واشنطن تعيد كتابة جغرافيا النفوذ في القرن الإفريقي؟
كتب: حسين سعد
تشير التطورات الأخيرة في القرن الأفريقي إلى تحولات لافتة في مقاربة الولايات المتحدة تجاه إثيوبيا، في سياق يبدو أبعد من مجرد إعادة تطبيع العلاقات الثنائية، ليقترب من إعادة تشكيل هندسة النفوذ الإقليمي في شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
وبحسب ما أوردته صحيفة إندبندنت عربية، فقد أعادت واشنطن مؤخراً فتح مسار التعاون الدفاعي والأمني مع إثيوبيا عبر توقيع “إطار الحوار الثنائي المنظم” بين البلدين في واشنطن خلال مايو 2026، وهو اتفاق شمل ملفات الدفاع والأمن والاستثمار والاستقرار الإقليمي، بعد سنوات من الفتور الذي أعقب حرب تيغراي.
كما رافق ذلك إنهاء القيود الأمريكية السابقة على صادرات السلاح إلى إثيوبيا، والانتقال إلى مراجعة الطلبات العسكرية الإثيوبية على أساس كل حالة على حدة، بما يعكس تحولاً تدريجياً في السياسة الأمريكية تجاه أديس أبابا.
وتشير تقارير صحفية إلى أن الاتفاق الإطاري تطرق إلى ملفات شديدة الحساسية، من بينها سد النهضة، الحرب في السودان، أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح الوطنية للدول مع حسابات الأمن الدولي وممرات التجارة العالمية.
إثيوبيا في الحسابات الأمريكية
ويأتي هذا التحول في سياق مراجعة أمريكية أوسع لدور إثيوبيا، بعد سنوات من التوتر الذي أعقب حرب تيغراي (2020–2022)، حيث فرضت واشنطن حينها قيوداً على التعاون العسكري بسبب اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان.
غير أن التطورات الحالية تعكس تغيراً واضحاً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، التي باتت تنظر إلى إثيوبيا بوصفها دولة محورية في القرن الأفريقي، لعدة اعتبارات:
موقعها الجغرافي في قلب شرق أفريقيا.
تأثيرها المباشر على ملفات نهر النيل وسد النهضة.
احتضانها لمقر الاتحاد الأفريقي.
دورها المحتمل في منظومة أمن البحر الأحمر وباب المندب.
وبناءً على ذلك، فإن إعادة الانفتاح الأمريكي على أديس أبابا لا يبدو مجرد خطوة تكتيكية، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة بناء شبكة النفوذ والحلفاء في منطقة تتزايد فيها المنافسة الدولية.
السودان… الغائب الحاضر في معادلة النفوذ
رغم أن السودان لا يظهر بشكل مباشر في نص الاتفاق، إلا أنه كان حاضراً بقوة في خلفية المشهد الجيوسياسي.
فبحسب تقارير من Sky News Arabia، فإن توقيت رفع القيود العسكرية الأمريكية عن إثيوبيا تزامن مع تصاعد التوتر السياسي بين بورتسودان وأديس أبابا، على خلفية اتهامات سودانية تتعلق باستخدام المجال الإثيوبي في أنشطة عسكرية مرتبطة بالحرب في السودان، وهي اتهامات لم تثبت دولياً.
ويحمل هذا التزامن دلالات سياسية مهمة، أبرزها أن واشنطن لا تبدو مستعدة لربط تحركاتها الإقليمية بالموقف الصادر من بورتسودان، في وقت ترى فيه أن استمرار الحرب في السودان أضعف قدرة الدولة السودانية على لعب دور إقليمي فاعل.
كما يبدو أن الإدارة الأمريكية باتت تميل إلى دعم الشركاء الأكثر استقراراً من حيث البنية المؤسسية، حتى وإن كانوا في مناطق توتر مزمن.
وبمعنى أكثر وضوحاً: كلما طال أمد الحرب في السودان، تعززت فرص انتقال مركز الثقل الإقليمي نحو إثيوبيا.
البحر الأحمر: مركز الثقل الجديد
في المقابل، يبرز ملف البحر الأحمر كبُعد حاكم في إعادة تشكيل العلاقات الأمريكية في المنطقة.
ففي ظل تصاعد التوترات في الممرات البحرية الدولية، بما في ذلك باب المندب، تتجه واشنطن نحو تعزيز منظومة أمنية إقليمية قادرة على حماية خطوط التجارة العالمية.
ورغم أن إثيوبيا دولة غير ساحلية، إلا أنها تواصل منذ سنوات السعي للحصول على منفذ بحري، سواء عبر إريتريا أو عبر ترتيبات إقليمية بديلة، ما يجعلها لاعباً غير مباشر في معادلة البحر الأحمر.
وهنا تتقاطع الحسابات الأمريكية مع الطموحات الإثيوبية، في إطار رؤية أمنية أوسع تتجاوز الحدود الوطنية للدول.
أما الإطار التاريخي للاهتمام الأمريكي بالقرن الأفريقي
فقد أشرت في كتابي (حلم الثورة وتحديات الانتقال)، أشرت إلى أن الاهتمام الأمريكي بالقرن الأفريقي شهد تحولاً استراتيجياً تدريجياً، انتقل من الحضور المحدود خلال الحرب الباردة إلى انخراط عسكري وأمني واسع بعد 11 سبتمبر 2001، عندما أعادت واشنطن تعريف المنطقة باعتبارها ساحة مركزية في مكافحة الإرهاب وحماية طرق التجارة والطاقة.
وفي عام 2002 أنشأت الولايات المتحدة قوة المهام المشتركة في القرن الأفريقي، ووسعت وجودها العسكري في جيبوتي عبر إنشائها لقاعدة عسكرية أمريكية في أفريقيا، وتشكل مركز انطلاق للعمليات في شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
ضمن هذا الإطار، برزت إثيوبيا كحليف محوري للولايات المتحدة في القرن الأفريقي، نظراً لموقعها الجيوسياسي ودورها في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وملفات البحر الأحمر وحوض النيل.
ومع تصاعد المنافسة الدولية، خصوصاً مع تنامي نفوذ الصين، عملت واشنطن على تعزيز حضورها السياسي والعسكري وبناء شراكات استراتيجية مع الدول المؤثرة، وفي مقدمتها إثيوبيا.
وفي ذات الكتاب (حلم الثورة وتحديات الانتقال ) شهدت
شهدت السياسة الأمريكية تجاه القرن الأفريقي تحولاً ملحوظاً مع وصول إدارة بايدن ، حيث أعادت واشنطن المنطقة إلى دائرة الاهتمام الاستراتيجي باعتبارها ساحة مؤثرة في الأمن الإقليمي والتنافس الدولي.
وفي نوفمبر 2021، قام انتوني بلينكن بأول جولة أفريقية شملت كينيا، وكان ملفا إثيوبيا والسودان في صدارة المحادثات، نظراً لأهميتهما الاستراتيجية في شرق أفريقيا.
في الملف الإثيوبي، ركزت واشنطن على متابعة تداعيات حرب تيغراي وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي، مع تكثيف التشاور مع الشركاء الإقليميين.
أما في السودان، فقد تحركت الولايات المتحدة عقب إنقلاب البرهان على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021، عبر تعليق مساعدات مالية بقيمة 700 مليون دولار، وإرسال مسؤولين أمريكيين إلى الخرطوم للضغط باتجاه استعادة المسار الانتقالي وعودة الحكم المدني.
وتكشف هذه التحركات أن واشنطن تنظر إلى إثيوبيا والسودان باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في استراتيجيتها في القرن الأفريقي، سواء لحماية مصالحها الأمنية أو لاحتواء النفوذ الدولي المتصاعد، خاصة من جانب الصين وروسيا. وتركيا وبعض دول الخليج.
في هذا السياق المعقد، يبرز الدور الإماراتي كأحد أكثر العناصر تأثيراً في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، عبر استراتيجية قائمة على إدارة وتشغيل الموانئ والممرات اللوجستية، بما يمنحها نفوذاً يتجاوز البعد الاقتصادي إلى التأثير الجيوسياسي المباشر.
هذا الحضور الإماراتي يتقاطع مع تنافس القوى الكبرى، ويضع أبوظبي في موقع “الفاعل الوسيط” بين المصالح الأمريكية والصينية والروسية، خاصة في بيئة تتشكل فيها التحالفات من خلال الموانئ لا الجيوش فقط.
لكن الأكثر حساسية أن هذا التمدد يتداخل مباشرة مع ما يمكن تسميته بـصراع الموانئ في القرن الأفريقي، وهو صراع يعيد رسم خريطة النفوذ البحري بين ثلاث نقاط ارتكاز رئيسية:
ميناء بربرة (أرض الصومال):
أصبح نقطة صعود استراتيجي بفضل الاستثمارات الإماراتية، وتحول إلى بوابة بديلة لإثيوبيا نحو البحر، ما يمنح أديس أبابا منفذاً غير تقليدي خارج الحسابات الكلاسيكية لدول الجوار.
ميناء بورتسودان (السودان):
يمثل الرئة البحرية الرئيسية للسودان، لكنه في ظل الحرب الجارية أصبح ساحة تنافس نفوذ دولي وإقليمي، تتقاطع فيه المصالح العسكرية والاقتصادية، وتزداد أهميته كمنفذ محتمل لإعادة تموضع روسيا وبعض الفاعلين الإقليميين.
ميناء جيبوتي (جيبوتي):
يبقى العقدة الأكثر حساسية في البحر الأحمر، حيث تتقاطع القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية والصينية، ما يجعله مركزاً دولياً لإدارة التوازنات لا مجرد ميناء تجاري.
وبين هذه الموانئ الثلاثة، يتشكل مثلث نفوذ جديد يعيد تعريف مفهوم السيطرة في البحر الأحمر، حيث لم تعد القوة تقاس بالوجود العسكري المباشر فقط، بل بالقدرة على التحكم في خطوط التجارة والممرات البحرية.
في هذا السياق، تصبح إثيوبيا لاعباً محورياً رغم عدم امتلاكها منفذاً بحرياً، بينما تتحول الموانئ نفسها إلى أدوات ضغط سياسية أكثر من كونها مرافق اقتصادية.
سد النهضة: من ملف تنموي إلى ورقة جيوسياسية.
من النقاط اللافتة أيضاً عودة ملف سد النهضة إلى واجهة الاهتمام الدولي، ولكن ليس فقط من زاويته الفنية أو التنموية.
فالتطورات الأخيرة تشير إلى أن السد تحول إلى ملف جيوسياسي مرتبط مباشرة بالأمن الإقليمي، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال عودة الوساطة الأمريكية بين إثيوبيا ومصر والسودان، ولكن من موقع أقرب إلى أديس أبابا مقارنة بالمراحل السابقة.
البعد العسكري والتحولات في ميزان القوة
إن رفع القيود العسكرية عن إثيوبيا لا يعني فقط استئناف التعاون الدفاعي، بل يفتح الباب أمام:
تحديث القدرات العسكرية الإثيوبية.
توسيع هامش الحركة الإقليمية.
إعادة إدماج أديس أبابا في المنظومة الأمنية الغربية.
تعزيز دورها في مكافحة الإرهاب.
لكن في المقابل، قد يثير هذا التحول مخاوف لدى السودان ومصر، خاصة في ظل استمرار التوترات الحدودية والمائية، وعدم استقرار البيئة الأمنية في الإقليم.
التنافس الدولي: أمريكا في مواجهة الصين وروسيا
لا يمكن قراءة التحول الأمريكي بمعزل عن اشتداد المنافسة الدولية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فـالصين عززت حضورها الاقتصادي والعسكري عبر الاستثمارات والبنية التحتية والموانئ، خاصة في جيبوتي، بينما وسعت روسيا نفوذها الأمني والعسكري عبر بوابات متعددة في البحر الأحمر والساحل الأفريقي، بما في ذلك السودان.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى:
حماية الممرات البحرية الدولية.
احتواء النفوذ الصيني المتوسع.
الحد من التمدد الروسي في البحر الأحمر.
بناء شبكة حلفاء إقليميين أكثر استقراراً.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء هذا التحول، يمكن قراءة المشهد عبر أربعة سيناريوهات رئيسية:
1. الاحتواء المنضبط (الأكثر ترجيحاً):
استفادة إثيوبيا من الانفتاح الأمريكي لتعزيز موقعها دون مواجهة مباشرة مع السودان.
2. التصعيد الحدودي (متوسط الاحتمال):
تجدد التوتر في مناطق مثل الفشقة.
3. حرب نفوذ بالوكالة (مرتفع الاحتمال):
تحول السودان وإثيوبيا إلى ساحتين لتنافس القوى الدولية.
4. صفقة إقليمية كبرى (متوسط الاحتمال):
تسوية شاملة تشمل الحدود، وسد النهضة، وأمن البحر الأحمر.
الخاتمة..
ما يشهده القرن الأفريقي اليوم لا يبدو مجرد تحولات دبلوماسية عابرة، بل عملية إعادة ترتيب عميقة لموازين القوة والنفوذ في إقليم بالغ الحساسية. وبين حسابات الأمن الدولي وممرات التجارة وصراعات الموانئ، يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالسياسة، وتتعقد فيها خيارات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.
ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في كونه مجرد رفع قيود عسكرية عن إثيوبيا، بل هو مؤشر على إعادة تشكيل أوسع للخريطة الأمنية في القرن الأفريقي.
ويبقى السؤال المركزي: هل يستطيع السودان، في ظل حربه الداخلية المستمرة، أن يحافظ على موقعه كفاعل إقليمي، أم أنه يتجه تدريجياً ليصبح ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية؟
ذلك هو التحدي الاستراتيجي الأعمق للمرحلة المقبلة.

