دراسة: (93.2%) من السودانيين يريدون السلام.. لا البنادق
كتب: حسين سعد
وسط لعلعلة الرصاص ودوى المدافع لحرب منتصف أبريل ٢٠٢٣م التي مزقت السودان، وبين هجمات المسيرات الانتحارية وخطابات التعبئة العسكرية والاستقطاب السياسي الحاد، جاءت نتائج الدراسة الميدانية حول اتجاهات الرأي العام السوداني تجاه الحرب والسلام التي اعدتها مجموعة نداء سلام السودان لتكشف حقيقة ربما غابت عن كثير من الفاعلين في المشهد؛ وهي أن السودانيين، رغم اختلافاتهم السياسية والاجتماعية والإثنية والجغرافية، يجتمعون حول مطلب واحد: إيقاف الحرب.
إن إعلان أن 93.2% من السودانيين يؤيدون مفاوضات السلام ووقف الحرب ليس مجرد رقم إحصائي، بل يمثل مؤشراً سياسياً واجتماعياً بالغ الأهمية، ورسالة مباشرة إلى الأطراف المتحاربة والقوى السياسية والإقليمية والدولية بأن غالبية الشعب السوداني لم تعد ترى في الحرب طريقاً لتحقيق أي مكاسب، وإنما تنظر إليها باعتبارها مصدر الدمار والمعاناة وانهيار الدولة.
كشفت دراسة سودانية ميدانية شاملة أن 2ر93 % من السودانيين يؤيدون مفاوضات السلام، في نتيجة اعتبرها المشاركون دليلاً رقمياً يدحض الادعاءات التي تُستخدم لتبرير استمرار الحرب باسم الشعب السوداني.
واعتمدت الدراسة على 1668 استبانة إلكترونية و30 مقابلة نوعية معمقة ، وبعينة طبقية عشوائية عند مستوى ثقة 95 % ، شملت الولايات السودانية الـ 18 كافة، إلى جانب السودانيين في تشاد ومصر وجنوب السودان وأوغندا ودول الخليج وليبيا وعدد من البلدان الأخرى.
وأظهرت النتائج أن 3ر74 % يؤيدون وقفاً فورياً لإطلاق النار، و3ر88 % من المؤيدين للتسوية مستعدون لدعمها، فيما سجلت ولاية وسط دارفور أعلى نسبة تأييد للسلام بلغت 7ر94% .
وبيّنت الدراسة أن التنافس على السلطة والثروة جاء في مقدمة أسباب الصراع، يليه إرث النظام السابق، ثم التهميش والتدخل الخارجي. كما حمّل 9ر80 % من المشاركين المؤسسة العسكرية بشقيها مسؤولية الحرب، و2ر79 % النظام السابق، 7ر73 % الحركات المسلحة.
ولم تتجاوز نسبة الثقة العالية في اتفاقيات السلام 4ر14 % ، مقابل 9ر28 % أعربوا عن عدم ثقتهم بها.
كما أظهرت النتائج أن 90 % من المشاركين يطالبون بالمحاسبة، ويفضل 8ر38 % عدالةً هجينة تجمع بين الآليات الوطنية والدولية، فيما تمثلت أبرز الخطوط الحمراء لأي تسوية مستقبلية في رفض تقسيم السودان، وتعدد الجيوش، واستمرار تدخل المؤسسة العسكرية في العمل السياسي.
وأفاد 9ر77 % بأن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل مصدرهم الرئيسي للمعلومات، بينما رأى 4ر93 % أن الخطاب القبلي والجهوي يشكل تهديداً مباشراً للمواطنة والتماسك الوطني.
فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، سيطرت أصوات البنادق على المجال العام، بينما تراجع صوت المواطنين الذين وجدوا أنفسهم بين نارين؛ القصف والنزوح من جهة، والجوع وانهيار الخدمات من جهة أخرى.
وقد احتكرت الأطراف المتحاربة الحديث باسم السودانيين، وادعت كل جهة أنها تعبر عن الإرادة الوطنية، بينما ظل ملايين المدنيين بعيدين عن طاولات التفاوض ووسائل الإعلام ومنصات اتخاذ القرار.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها لأنها تعيد الاعتبار للرأي العام، وتمنح المواطنين فرصة للتعبير عن مواقفهم بعيداً عن لغة السلاح والاستقطاب السياسي. إنها تنقل النقاش من سؤال: “من ينتصر في الحرب؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “ماذا يريد السودانيون؟”.
تكشف نسبة التأييد المرتفعة للسلام عن حقيقة سياسية مهمة، وهي أن الرهان على الحسم العسكري لا يحظى بتأييد شعبي واسع.
فبعد سنوات من القتال، لم يحقق أي طرف نصراً ينهي الصراع، بينما دفعت البلاد ثمناً باهظاً من الأرواح والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة.
لقد اكتشف المواطن السوداني، من خلال التجربة اليومية، أن الحرب لا تنتج سوى مزيد من القبور والنزوح والكراهية والانقسام، وأن المنتصر الحقيقي الوحيد هو خيار السلام.
الحرب لم تدمر المدن فقط
الحروب لا تدمر الطرق والجسور والمستشفيات فحسب، وإنما تدمر الثقة بين الناس.
وخلال سنوات الصراع شهد السودان تصاعداً غير مسبوق في خطاب الكراهية والعنصرية، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات للتحريض والتخوين ونشر الشائعات والدعوات للانتقام.
ولذلك فإن من أهم ما أكدته الورشة المصاحبة للدراسة هو أن بناء السلام يبدأ أيضاً من بناء خطاب جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع واحترام الآخر ونبذ العنصرية.
إن وقف إطلاق النار، مهما كان مهماً، لن يكون كافياً إذا استمرت اللغة التي تزرع الكراهية وتعمق الانقسام بين أبناء الوطن الواحد.
لماذا تعتبر صحافة السلام ضرورة؟
أحد أهم الرسائل التي خرجت بها الورشة هو الدعوة إلى الانتقال من صحافة الحرب إلى صحافة السلام والحلول.
فالإعلام لا ينقل الوقائع فقط، بل يصنع التصورات العامة، ويؤثر في المزاج المجتمعي، وقد يساهم في تأجيج النزاعات أو في تهدئتها.
وصحافة السلام لا تعني إخفاء الجرائم أو تجاهل الانتهاكات، بل تعني تقديم تغطية مهنية ومتوازنة تكشف أسباب النزاع، وتبرز المبادرات التي تقرب بين المجتمعات، وتمنح الضحايا مساحة للتعبير، وتفتح الباب أمام النقاش حول حلول واقعية ومستدامة.
وفي السودان، حيث أصبح الإعلام جزءاً من معركة السرديات، تبدو الحاجة ملحة إلى صحافة تعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام، بدلاً من الاكتفاء بتتبع أخبار المعارك والانتصارات العسكرية.
من بين أهم توصيات الورشة التأكيد على ضرورة إشراك النساء والشباب والنازحين واللاجئين في صناعة السلام.
وهذه ليست دعوة رمزية، بل اعتراف بأن أكثر الفئات تضرراً من الحرب يجب أن تكون جزءاً من الحل.
فالنساء تحملن أعباء النزوح وفقدان المعيل والعنف، بينما وجد ملايين الشباب أنفسهم بين الهجرة القسرية أو البطالة أو الاستقطاب المسلح.
أما النازحون واللاجئون فقد دفعوا الثمن الأكبر للحرب، ولذلك فإن أي عملية سلام لا تستمع إلى أصواتهم ستظل ناقصة.
لا ينبغي أن تبقى نتائج الدراسة حبيسة التقارير الأكاديمية، بل يجب أن تتحول إلى وثيقة للمناصرة الوطنية والدولية.
فمنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والجامعات، والباحثون، يمكنهم الاستناد إلى هذه النتائج في الضغط من أجل وقف الحرب، والدعوة إلى حماية المدنيين، وتوسيع المشاركة في العملية السياسية.
كما تمنح الدراسة المجتمع الدولي مؤشراً واضحاً إلى أن الإرادة الشعبية السودانية تميل بوضوح نحو السلام، وهو ما ينبغي أن ينعكس في طبيعة المبادرات الإقليمية والدولية الخاصة بالسودان.
رسالة إلى الأطراف المتحاربة
الرسالة الأهم التي تحملها هذه الدراسة هي أن الشعب السوداني سبق الجميع إلى اتخاذ قراره.
فبينما تختلف القوى السياسية والعسكرية حول السلطة وتقاسم النفوذ، حسم المواطن موقفه، واختار السلام.
إن نسبة 93.2% ليست مجرد أغلبية، بل تكاد تمثل إجماعاً وطنياً نادراً في بلد عرف خلال العقود الماضية انقسامات سياسية وإثنية وجهوية معقدة.
وهذا الإجماع يفرض على جميع الأطراف مراجعة حساباتها، لأن استمرار الحرب لم يعد يتعارض فقط مع المصالح الوطنية، بل مع الإرادة الشعبية نفسها.
ما بعد الدراسة… ماذا ينبغي أن يحدث؟
حتى لا تتحول الدراسة إلى وثيقة توضع على الرفوف، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطوات عملية، أبرزها:
إطلاق حملة وطنية واسعة لنشر نتائج الدراسة في جميع ولايات السودان ودول اللجوء.
تنظيم حوارات مجتمعية تستند إلى نتائجها، وتجمع النازحين والشباب والنساء والإدارات الأهلية والقوى السياسية.
إنشاء مرصد مستقل لرصد خطاب الكراهية والعنصرية، وإصدار تقارير دورية حول تأثيره على السلم المجتمعي.
إدماج مفاهيم صحافة السلام في برامج تدريب الصحفيين وكليات الإعلام.
توظيف نتائج الدراسة في جهود الوساطة الإقليمية والدولية، باعتبارها تعكس الإرادة الشعبية السودانية.
تحويل نتائج الدراسة إلى سياسات عامة تدعم المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات.
عموما… تكشف الدراسة أن السودان، رغم الجراح العميقة، لم يفقد إيمانه بالسلام. وما زال ملايين السودانيين يرون أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى بالرصاص، وإنما بالحوار والعدالة والمواطنة المتساوية.
ولعل أهم ما تقوله هذه النتائج هو أن الشعب السوداني لم يعد يبحث عن منتصر في الحرب، بل يبحث عن وطن يتسع للجميع، ومدارس بدلاً من الخنادق، ومستشفيات بدلاً من ساحات القتال، وكلمات تجمع الناس بدلاً من خطابات الكراهية التي مزقت النسيج الوطني.
إن 93.2% ليست مجرد نسبة في دراسة، بل هي صوت شعب كامل يطالب بحقه في الحياة، ورسالة أخلاقية وسياسية تقول لكل من يعنيه مستقبل السودان: لقد اختار السودانيون السلام… فهل يستجيب أصحاب القرار لإرادة الشعب؟.

