الممرضة الرائدة أم جمعة أرويج: أتمنى أن يعم السلام ووصول الخدمات الطبية لكل مواطن
حوار: الواثق تبيسة
للنساء الرائدات في كل السودان دور في المجالات المختلفة ومسيرة بناء الوطن والمساهمة في الخدمة العامة، في هذه المساحة يلتقي موقع (مدنية نيوز) بالسيدة أم جمعة حامد أرويج، وهي من النساء الأوائل اللائي عملن في حقل التمريض في السودان، حيث قدمت من جبال النوبة بجنوب كردفان بعد أن تلقت تعليمها الأوّلي هناك وحصلت على المرتبة الأولى، ودار حوار حول نوع الخدمات والترقيات ومن عاصرتهم وعاصرتهن من الزميلات في حقل التمريض والأطباء والطبيبات، ورأيها في الخدمات الطبية الحالية والأمنيات التي لم تتحقق، فإلى مجريات الحوار:
مرحباً بك في هذا الحوار، أم جمعة دعينا أولاً نتعرف عليك عن قرب فمن أنت؟
أنا أم جمعة حامد أرويج، من مواليد مدينة الدلنج 1937 حي قشلاق الشرطة الحالي بولاية جنوب كردفان، حيث كان يعمل والدي شرطياً بالسجون وهو عازف بروجي مستر هيرسون المفتش العام لسجن الدلنج.
أين درستِ خلال مراحلك التعليمية؟
التحقت بمدرسة الدلنج الأولية بنات جوار معهد التربية للمعلمين، وكان ذلك في العام 1948، وحصلت على المركز الأول لدفعة تعليم البنات بمنطقة جبال النوبة ولجيلي كنظام دراسي حكومي.
تخرّجتُ في الأولية في العام1952م وكنت الأولى على الدفعة الأولى، ووقتها كان التوظيف بالشهادة الأولية وقدمت للتمريض بمستشفى الدلنج، ونسبة لعدم وجود أستاذ تمريض تم توزيعي لمدرسة التمريض العام بمستشفى أمدرمان التعليمي كأصغر ممرضة، وكان عمري 14 ربيعاً في العام 1954، كأول دفعة لممرضات سودانيات من المناطق المقفولة.
هل تذكرين الزميلات اللائي رافقنك في دراسة التمريض؟
نعم أتذكرهن جميعاً وكنت برفقة زميلات عزيزات، وأذكر منهن أم سعدين محمد، ابنة المناضلة مندي، وهي خالتي، وهذا امتداد طبيعي للأسرة، وحواء ناصر وعائشة جبور وحليمة جمعة من الدلنج، ومن الجنوب حواء جنقي، ومن دنقلا فاطمة الأحمر، ومن الفاشر فاطمة علي، ومن الخرطوم فاطمة جابر، ومن الشرق أم الحسن، وعدد من الزميلات أدعو بالرحمة لمن رحلن منهن وبالعافية للبقية، وكانت مدرسة التمريض بوتقة لكل بنات السودان.
من تذكرين من الأساتذة أو الطبيبات والأطباء الذين تدرّبتِ على أياديهم أو عملت معهم؟
أساتذة أجلاء منهم سليمان أبو صالح أبو التمريض في السودان، والأستاذات نفيسة إبراهيم، وحواء محمد صالح مفتش تمريض، وحواء علي البصير، ومن الأطباء د. عبد الرحمن عتباني عميد مستشفى أمدرمان آنذاك، د. بسيوني د. أبوه حسن أبوه، د. حسن كشكش من النوبيين في الشمال، د. الخير الشفيع، ود. خالدة زاهر أول طبيبة في السودان التي لا أنسى تعاملها مع الكل، وحتي لا يفوتني أمر، لم ألتقِ بها منذ تلك الفترة حتى فارقت الحياة الفانية والرحمة لروحها.
في تلك الفترة تعلمنا الكثير من خلال دراسة (48) محاضرة في التمريض، شملت كل الأقسام (باطنية، جراحة، عيون، أسنان، ونساء وتوليد)، وكان الطب والصحة الأولية أمانة في أعناقنا وليس تجارة ولا استثماراً.
وأرجع بك للعمل بعد تخرجنا، وكان السودان قمة ومرتبة عالية في النظام الصحي ودولاب الخدمة المدنية التي ورثناها من الإنجليز ولا تقبل واسطة أو محسوبية، ولم يبقَ منها شيء حالياً.
ومع التطور والتكنولوجيا الطبية، إلا أن النظام الصحي منهار ويحتاج لبناء بأيدٍ سودانية مخلصة وإلا فإنه لا صحة ولا حياة.
خلال عملك، ما هي المواقف الراسخة في ذاكرتك ولا زلت تذكرينها؟
عبركم أبلغ سلامي وتعزيتي للطبيب زاهر، ابن الدكتورة خالدة زاهر الذي أشرفت على ولادتة في ورديتي، وأتمنى أن يصل سلامي وتعزيتي له رغم طول الفترة.
دعني ابني أسرد لك جزءاً مما عاصرناه في زمن الإنجليز، كانوا يعملون بترتيب، وللعاملين في الحقل الطبي القدح المعلى وساهموا في رفع علم السودان، وكانت لهم مواقف مُشرِّفة، وفي مدرسة التمريض شاركنا في هذا المحفل الذي لا أنساه ولا أنسى اللحظات التاريخية برفع علم الاستقلال في 19/12/1955، الذي كان يوماً مفصلياً في تاريخ السودان.
كيف كان السودان من حيث الخدمة آنذاك؟
كانت الخرطوم نظيفة وهادئة غير مزدحمة، والموظف كان يمثل عنواناً للدولة بكل ثقة ومسؤولية.
وكم كان عدد المستشفيات في العاصمة؟
كانت عدد المستشفيات (4) فقط، أمدرمان، الخرطوم، بحري وحمد النيل (الصدرية) حالياً، وكلها كانت مستشفيات تعليمية وتقدم خدمات مجانية لأي مواطن بلا استثناء.
وكيف كان نظام العمل؟
عن طريق الورديات (صباحية، ظهرية، وسهرة)، ولكل وردية (8) ساعات.
وكيف كان نظام الترقيات؟
للتمريض نظام وهيكل يختلف عن مؤسسات الخدمة المدنية، يبدأ التمريض بـ (فراش) وهو لفترة تدريبية مؤقتة، ومن ثم ينتقل لممرض شريط، ثم شريطين ومن ثم (3) أشرطة على الكتف كعلامة تمييز ما بين الدفعات وذلك بالزي الأبيض الناصع مع علامة حمراء، وللممرضات فستان وجزمة (باتا) وكيب مثلث غطاء رأس وساعة يدوية ليست للمظهر بل لضبط الجرعات، ومن ثم نجمة دبوس لحامل شهادة التمريض، وهنا تبدأ كورسات المساعدين الطبيين في تخصصات مختلفة بعد اجتياز امتحان شهادة التمريض، وأهمها مساعد طبي عمومي وعيون وأسنان وباطنية كأشهر التخصصات حينها. وهناك نظام يواصل في الترقية ما بعد شهادة التمريض إلى وكيل رئيس عنبر، فإلى رئيس عنبر، ووكيل باش ممرض، وباش ممرض، ومن ثم مفتش، لتكون آخر الدرجات التي توصلت إليها الصحة.
محطات ومستشفيات عملتِ بها، ما هي؟
مستشفى الدلنج الملكي، أمدرمان التعليمي، مستشفى الأبيض، بارا، كادقلي، تلودي، أبو جبيهة الملكي، ومن ثم تقاعدت في العام 2006م، خدمت نصف قرن من الزمان والحمد لله رب العالمين.
أنتِ عاصرت خلال عملك فترة حكم الاستعمار الإنجليزي وكل الحكومات الوطنية، ما رأيك في عمل المرأة في أعمال محددة؟
هذا السؤال يتجدد في كل زمن، عندما دخلنا المدرسة كانت أشبه بالجريمة، ولكن كان والدي متعلماً ويعي معنى التعليم وخصوصاً للبنت، وما زالت بعض المجتمعات تمنع تماماً دخول البنات للمدارس، وما زالت هذه النظرة مستمرة.
أما العمل فكان أشبه بالتحول المجتمعي فقط، ووعي عالٍ في مجتمعاتنا منذ أمد بعيد مقرون بحضارة منذ آلاف السنين، وللمرأة دور إيجابي، ومندي كانت نموذجاً أمامنا عاصرناه. ولكن هناك تقدم في هذه النظرة وسعيدة بتقدم المجتمع السوداني، ولا سيما بنات القرى في مواقع بعيدة لا يصلها التعليم.
كم كان الراتب؟
كنت أتقاضى (6) جنيهات وربع الجنيه، وهي كافية ووافية.
بعد تقاعدك، كم يبلغ حجم معاشك حالياً؟
لدي معاش يبلغ (2000) جنيه فقط لا غير.
هل يغطي المعاش تكاليف المعيشة؟
يغطي تكلفة توفير (إسبيرين) للضغط فقط.
هل سبق أن تم تكريمك من قبل أية جهة اعتبارية في الدولة؟
لا، ولا أحتاج تكريماً، فقد عشت عزيزة ومكرمة من الذين تلقّوا خدماتي.
كيف تنظرين لمستقبل النساء، وتحديداً النساء في الحقل الطبي؟
هناك قصور في الكادر الوسيط، ربما أرى عدد الأطباء أعلى من الممرضين والممرضات في التمريض العام والسسترات والتقنيين، وقلّ عدد الكوادر المساعدة رغم كثرة الأمراض وتطور المعدات والأجهزة الطبية، ونرى ذلك من خلال ما حصدته (جائحة كورونا) من أرواح، إلا أني أدعو الجميع لمتابعة الإرشادات الصحية والبرتكولات الطبية.
هل أخذت جرعة اللقاح؟
نعم، وقدمت مناشدة عبر الإذاعات لكبار السن بأن العلاج مهم والوقاية خير من العلاج.
هل أنت راضية عن الخدمات التي تقدم في المستشفيات؟
بالطبع لا، هناك تأخر للدخول للمستشفيات ومراكز الصحة الأولية، والخدمات محدودة في إطار ضيق ويوجد إهمال في بعض المراحل للمريض منها إهمال ومنها تردي.
أمنيات لم تحقق، ما هي؟
أن تتوفر الرعاية الصحية والاهتمام بصحة الأمومة والطفولة والصحة العامة، وأن يعم السلام ربوع الوطن وتصل الخدمات الطبية لكل مواطن قريب وبعيد كما كان قديماً، وأن أرجع لداري ومسقط رأسي جبال النوبة في قرية (النتل) أو (تندية) أو (حكر السلطان)، وأن نساهم جميعاً في بناء وطن يسع الجميع.
كلمة أخيرة ماذا تقولين فيها؟
شكراً أبنائي في (مدنية نيوز) وأتمنى أن يوفقكم الله جميعاً، وشكراً لكل قارئ لسيرتي، مع أمل اللقاء بكم مجدداً.