الأربعاء, يونيو 24, 2026
تقاريرسياسة

السودان: سلام على الورق… وحرب على الأرض

كتب: حسين سعد

كشـفت صحيفة صوت الأمة الصادرة يوم الأحد ٢١ يونيو الحالي عـن اسـتضافة مدينـة نيـون السويسـرية اجتماعا للقـوى السياسـية والمدنية السـودانية خـلال الفتـرة مـن 24 إلـى 26 يونيو 2026م ، بتنظيـم وتيسـير مـن منظمـة (نيـو ميديشـن) وذلـك فـي إطـار الجهـود الراميـة إلـى تقريـب وجهـات النظـر وبنـاء الثقـة بين الاطراف السـودانية.

ويهدف الاجتماع إلـى التفاكـر حول اللجنـة التحضيريـة للحـوار السـوداني والتوافـق علـى رؤيـة مشـتركة تمهـد لعقـد مائـدة مسـتديرة تجمـع مختلـف الفاعلـن السياسيين المدنيين ، سـعيًا لدعـم مسـار الحـل السياسـي للأزمة السـودانية.

ومـن المتوقع أن تشـارك فـي الاجتماعات قيـادات وممثلـون عـن عـدد مـن القـوى السياسـية، مـن بينهـا حـزب الأمة القومـي، والحـزب الاتحادي الديمقراطـي الأصل ، وحركـة تحريـر السـودان، إلـى جانـب التجمـع الاتحادي والمؤتمر الشـعبي بقيـادة علـي الحـاج، وحزب المؤتمر السوداني والتحالـف الديمقراطـي للعدالـة الاجتماعية ، إضافـة إلـى شـخصيات سيا سـية.
وتعـد هـذه الجولـة الخامسـة ضمـن سلسـلة اللقـاءات التـي تنظمهـا (نيـو ميديشـن) لدعـم الحـوار السـوداني، ً بالقاهـرة إذ سـبق أن يسـرت لقـاء فـي يوليـو ،2024 كمـا نظمـت اجتماعـات أخـرى ضمـت طيفـا مـن القـوى السياسـية السـودانية. ومـن المنتظر أن تشـهد اجتماعـات نيـون نقاشـات حـول فـرص التوافـق السياسـي وآليـات توسـيع قاعـدة المشـاركة فـي أي عمليـة حواريـة مقبلة.

أزمة المنهجية:
تشير هذه التحركات السياسية، بدءاً من اجتماعات إديس أبابا وكيجالي والقاهرة ومروراً بالاتصالات الأمريكية والإقليمية وانتهاءً باجتماعات نيون السويسرية، عن عودة مكثفة لمسارات الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، غير أن القراءة المتأنية لهذه التحركات تقود إلى استنتاج مختلف؛ فالمشكلة لم تعد في غياب المبادرات أو ندرة الوسطاء، وإنما في طبيعة المنهج الذي يحكم هذه المبادرات، وهو المنهج ذاته الذي أثبت عجزه مراراً عن وقف الحرب أو بناء أسس سلام مستدام.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهد السودان عشرات المبادرات والاجتماعات في جدة وأديس أبابا والقاهرة والمنامة وجنيف وغيرها، دون أن يفضي ذلك إلى أي اختراق سياسي حقيقي. وبذلك يصبح اجتماع نيون جزءاً من سلسلة طويلة من المحاولات التي تدور في الحلقة ذاتها، وتعيد إنتاج النتائج نفسها: استمرار القتال واتساع الدمار وتفاقم الكارثة الإنسانية.

مؤشرات تعثر التسوية :
تكشف التجربة السودانية أن الإشكال لا يكمن في تعدد منصات الحوار فقط ، بل في طبيعة الرؤية التي تديرها. فكل جولة جديدة تُبنى على الافتراضات ذاتها التي فشلت سابقاً، وتستدعي الأطراف نفسها، وتستخدم الأدوات ذاتها، ثم تُنتج توقعات مختلفة.
وبدلاً من معالجة جذور الأزمة المرتبطة ببنية الدولة السودانية، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة، وأزمة الشرعية الوطنية، يجري اختزال الصراع في ترتيبات إجرائية ومشاورات تقنية لا تمس جوهر الأزمة.

أولاً: تعدد الوساطات وتضارب المسارات:
تحول الملف السوداني إلى ساحة مفتوحة لمبادرات إقليمية ودولية متعددة (خماسية، رباعية، إفريقية، عربية وأممية)، دون مرجعية موحدة أو رؤية جامعة. وقد أدى هذا التعدد إلى حالة تشظي وتنافس بين الوسطاء، بدلاً من توحيد الجهود في مسار تفاوضي قادر على فرض التزامات واضحة على الأطراف المتحاربة

ثانياً: إعادة تدوير النخب السياسية:
تعتمد معظم الاجتماعات على القوى السياسية ذاتها التي شاركت في مراحل الانتقال السابقة وفشلت في بناء توافق وطني مستدام. ونتيجة لذلك تتحول العملية السياسية إلى إعادة إنتاج للأزمة بدلاً من تجاوزها، مع استمرار إقصاء الفاعلين الجدد والقوى الاجتماعية الصاعدة.

ثالثاً: غياب التمثيل الحقيقي :
رغم الخطاب المتكرر حول الشمول، تظل هذه الاجتماعات نخبوية الطابع، مع ضعف تمثيل الضحايا والنازحين واللاجئين والنساء والشباب، والصحفيين والصحفيات، والمزارعين والرعاة وغيرهما، وهذا الغياب يخلق فجوة متزايدة بين مخرجات العملية السياسية والواقع الاجتماعي المتأثر بالحرب.

رابعاً: الانفصال بين السياسة والميدان:
تُعقد الاجتماعات في عواصم خارج السودان، بينما تتغير خرائط السيطرة العسكرية وتتفاقم الأوضاع الإنسانية داخله. هذا الانفصال يجعل العملية السياسية متأخرة دائماً عن الواقع، وغير قادرة على التأثير فيه أو توجيهه.

خامساً: غياب مركز قرار سوداني موحد:
لا توجد جهة سياسية أو وطنية تمتلك تفويضاً شاملاً أو قدرة على فرض تسوية ملزمة، في ظل تعدد القوى المسلحة والسياسية، ما يجعل التفاوض يدور خارج مركز القرار الفعلي على الأرض.

سادساً: غياب آليات الإلزام والتنفيذ:
تعتمد معظم المبادرات على التفاهمات الطوعية والبيانات السياسية دون أدوات تنفيذية ملزمة، ما يجعل الاتفاقات أقرب إلى نصوص سياسية غير قابلة للتطبيق.
أزمة الملكية الوطنية ورغم تكرار شعار “الحل السوداني السوداني”، فإن الواقع يكشف أن معظم المبادرات تُصاغ خارج السودان، وتُحدد أولوياتها في عواصم إقليمية ودولية، بينما تتحرك الأطراف السودانية داخل هوامش مرسومة سلفاً.

وبذلك تتحول “الملكية الوطنية” من مبدأ تأسيسي إلى خطاب سياسي، ما يضعف شرعية العملية السياسية ويجعلها أكثر عرضة للتعثر عند أي اختبار جدي.
تشير طبيعة التحركات الحالية إلى تحول تدريجي في وظيفة الوساطة، من السعي لإنهاء الحرب إلى إدارة تداعياتها. ويتجلى ذلك في التركيز على الهدن المؤقتة، واللقاءات الاستكشافية، والترتيبات الإجرائية، دون معالجة الأسباب البنيوية للصراع.

وبهذا المعنى، لم تعد العملية السياسية مشروعاً للسلام، بل آلية لإدارة الأزمة ومنع انفجارها الكامل، وهو ما يفسر استمرار الحرب رغم كثافة الجهود الدبلوماسية.
لذلك ما يجري لا يعكس مجرد تعثر تفاوضي، بل يشير إلى أزمة أعمق في بنية مشروع التسوية نفسه. فبدلاً من إنتاج مسار سلام، أصبحت الوساطات المتعددة جزءاً من بيئة تُعيد إنتاج الجمود السياسي وإطالة أمد الحرب.

وقد أدى تعدد الوسطاء وتضارب المرجعيات وغياب الملكية الوطنية والانفصال بين السياسة والميدان إلى تحويل العملية السياسية إلى إدارة للصراع بدلاً من حله.
عموماً: إن اجتماعات نيون وما سبقها من لقاءات في القاهرة وأديس أبابا وغيرها لا تكشف فقط تعثر المسار السياسي، بل تكشف أزمة أعمق تتعلق بتفكك فكرة التسوية ذاتها. فالتعدد المفرط للوساطات، وإعادة تدوير النخب، وغياب مركز قرار سوداني موحد، والانفصال بين السياسة والميدان، كلها عوامل تجعل هذه المبادرات أقرب إلى إدارة الحرب منها إلى إنهائها.

وبالتالي لم يعد السؤال يتعلق بعدد الاجتماعات أو تعدد المبادرات، بل بجدوى هذا المسار نفسه إذا كان يعيد إنتاج الشروط ذاتها التي قادت إلى الفشل منذ البداية.
فالحرب لا تُنهيها كثافة الوساطات، بل إرادة سياسية حقيقية، ورؤية وطنية جامعة، وعملية سلام تستمد مشروعيتها من السودانيين أنفسهم، لا من تنافس العواصم الإقليمية والدولية على إدارة أزمتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *