السبت, مايو 23, 2026
تقاريرسياسة

حملة وطنية لتفكيك جذور العنصرية وبناء دولة المواطنة والسلام الاجتماعي

تقرير: حسين سعد

وسط تصاعد الانقسامات الاجتماعية وتنامي خطاب الكراهية في ظل الحرب المستمرة بالسودان، تبدو معركة السودانيين اليوم أعمق من مجرد وقف إطلاق النار أو إنهاء الصراع العسكري؛ إنها معركة ضد الجذور القديمة للتمييز والعنصرية وخطاب الكراهية الذي تمدد عبر عقود داخل بنية الدولة والمجتمع، حتى أصبح جزءاً من الأزمة الوطنية المركبة التي تهدد مستقبل السودان ووحدته الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، جاءت “الحملة الوطنية السودانية لمكافحة العنصرية وخطاب الكراهية” التي نظمها ووقع علي مذكرتها كل من :تحالف قوي التغيير الجذري ، والمركز الموحد لقوي الثورة بالخارج ، ومجموعة السودانيين الامريكيين للتحول الديمقراطي ،والميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب ،ومجموعة اللسانيات، وهيئة محامي دارفور ، والمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات ، وتجمع السودانيين بالخارج لدعم الثورة، وبحسب المنظمين للفعالية هنالك أجسام أكت رغبتها في التوقيع على الحملة، وجاءت هذه كمحاولة جادة لإعادة فتح الملفات المسكوت عنها، والانتقال بالنقاش من الإدانة الأخلاقية العامة إلى تفكيك البنية السياسية والاجتماعية التي غذّت الانقسام والكراهية واستثمرت فيهما سياسياً خلال سنوات الحكم الشمولي والحروب المتعاقبة.

مناهضة الكراهية والعنصرية:
وشكّل المؤتمر الصحفي الذي دشّن الحملة منصة فكرية وسياسية جمعت أكاديميين وحقوقيين وناشطين وإعلاميين، ناقشوا بصورة معمقة جذور الأزمة، وآثارها النفسية والاجتماعية والسياسية، إلى جانب طرح رؤية متكاملة لمعالجة خطاب الكراهية باعتباره أحد أخطر مهددات السلام والاستقرار في السودان، ودعت قيادات أكاديمية وحقوقية ومدنية إلى تبني مشروع وطني شامل لمواجهة العنصرية والتصدي لخطاب الكراهية، باعتباره أحد أخطر التهديدات التي تواجه وحدة المجتمع السوداني ومستقبله السياسي والاجتماعي، وشهد المؤتمر الصحفي الخاص بحملة مكافحة العنصرية وخطاب الكراهية، الذي عقد يوم الخميس الموافق 21 مايو 2026م ، مشاركة واسعة من أكاديميين ونشطاء وممثلي المجتمع المدني، ناقشوا الجذور التاريخية والسياسية والاجتماعية للعنصرية في السودان، وتأثيراتها على النزاعات والحروب، إلى جانب طرح رؤى عملية لمعالجة الظاهرة عبر التعليم والإعلام والإصلاح القانوني والثقافي.

أكد متحدثون في المؤتمر أن العنصرية في السودان لا يمكن اختزالها في سلوك فردي أو ممارسات اجتماعية معزولة، بل هي نتاج تاريخ طويل من التهميش وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة، إلى جانب استغلال الانقسامات الإثنية والقبلية في الصراع السياسي، وفي بداية المؤتمر الصحفي رحب الصحفي حسين سعد بالحضور ومن ثم تلا التصريح الصحفي الخاص بالحملة ، مؤكداً أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد ممارسات فردية أو تعبيرات معزولة، بل تحول إلى “مشروع مدمر” يهدد التماسك الاجتماعي ويغذي العنف والتمييز والإقصاء. ودعا التصريح الصحفي إلى تحرك وطني واسع لمواجهة هذه الظواهر عبر بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.

وقال ان القوى الموقعة على المذكرة تتابع بقلق بالغ وغضب مشروع التصاعد الخطير للخطابات العنصرية وخطابات الكراهية التي باتت تُبث بصورة علنية عبر المنابر الإعلامية والرقمية والسياسية، وأحيانًا من شخصيات مرتبطة بمراكز نفوذ سياسي وعسكري، بما يكشف أن الأمر لم يعد مجرد انحرافات فردية أو تعبيرات منفلتة، وإنما تحوّل إلى أداة سياسية خطيرة لإدارة الحرب وإعادة تشكيل موازين السلطة والثروة على أسس عرقية وجهوية.

مظالم تاريخية:
من جانبها، تناولت الدكتورة محاسن زين العابدين الجذور الهيكلية للعنصرية في السودان، مشيراً إلى أن التهميش التاريخي وعدم الاعتراف بالمظالم المتراكمة في عدد من الأقاليم أسهما في إنتاج بيئة خصبة للكراهية والانقسام، وشددت على أهمية توثيق الانتهاكات والاعتراف العلني بالظلم التاريخي كخطوة أساسية، وقالت إن خطاب الكراهية لم ينشأ بصورة عفوية، بل تم إنتاجه وتغذيته سياسياً عبر سنوات طويلة بهدف تقسيم المجتمع وإضعاف تماسكه، مشيراً إلى أن الأنظمة القمعية استخدمت الكراهية كأداة للتعبئة والتجنيد وضمان البقاء في السلطة
بدوره، شدد الاستاذ أسامة خلف الله :على أن معالجة الأزمة تتطلب الاعتراف أولاً بوجود ظلم تاريخي وتفاوتات بنيوية في إدارة الدولة السودانية، موضحاً أن غياب العدالة في توزيع الموارد والخدمات والتمثيل السياسي ساهم بصورة مباشرة في إنتاج مشاعر الغبن والإقصاء.

وقال أن الحرب الحالية في السودان كشفت بصورة أكثر وضوحاً هشاشة النسيج الاجتماعي، حيث تحولت بعض المنصات الإعلامية والرقمية إلى ساحات مفتوحة للتحريض العرقي والجهوي، الأمر الذي فاقم الانقسامات وعمّق حالة الاستقطاب داخل المجتمع، وأوضح أن اختلال توزيع السلطة والثروة والتعليم ساهم في تكريس الانقسامات الاجتماعية والجهوية. وأكد ضرورة تطوير مناهج تعليمية وبرامج تدريبية تعزز قيم العدالة والمساواة والتنوع.

قوانين رادعة:
وفي السياق ذاته، شددت الأستاذة ميساء الطيب الأسيد على أهمية دور الإعلام والثقافة والفنون في مواجهة العنصرية، داعية إلى إطلاق خطة إعلامية شاملة لمكافحة خطاب الكراهية، تشمل التنسيق مع الصحفيين والفنانين والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. كما دعت إلى سن تشريعات رادعة ووضع مدونة سلوك إعلامية تمنع التحريض والتمييز، خاصة في المنصات الرقمية والإذاعات، ولخصت الأسيد البيان المشترك لمخاطبة الجذور البنيوية للعنصرية وخطاب الكراهية، وقالت: أن مواجهتنا للعنصرية و قبح خطابها ينطلق من تمسكنا بشعارات ثورة ديسمبر وتضحيات شهدائنا وهم يستشهدون علي التروس و صدي الهتافات التي تندّد برأس النظام العنصري المغرور وتنادي بالوحدة بين كل مكونات البلاد.

وشهد المؤتمر نقاشات موسعة حول ما إذا كانت الكراهية سلوكاً فطرياً أم مكتسباً، حيث رأى عدد من المتحدثين أن العنصرية تُنتج اجتماعياً عبر التربية والخطاب الثقافي والمناهج التعليمية، ومن خلال بعض الممارسات اليومية والمضامين التعليمية التي تعيد إنتاج التمييز بصورة غير مباشرة.

كما تناول المشاركون دور الأنظمة السياسية في توظيف الانقسامات القبلية والعرقية للحفاظ على السلطة، محذرين من أن استمرار الحرب الحالية يفاقم الاستقطاب الاجتماعي ويزيد من انتشار خطاب الكراهية، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وتطرقت النقاشات كذلك إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية للعنصرية، حيث أكدت الدكتورة غادة كدوودة أهمية برامج الدعم النفسي والأنشطة الجماعية التي تساعد على تعزيز قيم التعايش والتسامح، كما دعا المشاركون إلى استمرار الندوات والفعاليات العامة للحفاظ على زخم الحملة، وتوثيق الشهادات والتجارب المرتبطة بخطاب الكراهية والعنصرية تمهيداً لجهود العدالة والمصالحة المستقبلية.

كما تناولت النقاشات تأثير الإقليمية والقبلية في تأجيج الصراعات، خاصة في مناطق النزاعات مثل دارفور، حيث يتم توظيف الانتماءات العرقية والجهوية في الصراع السياسي والاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تحويل الخلافات المحلية إلى نزاعات واسعة النطاق ذات أبعاد اجتماعية خطيرة.

ولفت المشاركون إلى أن بعض العوامل البيئية، مثل التصحر وتراجع الموارد الطبيعية في غرب السودان، ساهمت أيضاً في تصاعد التنافس الأهلي والنزاعات القبلية، ما وفر بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية.

الإعلام أداة للتحريض:
واحدة من أبرز القضايا التي ركزت عليها الحملة تمثلت في الدور المتزايد لوسائل الإعلام والمنصات الرقمية في نشر خطاب الكراهية، خاصة خلال سنوات الحرب، لاسيما وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة مفتوحة لتداول المحتوى العنصري والتحريضي، في ظل غياب ضوابط مهنية ومدونات سلوك رادعة، إضافة إلى الدور الذي تلعبه خوارزميات المنصات الرقمية في تسريع انتشار المحتوى المثير للانقسام والاستقطاب.

وأشار المتحدثون إلى أن بعض المؤسسات الإعلامية والقوى السياسية ساهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تأجيج الكراهية عبر الخطاب التعبوي، مطالبين بضرورة تطوير مواثيق شرف إعلامية وتشريعات تضمن عدم استخدام المنابر الإعلامية للتحريض ضد المكونات الاجتماعية المختلفة، وشددت الحملة على أهمية توظيف الإعلام والفنون والمنصات الثقافية بصورة إيجابية لنشر قيم التنوع والتسامح والتعايش المشترك، بدلاً من استخدامها كأدوات لإعادة إنتاج الصور النمطية والانقسامات الاجتماعية، وطرحت الحملة رؤية متعددة الأبعاد لمواجهة العنصرية وخطاب الكراهية، تبدأ بإصلاحات قانونية وتشريعية تجرّم التحريض والتمييز، وتمتد إلى إصلاح المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية.

الدعم النفسي:
وأكد المشاركون ضرورة مراجعة القوانين الحالية وإدخال تعديلات قانونية فعالة تضمن حماية جميع المواطنين دون تمييز، إلى جانب محاسبة الجهات والمؤسسات التي تروج للكراهية والعنف الرمزي، وفي الجانب التعليمي، شدد المتحدثون على ضرورة إدماج قيم المواطنة والتنوع والتسامح داخل المناهج الدراسية، مع تدريب المعلمين على نشر ثقافة احترام الاختلاف والتعدد الثقافي والديني والإثني، كما اقترحت الحملة إطلاق برامج مجتمعية للحوار والتأمل الذاتي حول تجارب العنصرية والتمييز، بهدف خلق مساحة للاعتراف المتبادل وبناء الثقة بين المجتمعات المتأثرة بالحرب والصراعات.

ولم تغفل الحملة الآثار النفسية العميقة التي خلّفتها الحرب وخطابات التحريض، حيث دعت إلى توفير الدعم النفسي والاجتماعي لضحايا العنصرية وخطاب الكراهية، خاصة في مناطق النزاع والنزوح، وشددوا على أهمية الحوار المجتمعي كوسيلة لتضميد الجراح وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية، وقالوا أن أي عملية سلام حقيقية لا يمكن أن تنجح دون معالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب والانقسام ، وحددت الحملة الوطنية عدداً من المهام التنفيذية للمضي قدماً في مشروعها، شملت الإشراف على برامج التوعية والتدريب المهني وتوثيق تجارب الظلم التاريخي، إلى جانب إعداد خطة إعلامية متكاملة، وتطوير مواد تعليمية متخصصة، وتنظيم ورش قانونية للمحامين والناشطين والصحفيين. كما تعهدت لجنة الحملة بتوسيع دائرة المشاركة الوطنية، وإطلاق أنشطة ميدانية في مختلف المناطق، وتقديم تحديثات دورية للرأي العام حول سير العمل والتحديات التي تواجه المبادرة.

وخرج المؤتمر بعدد من المقترحات العملية، أبرزها توسيع الحملة لتشمل مختلف القوى المجتمعية، وإصلاح التشريعات المتعلقة بخطاب الكراهية، والعمل على إدماج مفاهيم مناهضة العنصرية والتنوع في المناهج الدراسية، إضافة إلى استخدام الفن والتكنولوجيا والمنصات الرقمية في نشر الوعي وتعزيز ثقافة السلام.

واختتم المؤتمر بدعوة مفتوحة إلى القوى السياسية والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني لتحمل مسؤولياتها في مواجهة خطاب الكراهية، والتأسيس لمشروع وطني يعيد بناء الثقة بين السودانيين، ويضع أسس دولة قائمة على المساواة والكرامة الإنسانية والتنوع الثقافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *