الجمعة, يونيو 5, 2026
أخبارسياسة

أديس أبابا: الخلافات المؤجلة وتعثر الرؤية المشتركة قبل أن تكتمل؟

كتب: حسين سعد

بالرغم مما بدا في البيان الختامي لاجتماعات أديس أبابا يومي 3 و4 يونيو 2026 من إعلانٍ عن اتفاق بين قوى سياسية ومدنية سودانية على رؤية مشتركة لإطلاق مسار سلام شامل، إلا أن ما أعقب ذلك من بيانات توضيحية واعتراضات علنية كشف سريعاً أن هذا “الاتفاق” كان أقرب إلى صيغة سياسية عامة منه إلى توافق فعلي مُحكم القواعد.

فالحدث، في جوهره، لم يُنتج اصطفافاً سياسياً جديداً بقدر ما أعاد إبراز الانقسامات القديمة داخل المعسكر المدني، وفتح مجدداً أسئلة جوهرية حول طبيعة العملية السياسية: من يعرّفها؟ من يُستبعد ومن يُدمج فيها؟ وكيف تُبنى شرعيتها في سياق حرب مفتوحة ومعقدة؟

صحيح أن اجتماع أديس أبابا نجح في جمع طيف من القوى السياسية والمدنية حول مبادئ عامة تتعلق بوقف الحرب والسلام والعدالة، إلا أن امتناع الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، وحركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور عن التوقيع، كشف أن التوافق المعلن لا يزال هشاً، وأن الخلافات الجوهرية لم تُحسم بعد.

وقد اعتمد البيان الختامي لغة سياسية مرنة قابلة لاستيعاب أكبر عدد من الأطراف، لكنه في الوقت نفسه تجنب القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها مسألة العلاقة مع المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ومستقبل مشاركتهما في أي عملية سياسية قادمة.

أولاً: بيان القوى الموقعة

أعلنت مجموعة من القوى السياسية والمدنية السودانية توافقها على رؤية مشتركة لتدشين مسار سلام يمهد لإطلاق عملية سياسية شاملة عبر لجنة تحضيرية.

وقد وقع على البيان كل من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، والكتلة الديمقراطية – قوى الحرية والتغيير، وحزب البعث العربي الاشتراكي – الأصل، والمؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، إلى جانب شخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.

وأكد الموقعون ضرورة وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، مع التشديد على التأسيس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والمحاسبة.

كما دعا البيان المجتمعين الإقليمي والدولي إلى دعم هذه الجهود من أجل تحقيق استقرار السودان ووحدته.

ثانياً: بيان حركة تحرير السودان

من جهتها، أوضحت حركة/جيش تحرير السودان في بيان توضيحي ممهور بتوقيع محمد عبد الرحمن الناير، أنها لبت دعوة الآلية الخماسية للمشاركة في المشاورات حول العملية السياسية وإيقاف الحرب ومخاطبة جذور الأزمة السودانية.

وبحسب البيان، فقد خلصت اللقاءات التي جرت خلال يومي 3 و4 يونيو 2026 إلى عدة نقاط، أبرزها:

اتخاذ الحركة موقفاً بعدم التوقيع مع الكتلة الديمقراطية بسبب رفض تضمين نص يستبعد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من العملية السياسية.

الاتفاق مع قوى مناهضة للحرب على إبعاد هذه القوى من أي مسار سياسي قادم.

التأكيد على أن الحل يجب أن يكون شاملاً ويعالج جذور الأزمة، مع تصنيف المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما كجهات مسؤولة عن الحرب، ومنعها من أي دور سياسي حالياً أو مستقبلاً.

التأكيد على الانفتاح على المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية ذات المصداقية، استناداً إلى إعلان المبادئ السوداني والرباعية الدولية.

ثالثاً: بيان الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي.

في المقابل، أعلنت الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي عدم موافقتها على وثيقة اللجنة التحضيرية والبيان الصحفي الصادر عن اجتماع أديس أبابا، معتبرة أن العملية السياسية شابها “قصور كبير” ولم تلتزم بما تم الاتفاق عليه داخل تحالف “صمود” وإعلان المبادئ السوداني.

وقالت الحركة، في بيان ممهور بتوقيع بثينة دينار، إنها شاركت في الاجتماع لكنها قدمت تحفظات جوهرية، أبرزها ضرورة الالتزام بتصميم العملية السياسية بالتوافق مع اللجنة الخماسية قبل الشروع في أي خطوات تنفيذية.

وأضافت أن المسار الحالي لا يرتبط بشكل كافٍ بمخاطبة الكارثة الإنسانية أو حماية المدنيين، وأنه يفصل العملية السياسية عن واقع الحرب والمعاناة اليومية، بما يفرغها من مضمونها.

وانتقدت الحركة أيضاً الدخول في عملية سياسية دون التزام أطراف الحرب بنتائجها، معتبرة ذلك “رفاهية نظرية” لا تحقق تغييراً فعلياً على الأرض.

وتوقفت عند الخلاف حول عدم إدراج نص صريح يستبعد المؤتمر الوطني وواجهاته، معتبرة أن ذلك “يلقي بظلال من الشك” حول الهدف الحقيقي للعملية السياسية.

وفي ختام بيانها، دعت الحركة إلى مراجعة دقيقة لما تم، وإجراء مشاورات أوسع مع القوى المدنية الديمقراطية داخلياً وخارجياً، لمنع إعادة إنتاج الحرب.

قراءة ختامية: جوهر الخلاف.

يتضح من موقفي الحركة الشعبية وحركة تحرير السودان أن الاعتراض لم يكن على أهداف السلام أو إنهاء الحرب، بل على طبيعة إدارة العملية السياسية نفسها.

فالحركتان تنطلقان من رؤية تعتبر أن الحرب الحالية ليست مجرد صراع مسلح بين الجيش والدعم السريع، بل امتداد لأزمة بنيوية تاريخية في الدولة السودانية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي عملية سياسية لا تتضمن موقفاً واضحاً من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية تبدو، في نظرهما، كأنها تتجاوز جذور الأزمة بدلاً من معالجتها.

لذلك، فإن رفض إدراج نص صريح يستبعد هذه القوى لم يكن تفصيلاً إجرائياً، بل مؤشراً سياسياً على اتجاه التسوية ذاتها.

ومن اللافت أن البيانين تضمنا انتقادات غير مباشرة لتحالف “صمود”، حيث تحدثت الحركة الشعبية عن ضرورة مراجعة ما جرى، بينما ذهبت حركة تحرير السودان أبعد من ذلك بربطها عدم التوقيع مباشرة برفض تضمين بند الإبعاد.

أسئلة مفتوحة

يطرح البيان الختامي عناوين كبرى مثل وقف الحرب، العدالة الانتقالية، والمصالحة المجتمعية، إلا أن هذه العناوين أخفت تباينات عميقة حول الأولويات: هل الأولوية لوقف الحرب أم لإطلاق عملية سياسية شاملة؟ وهل يمكن فصل المسار السياسي عن الضمانات الإنسانية الفورية؟
ومن يضمن التزام أطراف الحرب بأي مخرجات؟
هذه الأسئلة لم تُحسم داخل الاجتماع، ما جعل التوافق أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى خارطة طريق متماسكة.
كما تكشف اجتماعات أديس أبابا عن خلل بنيوي في تصميم العملية السياسية نفسها، حيث جرى الانتقال إلى اجتماع تشاوري واسع دون تثبيت “الهندسة السياسية” التي تحدد الأطراف والضمانات وآليات التنفيذ، ما أدى إلى شعور بعض القوى بأن العملية منفصلة عن الواقع الإنساني، وغير قادرة على منع إعادة إنتاج الحرب.

والانقسام الذي ظهر في أديس أبابا لم يكن بين أطراف حرب أو حكومة ومعارضة، بل داخل المعسكر المدني نفسه.
فبينما رأت بعض القوى أن الأولوية هي وقف الحرب بأي صيغة توافقية ممكنة، حتى لو تطلب ذلك مرونة سياسية واسعة، رأت قوى أخرى أن أي تسوية لا تحسم جذور الأزمة وتحدد بوضوح موقفها من القوى المرتبطة بالنظام السابق، ستقود إلى إعادة إنتاج الأزمة.

وهكذا برز التناقض بين منطق “التسوية الواسعة” ومنطق “القطيعة السياسية”.

الخاتمة من المحرر..

ما كشفته أديس أبابا ليس خلافاً حول نصوص في بيان سياسي، بل حول سؤال أعمق: هل ستكون التسوية القادمة امتداداً لتجارب سابقة قامت على التوافقات الواسعة، أم محاولة لتأسيس مسار جديد يقوم على معالجة جذور الأزمة وعدم إعادة إنتاجها؟

يبقى هذا السؤال مفتوحاً منذ سقوط النظام السابق، ويبدو أنه عاد اليوم ليشكّل أحد أهم خطوط الانقسام داخل المعسكر المدني نفسه.

والعبرة ليست في من وقع ومن رفض، بل في قدرة القوى السياسية على الإجابة عن السؤال المؤجل: كيف يمكن إنهاء الحرب دون إعادة إنتاج أسبابها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *