الأربعاء, أغسطس 5, 2026
تقاريرسياسة

الغياب وطنًا بديلًا (27)

كتب: حسين سعد

قضية المفقودين أصبحت حالة ممتدة تعيد تشكيل حياة الناس وذاكرتهم وطريقة عيشهم، ومع مرور الوقت، لم تعد الأسر تسأل فقط عن مكان المفقودين، بل بدأت تتعايش مع فكرة أكثر قسوة: أن الغياب نفسه قد يصبح شكلًا من أشكال الحياة، في أحياء الخرطوم المختلفة التي كانت تعرف أبناءها واحدًا واحدًا، أصبح السؤال مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي: هل هم أحياء؟ هل هم في مكان ما لا نعرفه؟ أم أن الحرب ابتلعتهم دون أثر؟ الخرطوم بسبب الحرب الكارثية ، أصبحت مدينة بذاكرة غير مكتملة، أسماء مفقودة، قصص غير مكتملة ، بيوت بلا إجابات ، وشوارع تحمل أسئلة، كل حي فيها يحمل نسخة مختلفة من الغياب ماذا يعني أن لا تعرف؟ الأسوأ من الفقد هو عدم المعرفة، هنالك أسئلة حائرة : هل يعيش؟ هل مات؟ أين هو؟ ماذا حدث؟ هذه الأسئلة لا تجد طريقًا للإجابة.

قبور بلا أسماء:
وفي صحيفة (نون بوست) نشر تقرير بتاريخ مايو 2026م بعنوان (قبور بلا أسماء.. كم عدد المفقودين في حرب السودان؟)
في السودان، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين الجيش ومليشيات الدعم السريع، بل تحولت أيضًا إلى أزمة أسماء وهوية، بعد أن اختفى آلاف الأشخاص ودُفنت أعداد كبيرة من الجثامين على عجل، في قبور مؤقتة أو غير معلمة، من دون توثيق كافٍ يربط الجثمان باسمه.
حتى أواخر مارس 2026، تجاوز عدد حالات المفقودين التي يتعامل معها الهلال الأحمر السوداني واللجنة الدولية للصليب الأحمر 11 ألف حالة، تشمل حالات داخل السودان وخارجه، وبعضها سابق للحرب الحالية، بحسب المنظمة الأخيرة.
أما خلال الحرب نفسها التي بدأت منتصف أبريل 2024، فتشير أسوشيتد برس إلى أكثر من 8 آلاف مفقود، في رقم لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للأزمة، لأن كثيرًا من العائلات لا تستطيع الإبلاغ أو لا تعرف أين تبحث.
ومع نزوح أكثر من 11 مليون شخص وتضرر المشارح والمختبرات والسجلات، أصبح البحث عن المفقودين مهمة شديدة التعقيد. فما خريطة الاختفاء في السودان؟ من هم المفقودون؟ وكيف تبدأ عملية البحث والتوثيق من بلاغ العائلة حتى محاولة استعادة الاسم؟

خريطة الاختفاء والمختفين:
تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تلقت أكثر من 8300 طلب للبحث عن مفقودين منذ أبريل 2023 وحتى مارس 2026، وجرى حل نحو 1100 حالة فقط، لكن الواقع أوسع من هذه الأرقام، إذ يشير مسؤولو الإغاثة إلى أن كثيرًا من العائلات لا تستطيع أو لا تجرؤ على تقديم بلاغات بسبب النزوح أو الخوف من السلطات، وبالتالي، لا يمكن إنتاج رقم نهائي للمفقودين، فأعدادهم تتغير مع استمرار القتا وانهيار الاتصالات وسيطرة مجموعات مسلحة مختلفة على مناطق واسعة.

أين تتركز الاختفاءات؟
ولاية الخرطوم: تضم العاصمة وأم درمان والخرطوم بحري. وبعد المعارك، اكتظت الشوارع ومحيط المنازل وملاعب ومواقع عامة بقبور مؤقتة، ونقلت السلطات نحو 30 ألف جثمان من أصل 50 ألفًا دُفنت على عجل، وتتداخل أسباب الاختفاء هنا بين القصف والاشتباكات والنزوح والاحتجاز غير المعلن، بينما يصعب لاحقًا ربط كثير من الجثامين بأسماء أصحابها بسبب الدفن السريع وغياب التوثيق، تعرضت مدن مثل الفاشر ونيالا وزالنجي لهجمات وحصار طويل ونزوح واسع. وفي الفاشر، أفادت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في نوفمبر 2025 أن عشرات الآلاف فرّوا أو تشتتوا بعد تصاعد القتال، مع بقاء أعداد غير معروفة عالقة أو غير مسجلة، هنا تتداخل أسباب الاختفاء بين العنف الميداني، والاحتجاز، والنزوح، وانقطاع الاتصالات، وصعوبة وصول العائلات أو المنظمات إلى أماكن البحث، ولايات كردفان والجزيرة وسنار: شهدت هذه المناطق قتالًا متقطعًا وجوعًا واسعًا، لكن توثيق المفقودين أقل دقة، فقد هرب العديد من السكان من قراهم إلى مناطق أخرى أو عبر الحدود، ما يجعل تتبع مصيرهم أكثر تعقيدًا

البحث المؤلم:
وفي صحيفة الشرق الاوسط: نشر تقرير بتاريخ 3 مايو 2023م تحت عنوان ( مسيرة البحث المؤلمة عن المفقودين في السودان)
عندما توقف الشاب السوداني أيمن أبو عركي، وعمّه حسام، عن الردّ على هاتفيهما، لجأت عائلتهما إلى «فيسبوك»، حيث سرعان ما وصلتها عبر الموقع صورة لسيارة وقد اخترقها الرصاص من كلّ مكان وبداخلها جثّتان.

وعلى هذه الصورة التي تلقّتها الأسرة من أحد المدوّنين، كان رقم السيارة واضحاً، وهو مطابق لرقم تلك التي استقلّها الرجلان «وذهبا بها لشراء مياه» وسط المعارك في 16 أبريل ، حسب ما قال لوكالة الصحافة الفرنسية قريب لهما طالباً عدم الكشف عن هويته وقُتل الرجلان غداة اندلاع المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع واندلعت المعارك بين حليفي الأمس وعدوّي اليوم في العشر الأواخر من رمضان من دون سابق إنذار، الأمر الذي لم يمكّن الأسر السودانية من التزوّد بما يكفيها من مؤونة كافية من الطعام والمياه،
وبسبب نفاد المياه لم يجد الشاب وعمّه بداً من المخاطرة بحياتهما والخروج تحت الغارات الجوية ونيران المدفعية والبنادق الآلية لجلب الماء لعائلتهما، وفي خضمّ المعارك في الخرطوم، المدينة التي يقطنها أكثر من خمسة ملايين نسمة، وحيث انقطعت الكهرباء والمياه الجارية بصورة شبه تامّة، باتت شبكات التواصل الاجتماعي أداة تواصل ثمينة للسكان المحبوسين داخل منازلهم خوفاً من الأعيرة الطائشة.

وعلى «فيسبوك» و«تويتر»، أصبحت الأسر التي انقطعت الاتصالات بينها وبين أبنائها، تطلق نداءات استغاثة ودعوات للمساعدة على أمل أن تجد من لديه أي معلومة عن أحبّائها المفقودين.
من بين هؤلاء الطبيبة هبة التي فقدت والدها في 23 أبريل بعدما «خرج لشراء بعض الأدوية الضرورية من الصيدلية لأنّه مصاب بأمراض مزمنة، لكنّه لم يعد».
وتضيف أنّ والدها «شخص مسالم ولا ميول سياسية له»، مشيرة إلى أنّ «عمليات البحث عنه ما زالت مستمرة، وأتمنّى أن يكون بخير وفي مكان آمن».
وتظهر منشورات على موقعي «فيسبوك» و«تويتر» عشرات الإعلانات عن مفقودين، معظمهم لرجال وأطفال فقدوا في ظروف مختلفة منذ اليوم الأول للاشتباكات.
وإزاء العدد الكبير لهذه الأسر، قرّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان قبل أيام تخصيص خط هاتفي للإبلاغ عن المفقودين.

منيرة فقدت شقيقها الأكبر بابكر الذي يعمل في مصنع بمنطقة الخرطوم بحري (شمال العاصمة)، في اليوم الأول للاشتباكات. وتروي أنّ آخر تواصل بينها وبين شقيقها كان عبر مكالمة هاتفية يوم السبت 15 أبريل طلب منها خلالها إبلاغ زوجته وأطفاله الستّة بأنّه بخير وسيغادر المصنع للعودة إلى منزله بأمّ درمان. لكنّه لم يعد، وظلّت أسرته بلا أخبار عنه.

إزاء هذا الوضع قرّرت منيرة تبليغ «مفقود»، وهي مبادرة عبر الإنترنت لمساعدة الأسر على معرفة مصير أبنائها المفقودين. وبعد ذلك تلقّت في 27 أبريل اتصالاً هاتفياً من المبادرة. وتقول، «لقد أبلغوني بأنّه تمّ العثور عليه مقتولاً برصاصتين، ولم نستطع تسلم جثمانه المتحفّظ عليه حتى الآن في المسجد الكبير بمنطقة السوق العربي، وذلك لصعوبة إخراجه من هناك، لكنّنا على تواصل مع إمام المسجد».
وتوضح أنّ «قوات الجيش في إحدى نقاط التفتيش أرغمت اثنين من أشقائي على العودة أثناء محاولتهما الذهاب لاستلام الجثمان ودفنه بسبب صعوبة الأوضاع والاشتباكات (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *