الأربعاء, مايو 20, 2026
تقاريرسياسة

مدن تحترق وعالم يتفرج… السودان وأزمة الضمير الدولي (2-2)

تقرير: حسين سعد

في الطرقات المحترقة بالخرطوم، والمدن الأخرى التي طالتها الحرب الكارثية وبين أنقاض المستشفيات والأسواق ومعسكرات النزوح، لا تبدو الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين مسلحين، بل مأساة إنسانية وسياسية تختبر معنى العدالة الدولية وحدود الضمير العالمي. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يسقط المدنيون تحت القصف والجوع والمرض فحسب، بل سقطت أيضًا أسئلة جوهرية حول قدرة المجتمع الدولي على حماية الأبرياء، وحول ما إذا كانت المؤسسات التي تأسست لمنع الحروب ما تزال قادرة فعلًا على أداء دورها.

ومع اتساع دائرة المجاعة والنزوح والدمار، يجد السودان نفسه وسط أزمة تتجاوز حدوده الجغرافية، لتكشف هشاشة النظام الدولي والتناقض العميق بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. فكل يوم تُقصف فيه مدينة، أو يخرج فيه مستشفى عن الخدمة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل فشل العالم في إنقاذ السودان، أم أن السودان كشف حقيقة النظام الدولي نفسه؟

تعدد المنابر وغياب الإرادة :

شهدت الأزمة السودانية تعددًا غير مسبوق في المسارات التفاوضية؛ من منبر جدة، إلى الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية، والأمم المتحدة، إضافة إلى مبادرات أوروبية وأمريكية متفرقة. غير أن هذا التعدد لم ينتج تكاملًا سياسيًا أو ضغطًا حقيقيًا باتجاه وقف الحرب، بل خلق حالة من التنافس والتشتت الدبلوماسي، سمحت للأطراف المتحاربة بإدارة الصراع بمرونة أكبر وكسب الوقت لإعادة التموضع العسكري.

وهنا تتجلى مفارقة لافتة: فكلما تعددت المبادرات، تراجعت القدرة على فرض تسوية واحدة ملزمة، وتحول المجتمع الدولي من “فاعل ضاغط” إلى “مراقب متعدد الأصوات”. غابت القيادة السياسية الموحدة، وتضاربت الأولويات الإقليمية والدولية، فأصبحت المنابر التفاوضية أقرب إلى إدارة للأزمة منها إلى صناعة حل حقيقي.

الحرب المنسية:

على الرغم من حجم الكارثة، لم يحظ السودان بتركيز دولي مماثل لأزمات أخرى مثل حرب أوكرانيا أو غزة، هذا الاختلال في الاهتمام الدولي لم يكن عابرًا، ولا يمكن تفسيره فقط بازدحام الأجندة الدولية بل يعكس ما يمكن وصفه بـ”انتقائية الضمير الدولي، حيث تُرتب المآسي الإنسانية وفقًا لاعتبارات الجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية، لا وفق حجم المعاناة البشرية، فبينما تتصدر بعض الحروب الأجندة العالمية والإعلامية، يبقى السودان في هامش الاهتمام، رغم أن بيانات الأمم المتحدة نفسها تصفه بأنه أكبر أزمة إنسانية ونزوح في العالم.
هذا التفاوت لا يعكس فقط أولويات سياسية، بل يكشف كيف يُعاد ترتيب الكوارث الإنسانية وفق اعتبارات الجغرافيا السياسية لا حجم المعاناة

تتجلى إحدى أبرز إشكاليات الأزمة في ما يمكن تسميته بـ“انتقائية الاهتمام الدولي”، حيث تراجع حضور السودان في الأجندة العالمية مقارنة بأزمات أخرى مثل أوكرانيا وغزة
ورغم أن السودان يُوصف أمميًا بأنه يشهد واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم، فإن حضوره الإعلامي والسياسي ظل محدودًا، ما ساهم في إضعاف الضغط الدولي المطلوب لوقف الحرب. فالكارثة السودانية، بخلاف أزمات أخرى، لم تتحول إلى أولوية دولية، بل بقيت في هامش الاهتمام العالمي، وكأن أرواح المدنيين تخضع أيضًا لمعادلات النفوذ والمصالح.

قصف المدن وانهيار الحياة المدنية:

منذ اندلاع الحرب، لم تقتصر العمليات العسكرية على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى قلب المدن والأحياء السكنية. تحولت الخرطوم إلى مدينة منكوبة؛ أحياء كاملة تعرضت للقصف، ومنازل انهارت فوق سكانها، فيما تحولت الأسواق والشوارع إلى فضاءات للموت والخوف.

ولم يكن الدمار مقتصرًا على البنية التحتية، بل طال جوهر الحياة المدنية نفسها. فقد خرجت عشرات المستشفيات عن الخدمة، وتوقفت مراكز صحية عن العمل بسبب القصف أو انعدام الإمدادات، ما جعل المرضى يواجهون الموت بصمت داخل غرف الطوارئ. هكذا لم تقتل الحرب بالقذائف وحدها، بل قتلت أيضًا بانعدام العلاج، وغياب الغذاء، وتعطل الخدمات الأساسية*.

كما كشفت الحرب عن هشاشة منظومة الحماية الدولية للمدنيين، إذ لم تنجح الإدانات الأممية المتكررة في وقف استهداف الأحياء السكنية أو حماية المرافق المدنية، الأمر الذي عمّق الشعور بأن القانون الدولي الإنساني بات عاجزًا عن فرض حد أدنى من الردع.

مقارنة كاشفة… البوسنة والسودان :
عند مقارنة السودان بحرب حرب البوسنة، تتضح الفجوة بين تدخل دولي حاسم وآخر متردد. ففي البوسنة، وبعد تصاعد المجازر والضغط الإعلامي والسياسي، تدخل حلف شمال الأطلسي عسكريًا ضد القوات الصربية، ما أدى إلى تغيير موازين القوى وفتح الطريق أمام تسوية سياسية أنهت الحرب.

وقد تحقق ذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
وجود إرادة سياسية غربية موحدة رأت أن استمرار الحرب يهدد الأمن الأوروبي.
توفر آلية ردع عسكرية حقيقية لم تقتصر على بيانات الإدانة.
وجود قيادة دولية واضحة للمسار التفاوضي.
أما في السودان، فالمشهد يبدو معكوسًا تمامًا؛ إذ لا توجد قيادة دولية موحدة، ولا توافق بين القوى الكبرى حول طبيعة الحل، كما تغيب أدوات الردع الفعالة، لتتحول المبادرات السياسية إلى مسارات مفتوحة بلا قدرة حقيقية على فرض السلام.

الحرب لم تكشف فقط عجز النظام الدولي، بل كشفت أيضًا الأزمة العميقة التي يعيشها المجتمع المدني السوداني. فبعد ثورة ديسمبر، بدا أن السودان يمتلك واحدة من أكثر الحركات المدنية حيوية في المنطقة، غير أن الحرب أعادت تفكيك هذا الفضاء المدني بصورة مأساوية
فقد تعرضت منظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة والنقابات المستقلة لضغوط هائلة، بين القمع المباشر، والانقسام السياسي، وانعدام الموارد، واضطرار آلاف الناشطين إلى النزوح أو الهجرة. كما أدت الحرب إلى تآكل المساحات العامة التي كانت تسمح بالفعل المدني والتنظيم المجتمعي.

إلى جانب ذلك، ساهم الاستقطاب السياسي الحاد في إضعاف وحدة القوى المدنية، حيث انقسمت مواقفها تجاه الحرب، وتراجعت قدرتها على إنتاج خطاب وطني موحد قادر على التأثير في الداخل والخارج. وفي ظل عسكرة المجال العام، بات الصوت المدني أضعف من أن يفرض نفسه في معادلة السلاح.

فالسودان دخل الحرب أصلًا وهو يعاني من دولة هشة، ومؤسسات منهكة، وانتقال سياسي معطل، إضافة إلى إرث طويل من القمع الذي استهدف النقابات والتنظيمات المستقلة لعقود. لذلك فإن الحرب لم تُنتج أزمة المجتمع المدني بقدر ما كشفت حدود قدرته في مواجهة دولة منهارة وصراع مسلح مفتوح.

ماذا يعني فشل السودان للنظام الدولي:
فشل المجتمع الدولي في وقف الحرب السودانية لا يتعلق بالسودان وحده، بل يطرح سؤالًا أعمق حول مستقبل النظام الدولي نفسه: هل ما تزال المؤسسات الدولية قادرة على حماية المدنيين؟ أم أن القانون الدولي أصبح يُفعّل فقط عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى؟

في الحالة السودانية، تبدو الإجابة أقرب إلى الاحتمال الثاني؛ إذ تحولت القوانين الدولية إلى نصوص أخلاقية تفتقر إلى أدوات التنفيذ، بينما تعطلت آليات الردع أمام تضارب المصالح الإقليمية والدولية. وهكذا أصبحت الحرب السودانية واحدة من أبرز الشواهد على أزمة النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث تتراجع فعالية المؤسسات الدولية أمام تعقيدات النفوذ والمصالح
الخاتمة:

تمثل الحرب في السودان نموذجًا مكثفًا لأزمات النظام الدولي المعاصر: تعدد الفاعلين بلا قيادة موحدة، وقانون دولي بلا أدوات تنفيذ، ومصالح متشابكة تعطل فرص الحل.
وبينما تتواصل الكارثة الإنسانية، يبقى السودان شاهدًا على تحول خطير في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لا يُختبر فقط مصير الدول، بل أيضًا مصير فكرة العدالة الدولية نفسها. ففي السودان، لا تُقصف المدن وحدها، بل تُقصف أيضًا القيم التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

وبين ملايين النازحين، والمستشفيات المدمرة، والأسواق المحترقة، والأطفال الذين يواجهون الجوع والخوف، تتكشف حقيقة قاسية: أن الإنسان في بعض الحروب لا يواجه فقط أطرافًا مسلحة، بل يواجه كذلك صمت العالم وعجزه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *