد الحادي عشر من أبريل 2019م ،وذلك عبر تكوين مفوضية العدالة الانتقالية وفق أسس قومية جامعة تراعي التنوع والكفاءة والتخصصية،والإصلاح العاجل والشامل للأجهزة العدلية والقضائية للوصول لدولة القانون عبر تكوين مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية ومجلس القضاء العالي والمجلس الأعلى للنيابة العامة حسب ما نصت عليه الوثيقة الدستورية، ولتكون الأجهزة القضائية والعدلية مستقلة وقادرة على محاسبة كل من أجرم في حق الشعب السوداني، ولا يأتي ذلك وما زالت هذه الأجهزة تقع تحت أيادي النظام البائد.
إعلان نتائج لجان التحقيق
ودعت الي الإعلان عن كافة نتائج لجان التحقيق التي تم إنشائها لتقصي وقائع الإنتهاكات التي أُرتكبت طيلة فترة حكم الإنقاذ وخلال ثورة ديسمبر المجيدة وحتى الآن.
والإعلان عن نتائج لجنة التحقيق في مجزرة فض إعتصام القيادة العامة واعتصامات الولايات مع توضيح معوقات وأسباب تأخر عمل لجنة التحقيق، وإنشاء محاكم ونيابات خاصة لتسريع عمل لجان التحقيق وإنفاذ العدالة لأسر الشهداء والمفقودين والجرحى وضحايا الانتهاكات وكامل الشعب السوداني،توضيح من النيابة العامة عن تأخر البت في قضية المفقودين/ الإخفاء القسري، والوصول لنتائج حقيقية وملموسة
إعادة هيكلة وإصلاح الأجهزة النظامية
ودعت المذكرة الي إعادة هيكلة القوات النظامية بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها مع إعادة صياغة عقيدتها القتالية وصلاحياتها، وتحريرها من تمكين النظام البائد
الإقالة الفورية للقيادات العسكرية والتنفيذية في الولايات والتي لا زالت تحت حكم النظام البائد حيث مؤامراتهم التي تقوم بإشعال الفتن والصراعات القبلية والأزمات المعيشية، ولذلك بقاؤها بعد عام على الثورة يعد طعنة في خاصرتها
وقف التدهور الاقتصادي:
وطالبت بتحديد موعد نهائي لقيام المؤتمر الاقتصادي وذلك للخروج بخطط ورؤى وسياسات اقتصادية واستراتيجية وعمل إصلاحات شاملة لمعالجة الأزمات الاقتصادية ووضع أسس التنمية المستدامة حتى تساهم في الاستغلال الأمثل لموارد البلاد وعدالة توزيع وتوفير الخدمات بجودة عالية ومرضية تخدم مصالح المواطنين وتكون منحازة لغالبية الشعب السوداني من الكادحين والفقراء وبما يتناسب مع روح وشعارات الثورة، وتنمية وتعزيز ودعم القطاعات الإنتاجية الزراعية والحيوانية والصناعية، والضبط الفوري للأسعار ووضع يد الدولة على القطاعات الحيوية والسلع الاستراتيجية وحسم تهريب السلع،وشددت علي ضرورة ولاية وزارة المالية على كل المال العام بما يشمل تصفية شركات النظام البائد وتبعية شركات ومؤسسات القوات النظامية والشركات الرمادية لوزارة المالية، واسترداد جميع الأموال المنهوبة داخلياً وخارجياً وتكوين مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة.
قرارات حاسمة:
وقبل مواكب 30 يونيو تعهد رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بتنفيذ كل المطالب التي وردت في مذكرات لجان المقاومة واسر الشهداء خلال اسبوعين ووصف حمدوك في خطاب وجه للسودانيين قبيل انطلاق مواكب 30 يونيو،وصف كل المطالب التي وردت في هذه المذكرات هي مطالب مشروعة واستحقاقات لازمة، لا مناص عنها من أجل وضع قاطرة الثورة في مسارها الصحيح. واكد حمدوك على التزامات الحكومة المبدئية بتحقيق العدالة والقصاص الذي يضمن عدم تكرار الجرائم التي تم ارتكابها خلال الثلاثين عاما الماضية.وأفصح رئيس الوزراء عبدالله حمدوك عن جملة من القرارات الحاسمة في مسار الفترة الانتقالية، ستصدر خلال الايام المقبلة وقال ان هذه القرارات الحاسمة التي ستصدر قد يكون لبعضها اثر كبير – سياسياً واقتصادياً واجتماعياً- وحذر من ان بعض الجهات ستحاول استغلالها لتأجيج وصناعة حالة من عدم الاستقرارودعا في هذا الخصوص السودانيين كافة لتوخي اقصى درجات اليقظة والحذر.
لن نعود للوراء:
وكان حمدوك وصف خلال خطابه التوازن الذي تقوم عليه المرحلة الانتقالية التي تحاول حكومة الثورة ادارتها، بانه توازن حساس وحرج. وقال بانه يمر بين كل حين واخر بكثير من المصاعب والهزات التي تهدد استقراره، وتتربص به من جهة اخري قوى كثيرة داخل وخارج البلاد تحاول إعادة مسيرتنا الي الوراء لكن كما قال حمدوك ما أؤكده واعد به باننا قد نتعثر ولكننا لن نعود -ابداً- الي الوراء.
إستكمال هياكل السلطة:
اما الرسالة الثانية فقد كانت لرفاق النضال المسلح ومطالبهم بتأجيل تكوين المجلس التشريعي وتعيين ولاة الولايات الي حين التوصل الي سلام حيث طالبت مذكرة لجان المقاومة وأسر الشهداء بالإقالة الفورية لكل الولاة العسكريين وتعيين ولاة مدنيين وفق اختيارات وترشيحات أهل الولاية في فترة زمنية قريبة ومحددة إلى حين اكتمال عملية السلام، لأنه ما زالت الولايات تحكم من قبل النظام البائد ولم يشعر أهلها بأي تغيير يذكر بعد أن كانوا سباقين في إشعال شرارة الثورة ورفع راياتها، كما يجب مراعاة التمثيل النسائي وألا يكون ترشيح الولاة عبر المحاصصات الحزبية ووصاية المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير وأن يتم التعامل بشفافية وإشراك الرأي العام بمعايير اختيار الولاة وأسمائهم قبل إعلانها.
المجلس التشريعي:
وطالبت المذكرة بتكوين المجلس التشريعي الانتقالي وفق قيد زمني محدد وعبر تحديد مكوناته وأسس وآلية تكوينه ونسب كل مكون ومعايير اختيار أعضائه، وذلك للاضطلاع بدوره في التشريع والرقابة على أجهزة الحكم فهو المؤسسة التي من المفترض أن تمثل وتعبر عن الشعب السوداني بكافة أطيافه وتكون معبراً لطرح قضاياه ومعالجتها، وإن تغييبه حتى الآن غير مبرر وفيه إجحاف في حق أبناء هذا الشعب العظيم بعد كل ما قدموه من تضحيات جسام، وعليه فإننا نرفض تماماً تعطيل تكوينه والاستغلال الطويل لسلطاته بواسطة مجلسي السيادة والوزراء بما يناقض مبدأ الفصل بين السلطات ويعمل على تمركزها في مكان واحد مما يضع المجلسين في دور الخصم والحكم و يجعلهما بلا رقابة حقيقية ومؤسسية،وطالبت المذكرة بإقالة جميع المدراء التنفيذيين بالمحليات ومدراء الوحدات الادارية، وإعادة هيكلة كل نظام الحكم المحلي ووضع رؤية مشتركة يتفق عليها الجميع تعيد تعريف دور المشاركة الشعبية في الحكم المحلي وأن يكون التمثيل فيه من أصحاب الشأن والمصلحة الحقيقية وكلٌ في منطقته.
إصلاح قوى الثورة
اما الرسالة الثالثة الي مكونات الحرية والتغيير فقد طالبت المذكرة بإعادة هيكلة تحالف قوى الحرية والتغيير بالعمل على توسيع قاعدة المشاركة عبر قيام مؤتمر تنظيمي شامل يجمع جميع التنظيمات المدنية والسياسية المنضوية تحت لواء التحالف ووضع اللوائح التي تنظم كيفية إدارة الخلافات واتخاذ القرارات، فالتخبط الواضح لمكونات التحالف الحاكم والصراعات والخلافات بداخله وعدم ضبطه وانفراد قلة باتخاذ القرارات هو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت لوصول الثورة والبلاد لما آلت إليه الآن، كما يجب على تحالف قوى الحرية والتغيير أن يتحمل مسؤوليته السياسية الكاملة كحاضنة لهذه الحكومة وأن يرتقي بأدائه السياسي لمستوى طموحات هذا الشعب العظيم في تحقيق غايات ثورة ديسمبر المجيدة.