الإثنين, أبريل 15, 2024
مقالات

بين العدالة الجنائية والانتقالية والدولية..؟!!

بقلم: د. مرتضى الغالي

تشهد الساحة السودانية تباينات حول العدالة الانتقالية والعدالة الجنائية؛ ونحن هنا نتحدث حديث غير المتخصّصين.. ذلك أن العدالة الانتقالية أصبحت من الإيقونات الذهبية بين الأدبيات ذات الأبعاد السياسية والقانونية والاجتماعية والإنسانية، وقد تفرّعت منها العديد من التخصصات والمحاور التي تستند على معارف قانونية وسياسية عديدة اهتمت بالبحث فيها هيئات ومراكز وعكف خبراء على إثراء الحوار حولها ومحاولة استكناه مجالاتها وآلياتها وشروطها ومآلاتها..الخ ولكننا هنا نتناول (بمسٍ خفيف) جانباً مما يتصل بهذين النوعين من العدالة إذا جاز التعبير (الجنائية والانتقالية)..! لأننا نرى ما تمور به الساحة السودانية من آراء حول العدالة (في المُطلق) وحول العدالة الجنائية، والعدالة الانتقالية والعدالة الدولية..!! وتشتمل كل هذه الآليات على تباينات في المواقف وفي الرؤى حيث تتلاقى وتتقاطع وتختلف عليها أحزاب وحركات مسلحة عائدة إلى كنف المدنية، وسياسيون ومنظمات وهيئات مجتمع مدني وأهلي وحقوقيون..الخ وبين حين وآخر يتجادل السياسيون حول العدالة الانتقالية، وينشط الحديث عنها في الوسائط الاجتماعية والمراكز الحقوقية وعبر المقالات الصحفية والدورات التدريبية..كما أن الساحة تحتشد بين حين وآخر بالنداءات التي تطالب بالعدالة الجنائية (لا الانتقالية) ويشتد أوراها عندما يصدر بيان أو إعلان أو خبر من هنا أو هناك يمس جانباً من قضايا العدالة ومحاكمة الجناة في الجرائم ضد الإنسانية أو يطالب بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية أو يدعو إلى تكوين مفوضية خاصة بالعدالة الانتقالية.. أو ما يقارب هذه المجالات ..!!

وإذا تحدث الناس حول مناطق النزاعات الكبرى التي تم الربط فيها بين العدالة الانتقالية وبين معالجة اثأر ما جرى فيها من مظالم كبرى ترتّب عليها وجود جلادين وضحايا (Victims & Perpetrators) فإن الأذهان تنصرف مباشرة إلى رواندا والبوسنة والهرسك وشيلي وجنوب إفريقيا..! وفي هذا السياق يرى كثير من المتابعين أن ما جرى في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لا تقل درجة حدته عن النماذج السابقة.. بل إن المحارق والمذابح والفظاعات التي جرت في هذه المناطق السودانية تسجل درجات أعلى من الانتهاك مما يستوجب تطبيق العدالة الجنائية الدولية أو العدالة الانتقالية أو (العدالتين معاً).. بالإضافة إلى العدالة الجنائية المحلية..! ويمكن الإشارة إلى تباين المواقف حول المحاكمات الجنائية المحلية في مقابل العدالة الدولية؛ حيث يرى المنادون بالأولى أن المجرمين الذين قاموا بهذه الفظائع يجب أن يحاكموا داخل البلاد وفي المشهد الوطني المحلي وأمام الجمهور السوداني.. وربما يكون من المسكوت عنه أن هذه الرؤية عند كثير من المواطنين تستبطن أن العدالة الدولية (المحكمة الجنائية الدولية) سيكون عقابها (ناعماً) لا يمضى إلي العقوبة القصوى بالإعدام.. كما أن عقوبة السجن في المحكمة الدولية تحيل الجلادين إلى سجون أشبه بالفنادق الهانئة.. وهي (ضيافة مريحة) لا تتوفر لغالبية الشعب..!!

إما أنصار العدالة الدولية الذي يرون ضرورة تسليم المتهمين بجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية الذين احرقوا القرى وقتلوا عشرات الآلاف (بل مئاتها) وشردوا الملايين إلى لاهاي..فهؤلاء يتشككون في إرادة ورغبة المحاكم المحلية والقضاء الداخلي والقوانين السائدة.. ويؤكدون أن القوانين الحالية في البلاد ليس بها مواد تكفي للمحاكمة على جرائم من هذا النوع.. ويرون أن المناخ السياسي نفسه لا يسمح بمحاكمة ناجزة لهؤلاء الجلادين.. كما لا يخفي كثيرون أن محاكمة هؤلاء المجرمين ستواجه مأزقاً كبيراً إذا انقضت الفترة الانتقالية (ذات الزخم الثوري) وجاءت بعد الانتخابات أنظمة تقوم على الائتلافات الحزبية بكل مل يحيط بها من (معادلات)..!

ومن المعلوم أن الوضع الراهن في بلادنا بعد ثورة ديسمبر المجيدة وبسبب عوامل شتى يمر بحالة من السيولة في المؤسسات النيابية والقضائية والشرطية والنظام العدلي برمته.. فما يزال الإصلاح بعيد المنال في كل هذه المؤسسات والهيئات المعنية بإقامة ميزان العدالة….فجهاز القضاء يحتاج إلى ثورة إصلاحية، والمحكمة الدستورية غائبة، ومفوضية الإصلاح القانوني والعدلي لم تنهض بعد، والشرطة تحتاج إلى جهود أسطورية لتعود إلى مهنيتها وانضباطها، وكذلك الحال في القوات النظامية الأخرى والأجهزة الأمنية التي لا تزال ترفض الانصياع إلى صلاحياتها المقررة في الوثيقة الدستورية كأجهزة معلومات لا قوات مسلحة ضاربة..وهكذا الشأن في هلهلة نسيج النيابة العامة، واحتشاد كل هذه المفاصل الحسّاسة بذيول النظام السابق الذي جرى تمكينهم في هذه المؤسسات (بالذات) طوال ثلاثة عقود.. وللحديث بقية..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *