الخميس, مايو 21, 2026
تقاريرسياسة

بين الانتظار والدموع: أبناء الجزيرة الذين لم يعودوا… كيف ترك الغياب جرحاً في كل بيت (11)

كتب: حسين سعد

ولاية الجزيرة، تلك الأرض التي كانت تُعرف دومًا بخضرتها وطمأنينتها وحواشاتها الممتدة بلا نهاية، تسللت فجأة ملامح الحرب في منتصف أبريل 2023م لتقلب موازين الحياة رأسًا على عقب. لم يكن أبناء الجزيرة يتوقعون أن تستيقظ قراهم ومدنهم على أصوات الرصاص، أو أن تتحول الطرق التي كانت تعج بالمزارعين والطلاب والباعة إلى مساحات خوف لا يقطع صمتها سوى وقع الخطى المرتبكة الهاربة من المجهول. لكن الأشد إيلامًا لم يكن نزوح الآلاف ولا خراب البيوت وحده، بل كان فقدان الأحبة… أولئك الذين إختفوا في زحمة الرعب، وفي لحظات الفوضى التي لا تُنسى، في أرض المحنة ، تسلّل الفقد مثل ظلٍ ثقيل منذ اندلاع حرب أبريل 2023م.

لم تكن الجزيرة منطقة حرب بالمعنى المباشر فقط، بل كانت ساحة نزوح داخلي كبير، وممراً للفارين من الخرطوم، وملاذاً مؤقتاً لألوف العائلات… حتى أصبحت بدورها مسرحاً للانتهاكات والقتل والاختفاء القسري، وسط كل ذلك، برزت مأساة المفقودين كأقسى الجراح وأعمقها.

غابت السواعد التي تزرع:
أبناء خرجوا لقضاء حاجة، أو للعمل في الزراعة، أو لإحضار إحتياجات من الأسواق الاسبوعية المنتشرة بأرض شيخ المشاريع الزراعية، أو لحماية الأسرة، ولم يعودوا، شباب كانوا يساعدون آباءهم في الزراعة، يحملون ( الطورية والكوريك)، يبيعون المحصول من الذرة والقمح والكبكبي وغيرها من المحصولات الزراعية التي يتم حصادها من الارض الزراعية ، لشراء حاجيات البيت، يوفرون المصاريف اليومية، يساندون الأسرة في أصعب الظروف. كانوا عماد البيوت في ظل إنهيار الإقتصاد وإرتفاع الأسعار، وكان وجودهم ضمانة لإستمرار الحياة… ثم غابوا فجأة، في القرى الممتدة من المسلمية إلى الحصاحيصا، ومن الكاملين إلى مدني، ومن كاب الجداد الي ابوقوتة غرباً ومن الباقير الي المسيد والمعيلق كانت حكاية الغياب تتكرر كل يوم، أمهات ينتظرن صوت خطوات يعرفنه جيداً، وآباء يسألون عن أبنائهم في المستشفيات ونقاط التفتيش، وأخوة صغار يراقبون الباب لعلّه يفتح، وحياة كاملة توقفت عند سؤال واحد وهو (أين ذهبوا) فالغياب ليس مجرد حدث، بل هو جرح يوميّ متجدد، تستيقظ الأسر عند الفجر على صوت المآذن ولكنها تحمل في داخلها رجاءً بأن يكون هذا الصباح هو صباح العودة؟ وتنام في الليل وهي تقلب سيناريوهات لا تنتهي؟ هل ‘إختطفوا؟ هل قتلوا؟ هل هم في الأسر؟ هل ضلّوا الطريق وهم يحاولون الهرب؟ أم أن هنالك من يعرف الحقيقة ولا يريد الإفصاح؟ وخلال ذلك، تتغير ملامح البيوت؟ فالأب الذي كان يخرج للزراعة في حواشته وأرضه، صار يجلس طويلاً عند مدخل البيت، أو في دكان القرية ، أو أمام الطاحونة التي يتجمع بها أهل القرية، وذات الحال ينطبق علي الاخوة الذين كانوا يزرعون معاً، صاروا يزرعون بلا روح، لأن اليد التي كانت تساعدهم لم تعود؟ أما الأم التي كانت تملأ الساحة بنشاطها صارت تغيب ساعات تبكي بصمت.

النزوح وغياب الأمل:
حرب أبريل خطفت من الجزيرة ليس فقط أرواحاً، بل خطفت استقراراً كان مترسخاً لعقود، والأسر التي فقدت أبناءها ليست وحدها؛،هي جزء من جرحٍ جماعي امتدّ من قرى الهجيليج إلى 24 القرشي، ومن مارنجان إلى العشير، ومن ود رعية إلى ود مدني، ومن الهلالية الي ود النورة ومن السريحة الي الولي ، ومن طابت الي وداي شعير ، ومن الحوش الي الحاج عبد الله ، ومن العقدة المغاربة الي الهدي ، ومن ابو شنيب الي سليم وقري الحلاوين والدبية الدباسين وام شجيرة والعقيدة ، ومن النخيرة الي قري السديرات الشرقية والغربية ، ومن حلة موسي الي الجملون سعدانة والحلاوين سعدانة ومن الريحانة الكبيرة والصغيرة الي الدبيبة عبد الله و طيبة النعيم والجميعابي ومن أمدقرسي الي ود الماجدي وابوعشر والحليلة شيخ موسي والكسمبر ـ والقلقالة ،واللعوتة الحجاج والهبيكة ، والمسعودية والنوبة ، والتي والتكينة وغيرها من قري شمال ولاية الجزيرة بمحلية الكاملين، ومع ذلك، ورغم قسوة الألم، يظل الأمل قائماً—ذلك الأمل السوداني العجيب الذي لا يموت… أمل بأن يعودوا يوماً، أو أن تلوح إشارة صغيرة من مكان ما تُعيد الطمأنينة إلى قلوب أنهكها الانتظار؟

قصص مؤلمة لا تنتهي:
قصص المفقودين في الجزيرة ليست أرقامًا تُسجَّل على الورق، بل وجوه كانت تملأ البيوت حياةً، وأسماء ما زالت تُنادى عند المساء علّ صداها يردّ جوابًا من بعيد، أمهات بكت حتى جف الدمع، وآباء خنقهم الصمت لأن الحزن أكبر من الكلام، إخوة وأخوات يترقبون كل صوت عند الباب، وكل رنة هاتف، وكل إشاعة في الأسواق أو مراكز النزوح، في كل بيت قصة معلّقة بين الرجاء والخوف، وكل قلب يحمل ذكرى آخر نظرة، آخر مكالمة، آخر وعد بالعودة لم يتحقق، في الأسواق، في الطرقات، في صفوف الخبز والوقود، وفي مراكز الإيواء، يتبادل الناس صور المفقودين: شباب خرجوا لجلب الطعام ولم يعودوا، مزارعون اختفت آثارهم بين القرى، أطفال تفرقت بهم طرق النزوح، نساء فقدن الاتصال بأسرهن وسط الفوضى. مشاهد تُمزّق الروح وتعيد السؤال الملح: أين هم الآن؟ وهل ما زال الأمل ممكنًا؟
إن معاناة أسر المفقودين في ولاية الجزيرة ليست مجرد مأساة فردية، بل جرح جماعي غائر يوجع الولاية بأكملها. فكل أم تبحث عن ابنها، وكل زوجة تنتظر عودة شريك حياتها، وكل طفل يسأل عن أبيه، يصبح ألمهم جزءًا من ذاكرة مكان جريح ما زال يصرّ على الحياة رغم الخراب، وفي الوقت الذي تستمر فيه الحرب في خلق المزيد من المآسي، تظل قضية المفقودين شاهدة على حجم الألم الإنساني الذي خلّفته، وناقوسًا يدق باستمرار للفت الأنظار إلى ضرورة البحث، التوثيق، والمساءلة.

أين ذهبوا؟ مأساة الغياب الطويل:
لا تزال ولاية الجزيرة، رغم مرور الوقت، تعيش على نبض سؤال واحد يتردد كالصرخة الصامتة: أين المفقودون؟ الحرب رحلت من أماكن كثيرة لكنها تركت خلفها فجوات لا تُسدّ، وكثيرًا من الأبواب المفتوحة في انتظار من لن يعود بسهولة، إن المفقودين ليسوا مجرد غائبين؛ إنهم حاضرون في كل لحظة، في كل نظرة حائرة، وفي كل حلم مؤجل، وفي كل دمعة تختبئ عن الآخرين حتى لا يثقل الحزن القلوب، تعيش الأسر التي لديها مفقود اليوم على أمل صغير، لكنه كافٍ ليبقيها واقفة: ربما يظهر خبر، ربما يجيء شاهد، وربما يعود المفقود بنفسه يومًا ما هذا الأمل، رغم هشاشته، أقوى من الحرب وأكثر رسوخًا من الخوف. ومع كل حملة للبحث، وكل مبادرة للتقصي، وكل مجهود لتوثيق الشهادات، تتجدد القدرة على الاستمرار، وعلى دفع المجتمع والجهات المختصة نحو تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية، عموماً إن إنهاء معاناة أسر المفقودين ليس مجرد عمل إنساني، بل هو واجب وطني وأخلاقي. فالحرب لا تنتهي حين يصمت السلاح، بل حين يُعاد جمع الشتات، وتُعرف الحقائق، ويُعاد الاعتبار لكل ضحية اختفت في الظلام. وحتى يتحقق ذلك، ستظل أصوات أسر المفقودين النور الذي يكشف الطريق، وستظل حكاياتهم الدليل الحي على أن العدالة ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية ما تبقى من إنسانيتنا (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *