مشروع الجزيرة بين الحرب والعطش وتناقص الإنتاج (1-2)
كتب: حسين سعد
لم يكن البيان الذي أصدره تحالف مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل يوم الخميس 18 يونيو 2026م، مجرد شكوى من تدني الإنتاج أو تردي خدمات الري، بل حمل في طياته مؤشرات اقتصادية خطيرة تكشف حجم الأزمة التي يعيشها القطاع الزراعي السوداني عموماً، ومشروع الجزيرة على وجه الخصوص. فالبيان يعكس واقعاً اقتصادياً معقداً تتداخل فيه آثار الحرب مع فشل السياسات الزراعية وغياب التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج، لينتج في النهاية موسماً زراعياً ضعيفاً يهدد السيادة الغذائية ومستقبل أكبر مشروع زراعي مروي في البلاد، وكشف البيان الذي تحصلت مدنية نيوز علي نسخة منه كشف عن سلسلة ترابطة من الإخفاقات الإدارية والاقتصادية التي أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وزيادة معدلات الفقر والديون وسط المزارعين، وتحويل أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا من مصدر للإنتاج والاستقرار الاقتصادي إلى ساحة للأزمات المتراكمة.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية استثنائية في ظل الظروف التي تعيشها البلاد بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي، حيث أصبحت الزراعة تمثل القطاع الأكثر قدرة على توفير الغذاء وفرص العمل والعملات الأجنبية، غير أن ما حدث خلال الموسم الزراعي 2025 ــ 2026، بحسب البيان، يعكس واقعاً مقلقاً يتمثل في غياب الاستعداد المبكر للموسم، وانهيار خدمات الري، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الدعم الحكومي، ما أدى في نهاية المطاف إلى انخفاض الإنتاجية وخروج أعداد كبيرة من المزارعين من دائرة الإنتاج
الزراعة والحرب:
من النقاط التي أشار إليها البيان أن آلاف المزارعين دخلوا الموسم الزراعي وهم فاقدون لرؤوس أموالهم ومدخراتهم نتيجة الحرب، فالنهب الذي طال المحاصيل والمواشي والممتلكات الزراعية لم يؤد فقط إلى خسائر مباشرة، بل أدى إلى استنزاف القدرة التمويلية للمزارعين. والمزارع الذي فقد مخزونه من الحبوب أو مواشيه أو معداته الزراعية يصبح عاجزاً عن تمويل الموسم الجديد، هذه الظاهرة تفسر إحجام عدد كبير من المزارعين عن الزراعة أو اضطرارهم لتأجير أراضيهم للغير. ومن الناحية الاقتصادية فإن تأجير الأرض بدلاً من استثمارها إنتاجياً يمثل مؤشراً على تراجع النشاط الزراعي الحقيقي وتحول المزارعين من منتجين إلى متلقين لعائد محدود لا يكفي لتطوير الإنتاج كما أن تراكم الديون لدى التجار والبنوك يخلق دائرة مغلقة من الفقر الزراعي، حيث يضطر المزارع للاقتراض لتمويل الإنتاج، ثم يواجه خسائر تؤدي إلى عجزه عن السداد، فيصبح أكثر هشاشة في الموسم التالي، وتكشف إفادات المزارعين أن الحرب لم تؤد فقط إلى تعطيل النشاط الزراعي، بل دمرت رأس المال الإنتاجي للمزارع نفسه. فالنهب الذي تعرضت له المحاصيل والمواشي والمدخرات الزراعية أفقد آلاف المزارعين القدرة على تمويل الموسم الجديد، وعندما يفقد المزارع مدخراته ومخزونه من الحبوب والماشية ووسائل الإنتاج، فإنه يصبح عاجزاً عن إعادة الاستثمار في الموسم التالي. ولذلك فإن الأزمة الحالية ليست أزمة موسم واحد، وإنما أزمة تراكمية يمكن أن تمتد لعدة سنوات، الأخطر أن عدداً من المزارعين اضطروا إلى تأجير أراضيهم أو الخروج من النشاط الزراعي بالكامل، وهي ظاهرة تعكس حالة من الانكماش الزراعي القسري الناتج عن الحرب والفقر وانعدام السيولة وفي أبريل الماضي، أعلن محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى أن المشروع تعرض لعمليات نهب وتخريب واسعة خلال الحرب، مقدراً حجم الخسائر بنحو ستة مليارات دولار. وقال إن الهجمات التي طالت مناطق المشروع أدت إلى نزوح السكان وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الزراعية، ما تسبب في انهيار أجزاء كبيرة من المنشآت والخدمات المرتبطة بالإنتاج.
أزمة الري والقنوات:
أبرز النقاط التي وردت في البيان اتهام إدارتي المشروع والري بعدم القيام بأعمال الصيانة والتطهير اللازمة للقنوات والترع، ويمثل الري البنية التحتية الأساسية للإنتاج الزراعي في مشروع الجزيرة. وعندما تتعطل هذه البنية فإن تكلفة الإنتاج تنتقل مباشرة إلى المزارع. وهذا ما حدث فعلاً عندما اضطر المزارعون إلى حفر أبو عشرينات وتطهير القنوات على نفقتهم الخاصة، وقال بيان التحالف قام بعض المزارعين بتطهير الترع والميجرات الصغيرة من جيبهم الخاص وبالكاش لا صحاب الكراكات ومنهم من قام بنظافتها عبر المناجل ومنهم من تنازل عن قصاد وقصادين لا صحاب الكراكات والقصاد يساوي 20% من المساحة الكلية والقصادين تساوي 40% من المساحة الكلية ، كل هذا مقابل تطهير القنوات وهذا واجب إدارة الري ولكنهم لم يفعلوا وهذه أسوا سابقة في تاريخ مشروع الجزيرة، فتحميل تكلفة عمليات الري الي المزارع تعني ارتفاع التكلفة النهائية للإنتاج وانخفاض هامش الربح بصورة كبيرة، وهذا سيؤدي الي تراجع الانتاج وخروج صغار المزارعين من السوق.
وبحسب البيان :لذلك تعرض الموسم لمشاكل كثيرة جدا ، كما سمحت إدارة المشروع والري بزراعة أراضي خارج الدورة الزراعية بالرغم من قرار مجلس إدارة المشروع بإلغاء تصاديق كل الأراضي خارج الدورة الزراعية وعدم السماح بزراعتها والزام إدارة الري وإدارة المشروع بتنفيذ القرار كاملا وهذه الأراضي تساوي مشروع موازي إذ تبلغ مساحتها اكثر من 200 الف فدان كحد ادنى ، وهي من ضمن الأسباب التي أدت إلى عدم الري المنتظم ودخول المشروع في عطش في كثير من اقسامه ، زائدا التأخير في زمن الزراعة الموصي به من قبل البحوث الزراعية ، معلوم إن التوسع غير المنظم في المساحات المزروعة دون زيادة مقابلة في الموارد المائية يؤدي إلى ما يعرف بندرة الموارد الإنتاجية، والنتيجة كانت وصول المياه لبعض المناطق وحرمان مناطق أخرى، ما أدى إلى ظهور ظاهرة العطش الزراعي في عدد من الأقسام، هذا الخلل انعكس على انتظام الري، وأدى إلى تأخير الزراعة وخفض الإنتاجية، خصوصاً في المحاصيل التي تعتمد على توقيتات دقيقة للزراعة والري.
إرتفاع تكلفة الانتاج:
من مؤشرات البيان في الأرقام المتعلقة بتكاليف الإنتاج والعائد المتوقع، حيث تجاوزت تكلفة إنتاج الفدان الواحد نحو 1.2 مليون جنيه، تشمل التحضير والتقاوي والأسمدة والمبيدات والحصاد وغيرها من العمليات الزراعية، حيث تبلغ قيمة تحضير الأرض بنحو 150 ألف جنيه، والحصاد يحتاج الي 120 ألف جنيه ، وتبلغ قيمة تقاوي القمح 250 ألف جنيه للجوال ، وسماد ماركة الداب بقيمة 250 ألأف جنيه للجوال الواحد ، والسماد ماركة اليوريا يكلف 150 ألف جنيه للجوال الواحد، وهنالك أيضا تكاليف مبيدات الحشائش والحشرات ، والعمالة والنقل وجوالات الخيش ، هذه التكلفة المرتفعة تعني أن المزارع يحتاج إلى إنتاجية عالية وأسعار مجزية حتى يغطي نفقاته، لكن الواقع جاء معاكساً تماماً، و في المقابل جاءت الإنتاجية أقل كثيراً من المتوسطات التاريخية للمشروع. فمتوسط إنتاج القمح بلغ خمسة جوالات فقط للفدان، بينما بلغ متوسط إنتاج الذرة أربعة جوالات، هذه الأرقام تعني ببساطة أن العلاقة بين التكلفة والعائد أصبحت مختلة. فكلما ارتفعت تكلفة الإنتاج وانخفضت الإنتاجية تقلصت أرباح المزارع أو تحولت إلى خسائر مباشرة، فالمزارع الذي يخرج خاسراً من موسم كامل لن يمتلك الدافع أو القدرة المالية لدخول الموسم التالي.
التأخير الزراعي وخسائر التقاوي:
من القضايا المهمة التي أشار إليها البيان وصول منحة التقاوي المقدمة من منظمة الفاو بعد انقضاء الفترة المثلى للزراعة وكما يقول ألهنا بالجزيرة الزراعة مواقيت، وبحسب بيان التحالف (هنالك كثير من المزارعين لم يقوموا بحراثة ارضهم بل تمت زراعتها من غير تحضير للتكلفة المالية العالية لسعر الفدان في التحضير وعدم التقاوي المحسنة إلا في نطاق ضيق بعدما تم توزيع منحة تقاوي الذرة من منظمة الفاو ولكنها جاءت متأخرة عن الزمن الزراعي الأصلي ، وهي كمية بسيطة بواقع الفدان كيلو ونصف ومعظم المزارعين الذين قاموا بزراعتها بعد هذا الوقت المتأخر تعرضوا لأفة الطير مما أدى إلى تلفها ولم يحصدوا منها شيء لهذه الأسباب خرج كثير من المزارعين من دائرة الإنتاج واصبحوا عرضة للمجاعة وفقدان امنهم الغذائي في العروة الصيفية).
وبحسب الخبراء فإن التأخير في توفير المدخلات الزراعية يفقدها جزءاً كبيراً من قيمتها الإنتاجية، فالتقاوي مهما كانت جودتها تصبح أقل فاعلية إذا زُرعت خارج المواعيد الموصى بها ، كما أدى التأخير إلى تعرض المحاصيل لأضرار الطيور والآفات، ما تسبب في تلف أجزاء واسعة من المساحات المزروعة، وبالتالي خسارة استثمارات المزارعين.(يتبع)

