الحرب على النساء.. سلاح الاغتصاب (3-4)
تقرير: حسين سعد
أصبح الاغتصاب أحد أكثر وجوه حرب السودان قسوةً ووضوحًا، من دارفور إلى الجزيرة وصولًا إلى كردفان، تتكرر الشهادات التي تكشف كيف تُستخدم أجساد النساء والفتيات كسلاح لإذلال المجتمعات وكسر إرادتها، في القرى المحروقة، وعلى طرق النزوح، وحتى داخل البيوت، يتحول الخوف إلى واقع يومي، وتصبح النجاة نفسها رحلة محفوفة بانتهاكات لا تُحتمل.
هذه الجرائم لا تُرتكب فقط لإيذاء الضحايا، بل لبث الرعب، وفرض السيطرة، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وبينما تظل كثير من الناجيات حبيسات الصمت تحت وطأة الوصمة والخوف، تتسع دائرة الألم في ظل غياب الحماية والمساءلة. ما يجري ليس مجرد انتهاكات فردية، بل نمط متكرر يكشف عن استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، في صراع يدفع ثمنه الأشد ضعفًا: النساء والفتيات.
وتحوّلت أجساد النساء والفتيات إلى ساحات مفتوحة للعنف، حيث يُستخدم الاغتصاب والانتهاكات الجنسية كأدوات للترهيب والإخضاع وتمزيق النسيج الاجتماعي، لم يعد الخطر مقتصرًا على خطوط القتال، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: أثناء جمع الحطب، أو في الحقول، أو حتى خلال رحلة النزوح بحثًا عن الأمان. وفي ظل غياب الحماية وتفشي الإفلات من العقاب، تتوارى هذه الجرائم خلف جدار من الصمت والخوف، لتكشف عن وجه آخر للحرب، أكثر قسوة وأشد إيلامًا.
وفي هذا السياق كشفت منظمة أطباء بلا حدود عن تسجيل أكثر من 3396 ناجيًا من العنف الجنسي بين يناير 2024 ونوفمبر 2025، تلقوا الرعاية في المرافق الصحية التي تدعمها المنظمة في شمال وجنوب دارفور، 97% منهم من النساء والفتيات.
وأوضحت المنظمة في تقريرها الصادر بعنوان: (هناك شيء أريد أن أخبرك به… النجاة من أزمة العنف الجنسي في دارفور)، أن غالبية الجناة مسلحون (غير مدنيين)، حيث أفاد أكثر من 95% من الناجين في شمال دارفور بتعرضهم للاعتداء من قبل أشخاص مسلحين، بينما بلغت النسبة 68% في جنوب دارفور. كما أشار الناجون في جنوب دارفور إلى جناة آخرين، من بينهم مدنيون (24%)، وشركاء حميمون أو أفراد من الأسرة (15.3%)، وجماعات إجرامية. (2.5%)
وكشف التقرير عن تجارب مروعة للناجيات، مسلطًا الضوء على حجم الانتهاكات التي تشمل الاغتصاب والاستغلال والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وأشار إلى أن الاعتداءات غالبًا ما تُرتكب من قبل عدة جناة، حيث تعرض 1395 ناجيًا (59.8%) في جنوب دارفور لاعتداء من أكثر من شخص خلال الهجوم نفسه، فيما شكّل الأطفال نسبة كبيرة من الضحايا.
وتشير البيانات إلى نقص حاد في الدعم الصحي والنفسي، إضافة إلى وصمة اجتماعية تمنع العديد من الناجيات من التبليغ أو طلب المساعدة، ففي جنوب دارفور، كان 20% من الناجين دون سن 18 عامًا، بينهم 41 طفلًا دون الخامسة، بينما بلغت نسبة القُصّر في شمال دارفور (محلية طويلة) 27% خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2025.
إعتداء بالزراعة:
ووقعت العديد من الهجمات أثناء الأنشطة اليومية، حيث تعرض 522 ناجيًا (22%) للاعتداء أثناء جمع الحطب أو الماء أو البحث عن الطعام، فيما تعرض 803 ناجين (34%) للاعتداء أثناء العمل في الحقول أو أثناء التوجه إلى الأراضي الزراعية
وتروي إحدى الناجيات تعرضها للاعتداء أثناء جمع الحطب خارج المعسكر، مشيرة إلى أن غياب الحماية الأمنية في تلك المناطق سهّل وقوع الجريمة، كما أشار التقرير إلى أن العنف الجنسي يتصاعد أثناء النزوح، حيث تعرض أكثر من 90% من الناجين في شمال دارفور للاعتداء أثناء تنقلهم بين الفاشر وزمزم وأبو شوك في طريقهم نحو الأمان. كما دعمت المنظمة 30 ناجيًا في طويلة خلال أسبوعين فقط عقب سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025.
وتحكي إحدى الناجيات أنها تعرضت للاعتداء أثناء فرارها بعد هجوم مسلح، حيث فُصلت عن أسرتها وتعرضت لانتهاكات متكررة في منطقة نائية، وسط شعور بالعجز والخوف التام.
وتؤكد الشهادات أن الخوف من الوصمة والانتقام يدفع كثيرًا من الناجيات إلى الصمت، مما يؤدي إلى نقص توثيق هذه الجرائم. كما تعاني الخدمات الصحية من نقص حاد في الموارد، فيما يكاد الدعم النفسي يكون غائبًا.
سمة متفشية:
قالت فيكي هوكينز، المديرة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود في هولندا، إن العنف الجنسي أصبح سمة متفشية للصراع، ويستمر حتى خارج مناطق القتال. وأضافت أن هذه الحرب خيضت إلى حد كبير على حساب النساء والفتيات، في ظل النزوح وانهيار شبكات الحماية وعدم المساواة الجندرية.
وأكدت أن التقرير يمثل لمحة فقط عن حجم الانتهاكات، مشيرة إلى أن جميع أطراف النزاع متورطة في هذه الجرائم، التي تعود جذورها إلى عقود من الصراع والإفلات من العقاب. كما اعتُبر سقوط الفاشر في أكتوبر 2025 من أكثر الفصول دموية، حيث كشفت الشهادات عن انتهاكات مروعة
وأوضح التقرير أن الناجين غالبًا ما يُتركون لمواجهة صدماتهم في عزلة، دون حماية أو مساءلة حقيقية. وتحدثت الشهادات عن استخدام العنف الجنسي أحيانًا على أسس عرقية كعقاب جماعي، ضمن نمط أوسع من الانتهاكات ضد المدنيين.
ورغم تراجع حدة القتال في بعض المناطق، يستمر العنف الجنسي كواقع يومي في الطرق والأسواق والمنازل ومناطق النزوح، في بيئة يغذيها غياب العدالة وترسخ عدم المساواة، ويشير التقرير إلى أن العنف الجنسي ليس حوادث فردية، بل أداة تُستخدم لترهيب المجتمعات وإخضاعها. كما تتعرض الفتيات القاصرات لانتهاكات تترك آثارًا طويلة الأمد على حياتهن النفسية والاجتماعية والتعليمية.
وتواجه الناجيات صعوبات كبيرة في الوصول إلى العدالة بسبب ضعف المؤسسات القانونية والخوف من الانتقام. كما يبرز الزواج القسري المبكر كأحد التداعيات، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتهن كوسيلة حماية، ودعا التقرير إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز الحماية، وضمان الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتحسين آليات الإبلاغ، ومحاسبة الجناة. كما شدد على ضرورة تمويل برامج الدعم الصحي والنفسي، وتعزيز دور المنظمات المحلية، ومكافحة الوصمة الاجتماعية، وأكد على أهمية استجابة إنسانية شاملة تراعي احتياجات النساء والفتيات، وتوفر بيئة آمنة تحفظ كرامتهن.
نماذج للاغتصاب:
وفي سياق ذي صلة شهدت محلية الدبة جريمة مروعة هزّت الضمير الإنساني، حين تم استدراج طفلتين أثناء عودتهما من مكان عمل والدتهما النازحة، أعقب ذلك اختطافهما، وتعرض الطفلة الكبرى (15 عامًا) لاغتصاب جماعي، لم تتوقف الجريمة عند حدود الاعتداء الجنسي، بل امتدت إلى الابتزاز المالي، حيث طالب الجناة بفدية مالية كبيرة مقابل إطلاق سراح الطفلتين، وبرغم الظروف القهرية التي تعيشها الأسرة بسبب النزوح، اضطرت لدفع المبلغ المطلوب لاستعادة ابنتيها، تعكس هذه الواقعة نمطًا مركبًا من الانتهاكات: اغتصاب، اختطاف، وابتزاز، في سياق هشاشة إنسانية وأمنية تفتقر لأبسط مقومات الحماية.
ومن جهته نشرت تقارير صحيفة شهادات قانونية عن اتهامات وصفتها بالخطيرة باغتصاب جماعي لفتاة قاصر تبلغ من العمر 17 عامًا في مدينة سنار جنوب شرقي السودان، وسط مزاعم بتورط أشخاص ذوي صلة بمؤسسات رسمية، ومحاولات للتأثير على مجريات التحقيق وإعادة توصيف الجريمة قانونيًا، وقعت الحادثة داخل أحد المنازل في المدينة، حيث تعرضت الضحية لاعتداء جماعي، قبل إحالتها إلى الفحص الطبي، الذي أكد- وفق ذات التقارير وقوع اعتداء جنسي، مع الإشارة إلى أن الضحية كانت قاصرًا وقت الحادث، وقالت التقارير الصحفية أن من بين المتهمين موظفين مدنيين وأفرادًا يُعتقد أن لهم صلات في أجهزة نظامية، وأضافت إن بعض المشتبه بهم استغلوا نفوذهم لمحاولة التأثير على مسار القضية، بما في ذلك السعي إلى تغيير توصيفها من اغتصاب إلى «زنا»، وهو ما من شأنه تخفيف العقوبة وفق القانون الجنائي السوداني.
وأضافت المصادر أن محاولات جرت بعد وقوع الجريمة للضغط على أسرة الضحية، شملت السعي لانتزاع التقرير الطبي، إضافة إلى عروض تسوية مالية كبيرة، أكدت الأسرة أنها رفضتها، متمسكة بمواصلة الإجراءات القانونية، وفي تطور أثار انتقادات واسعة، أصدرت المحكمة المختصة حكمًا بالسجن ثلاث سنوات والجلد 100 جلدة، وهو ما اعتبره محامون وخبراء قانونيون «غير متناسب مع خطورة الجريمة»، مشيرين إلى أن مواد القانون الجنائي السوداني تنص على عقوبات أشد في قضايا الاغتصاب، لا سيما عندما تكون الضحية قاصرًا ويقع الفعل بصورة جماعية. (يتبع)

