الأربعاء, أبريل 8, 2026
تقاريرسياسة

أجساد تحت الحصار.. الاغتصاب سلاح الحرب ضد النساء في السودان (4-4)

تقرير: حسين سعد

في الحروب، والنزاعات غالباً ما تُقاس المآسي بعدد القتلى والجرحى، وبالمدن التي تحولت إلى أنقاض، لكن في السودان، ثمة مأساة أخرى تجري بعيداً عن عدسات الكاميرات: أجساد النساء والفتيات التي تحولت إلى ساحة صامتة من ساحات الحرب. فبين مخيمات النزوح والقرى المدمرة والمدن التي انهارت فيها مؤسسات الدولة، تتكرر جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي في ظروف تكشف عن هشاشة الحماية وانهيار منظومة العدالة، من الدبة في شمال السودان إلى سنار في جنوبه الشرقي، مروراً بولايات دارفور والجزيرة، تتقاطع شهادات الضحايا وتقارير الحقوقيين لتكشف نمطاً مقلقاً من الانتهاكات التي تستهدف النساء والفتيات، خاصة النازحات اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة العنف دون حماية كافية أو سبل واضحة للإنصاف. وفي ظل هذا الواقع، تواجه كثير من الأسر ضغوطاً لإسكات القضايا أو تسويتها خارج إطار العدالة، بينما تستمر معاناة الناجيات نفسياً واجتماعياً في غياب الدعم الكافي، وتكشف هذه المعطيات أن بعض هذه الجرائم – في حال ثبوت طابعها الواسع أو الممنهج – قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي، إن توثيق هذه الجرائم لا يهدف فقط إلى كشف حجم المأساة التي تعيشها النساء والفتيات في السودان، بل إلى طرح سؤال جوهري حول مستقبل العدالة في بلد مزقته الحرب: كيف يمكن لمجتمع أن يبني سلاماً حقيقياً بينما تبقى أجساد نسائه بلا حماية، وتظل جرائم العنف الجنسي بلا مساءلة؟.

جريمة ضد الإنسانية:

وفي المقابل كتبت المحامية شمياء تاج السر مقال بعنوان (اغتصاب النازحات: جريمة ضد الإنسانية في ظل انهيار العدالة السودانية) نشر في صحيفة ديسمبر قالت فيه : في ظل ظروف الحرب والنزوح التي يعيشها السودان منذ سنوات، تتصاعد وتيرة الجرائم الجنسية بحق النساء والفتيات بشكل مروِّع، حيث تُستغل هشاشة وضع النازحات وانهيار النظام القضائي لارتكاب انتهاكات صارخة يمكن تكييفها كجرائم ضد الإنسانية. حادثتا اغتصاب طفلة بالدبة وفتاة بسنار ليستا سوى مثالين على ظاهرة ممنهجة تتطلب تحركاً عاجلاً على المستويين الوطني والدولي، وقالت شيماء ان الأمر الذي يستحق الإدانة فعلاً هو تعامل السلطات المختصة مع القضية بتباطؤ وتسويف غير مبررَين، رغم قيام والدة الضحيتين بفتح بلاغ فوري. هذا التلكؤ يشكل إخلالاً جسيماً بواجبات أجهزة العدالة ويكرس لسياسات الإفلات من العقاب التي ساهمت في تفاقم العنف الجنسي خلال فترة النزاع، وتناولت المحامية شيماء الإطار القانوني: بين النصوص الوطنية والالتزامات الدولية، وقالت ان قانون الطفل السوداني لسنة 2010: يعتبر أحد أهم التشريعات الوطنية التي توفر حماية خاصة للأطفال، المادة 3 منه تحظر كافة أشكال العنف ضد الطفل، بينما تحدد المادة 49 عقوبات مشددة لكل من يعتدي على الطفل جنسياً. الجرائم الواردة في تقريرنا تشكل انتهاكاً صارخاً لهذا القانون الذي يفترض أن يوفر الحماية الكاملة للأطفال في كل الظروف.

القانون الجنائي السوداني لسنة 1991: ينص على عقوبات مشددة لجريمة الاغتصاب، خاصة عندما ترتكب بحق قاصر. المادة 149 تُجرم الاغتصاب وتعاقب عليه بالإعدام، أو السجن مدى الحياة إذا كان المصاب قاصراً أو إذا تعدَّد الجناة. وقد انطبق تعدد الجناة في حالة ضحية سنار. كما أن المادة 158 تعاقب على خطف الأشخاص، وهذه التهمة تنطبق بوضوح على حادثة الدبة حيث تم اختطاف الطفلات، وتناولت
الالتزامات الدولية ، لاسيما اتفاقية حقوق الطفل (1989):التي صادق السودان عليها في 1990، وتلزم الدول الأطراف بحماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال الجنسي والاعتداء الجنسي (المادة 34). كما تطلب اتخاذ جميع التدابير الملائمة لتأهيل الأطفال الضحايا (المادة 39).

الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل (1990): صادق السودان عليه في 2005، وينص في المادة 27 منه على التزام الدول بحماية الطفل من جميع أشكال الاعتداء الجنسي
اتفاقيات جنيف الأربع (1949) وبروتوكولاتها الإضافية: يحظر القانون الدولي الإنساني العنف الجنسي في النزاعات المسلحة، ويعتبر الاغتصاب جريمة حرب بموجب المادة 27 من الاتفاقية الرابعة، والمادة 76 من البروتوكول الإضافي الأول.

الجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، الذي يشكل جزءاً من العرف الدولي، يعتبر الاغتصاب جريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين (المادة 7). الوضع في السودان، حيث تتكرر جرائم الاغتصاب ضد النازحات في ولايات متباعدة، يشير إلى نمط منهجي يمكن أن يرقى إلى هذا المستوى من الجرائم، ومضت المحامية شيماء بالقول الي ان السودان يشهد حالياً انهياراً شبه كامل للنظام القضائي والعدلي نتيجة للحرب والفوضى السائدة، هذا الإنهيار يتجلى في عدة جوانب: وهي
1-غياب الحماية للضحايا: النازحات يعشن في ظروف بالغة الهشاشة، بدون مأوى آمن أو حماية قانونية، مما يجعلهن هدفاً سهلاً للمعتدين
2-تسييس القضاء واستقلاليته المشوهة: أصبح النظام القضائي في كثير من المناطق أداة في يد القوى المسلحة، مما يقوِّض نزاهته واستقلاليته
3-ضعف القدرات التحقيقية: انهيار البنية التحتية والفساد المستشري أديا إلى عجز أجهزة التحقيق عن القيام بواجباتها بشكل فعال
4-التلاعب في الإجراءات: كما ظهر في قضية سنار، هناك محاولات منهجية لتخفيف التهم أو تحويلها من جرائم جسيمة إلى أخرى أقل خطورة

جريمة تهدد امن الإنسان:

ويقول المحامي عبد الباسط الحاج في حديثه مع صحيفة مدنية نيوز : ان العنف الجنسي فعل مجرم بطبيعته كجريمة مباشرة تهدد أمن و كرامة الانسان ولما لها من آثار نفسية عميقة تصيب الضحية، خاصة اذا كانت الضحية من النساء و الفتيات بما انهن أكثر الفئات تعرضا لهذا النوع من العنف، وعندما يقع هذا العنف في سياق نزاع مسلح فقد يحمل تصنيفين، فيمكن ان تكون جريمة حرب اذا وقع ضد المدنيين بشكل عشوائي حيث لم يميز الطرف المهاجم مابينهم وبين المقاتلين من الطرف الاخر وانما قام بشكل متعمد بالتهجم عليهم و ممارسة جريمة الاغتصاب اذا كانت لوحدها او ضمن جرائم اخري فإنها تعتبر جريمة حرب، اما اذا كان الهجوم واسع النطاق في مناطق مختلفة ،وممنهج في ذات الوقت وثبت ان ممارسة العنف الجنسي سياسة متبعة من الجماعة المقاتلة المحددة فإننا امام جريمة ضد الانسانية، كلى الجريمتين جرائم دولية خطيرة، في حالة ان الجريمة وقعت دون ان تتوفر هذه الاركان فهي جريمة منفصلة يحاسب جنائيا الشخص المرتكب لهذه الجريمة، ورداً علي سؤال منهجية العنف الجنسي، أجاب بنعم وقال ان العنف الجنسي الذي وقع في السودان ضد النساء والفتيات كان يتخذ صورة ممنهجة واسعة النطاق ، والنموذج لذلك هجمات قوات الدعم السريع علي قري ولاية الجزيرة حيث انها استخدمت الاغتصاب سلاح ضد النساء والفتيات وكذلك يتم بشكل مستمر التهجم علي المدنيين دون ضرورة عسكرية و في خضم الهجوم عليهم تقوم تلك المجموعات بارتكاب جرائم العنف الجنسي مما تشكل جريمة حرب، وأوضح الحاج إن المحكمة الجنائية الدولية إعتمدت في نظام روما الاساسي علي المخالفات التي تقع علي قواعد الحرب في القانون الدولي الانسان و صنفتها كجريمة حرب وفق نصوص المادة الثامنة من النظام الاساسي طالما ارتكبت هذه الجرائم في اطار خطة واسعة النطاق وسياسة ممنهجة تتخذها القوات المهاجمة، وأضاف المحامي عبد الباسط : نعم هناك بعض الفظائع التي وقعت في السودان يمكن ان ترتقي الي جريمة ابادة جماعية مثل الاستهداف الذي تم ضد مجموعة المساليت في غرب دارفور في العام 2023م، ايضا وفقا لتقارير الامم المتحدة و اللجنة المستقلة فان هناك ايضا جريمة ترتقي للابادة الجماعة وقعت في الفاشر في اكتوبر 2025 ضد مجموعات محددة ، لاسيما التي يتم استهدافها بشكل مستمر من قوات الدعم السريع و القوات المتحالفة معها.

وقال الحاج إن القادة العكسرية مسؤولين مسؤولية كبيرة عن الانتهاكات التي تقع في نطاق قيادتهم للجنود حيث تتسلسل هذه المسؤولية من المسؤولية الفردية للجاني الي مسؤولية القادة اذا ثبت ان القادة علي علم بما تم ولم يوقفوا الانتهاكات التي تقوم بها قواتهم ولم يقوموا بحماية المدنيين بكل تعمدوا خرق القوانين و القواعد، وقال إن العنف الجنسي الواقع علي النساء في دارفور ارتكب بشكل واسع و ممنهج في الحرب السابقة حيث كانت تقوم قوات الدعم السريع بالتعاون مع القوات المسلحة السودانية بالهجوم علي القري و حرقها ، وإغتصاب النساء في عدد من المناطق منها منطقة وادي صالح التي دارت محاكمة المتهم علي كوشيب حولها حيث ثبت بالأدلة و شهادات الشهود ان الجنجويد كانوا يرتكبون بشكل متعمد وممنهج جريمة العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، وكانت ترتكب بدوافع عديدة منها الاذلال و الاهانة و كسر الضحية و تمزيق شرفها لإلباسها ثوب العار طوال عمرها. ومنها ايضا دوافع عنصرية.

وأضاف : علي حد علمي فإن لجان التحقيقات الخاصة بالامم المتحدة قد استمعت لعدد مقدر من الضحايا خارج السودان وداخل السودان وقد كانت شهادات شهود وضحايا مباشرين وقعت عليهم انتهاكات لانتماءاتهم الاثنية او العرقية، هذه التقارير توضح للمجتمع الدولي طبيعة الانتهاكات التي وقعت علي المدنيين بدوافع التنكيل و التهجير و الارهاب، وبكل تأكيد العنف الجنسي الذي وقع في سياق الحرب الحالية في السودان جزء من سياسة اتخذتها قوات الدعم السريع للتغيير الديموغرافي في دارفور و سيطرة الدعم السريع علي اماكن الموارد و كل اقليم دارفور، كما ان هنالك اهداف اخري مرتبطة بالاذلال و التنكيل وارهاب الناس للهرب او البقاء تحت تأثير الخوف المستمر من هؤلاء المجرمين.

وقال إن وجه الشبه ان الانتهاكات الوقعت في الحرب الحالية تكررت لان في المرة الاولي لم تتم محاسبة المجرمين، ومن جانب اخر فإن في المرتين هذه وقعت الانتهاكات بدوافع عنصرية واخري جهوية و استيطانية خاصة في دارفور، ساهم ذلك في تيقن الجناة ان لا احد يستطيع محاسبتهم لان المرة الاولي كان الجناة محميين بالدولة و مؤسساتها والمرة الثانية ساهم غياب مؤسسات الدولية في اقليم دارفور تحديدا وكردفان الي مزيد من التيقن وسط الجناة انهم فوق القانون بما انهم قد تمرد علي الدولة التي صنعتهم.

وأوضح الحاج إن دور مذكرات التوقيف وأولامر القبض يرتبط بدور المحكمة الجنائية الدولية في التعامل مع الجرائم الدولية التي تدخل في نطاق اختصاصها في حالة الدول التي لا ترغب او لا تستطيع التعامل مع هذه الجرائم، كما انها تساعد الانظمة الوطنية في ترسيخ السوابق القضائية التي تساعد الدول في التعامل مع الجرائم علي شاكلة الجرائم الدولية. كما ان هذه الجرائم تمس السلم والامن الدوليين، وقال المستشار عبد الباسط الحاج إن العنف الذي وقع في وقت سابق ولازال مرتبط بالعنف الهيكلي الذي ظلت تقوم الدولة السودان عبر مؤسساتها، واوضح إن الانتهاكات التي وقعت في مدن مثل نيالا و الفاشر مختلفة وتتفاوت، حيث إن ما وقع من إنتهاكات في نيالا تمظهر في شكل الاعتداء علي مؤسسات المدنية و تدميرها بشكل متعمد ونهبها كما هناك حالات موثقة للاعتداء علي المدنيين بشكل متعمد واجبارهم علي الخروج من منازلهم و حالات نهب لمنازل المدنيين. ولكن ما حدث في الفاشر هو افظع من ذلك حيث تجاوز ما حصل في المدن الاخري بدأ بالحصار الخانق الذي تجاوز العام والنصف ومن ثم الاعدامات الممنهجة ضد المجموعات غير العربية و القتل لكل من حاول الهرب من المدينة، بالاضافة الي الاعتقالات الممنهجة، والقتل الجماعي الذي يرتقي لجريمة الابادة الجماعية بحسب التوثيقات التي تمت و بحسب افادات شهود و ناجيين وضحايا و تقاير دولية مستقلة.

الخاتمة من المحرر:

ما يحدث للنساء والفتيات في السودان اليوم يتجاوز الانتهاكات الفردية إلى مستوى الاستهداف المنهجي للجسد كأداة حرب، فالاغتصاب هنا، وسيلة إذلال، وأداة تفكيك اجتماعي، وسلاح لإعادة تشكيل السلطة عبر الخوف، ولا يمكن الحديث عن سلام مستدام دون، الاعتراف بهذه الجرائم، وتوثيقها، ومحاسبة مرتكبيها، فالعدالة ليست مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرط أساسي لمنع تكرار المأساة، لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى تدخل عاجل من المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، والجهات الدولية، وذلك من أجل وقف هذه الجرائم، ودعم علاج الناجيات، وفير التأهيل النفسي والاجتماعي، وتمكينهن من استعادة حياتهن، كما تتجدد الدعوة إلى إنهاء الحرب التي لم تكتف بإزهاق الأرواح، بل امتدت لتطال الكرامة الإنسانية ذاتها، وتعيد إنتاج الألم جيلاً بعد جيل، وحال حرمان الناجيات من العلاج، ويُغلق في وجوههن باب الرعاية الصحية، ويتحول الخوف والوصمة إلى عائق أمام طلب المساعدة، تصبح النجاة نفسها معركة يومية. ومع غياب المساءلة، تتسع دائرة الإفلات من العقاب، ويتكرّس الصمت بوصفه شريكاً غير مرئي في استمرار الانتهاكات.
إن حجم ما تتعرض له النساء والفتيات — بل وحتى الأطفال — يتجاوز حدود المأساة الفردية، ليصبح قضية مجتمع بأكمله، واختباراً حقيقياً لضمير العالم. فهذه الجرائم لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها آثاراً جانبية للحرب، بل باعتبارها اعتداءات ممنهجة تتطلب استجابة عاجلة وشاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *