اختفاء الأصوات في صمت السهول.. جغرافيا الألم والغياب (18)
كتب: حسين سعد
لم يكن الفقد في شمال وغرب كردفان مجرّد نتيجة للفوضى الأمنية أو الهروب العشوائي فحسب؛ فقد كشفت الشهادات المتزايدة خلال الأسابيع الماضية من أشهر سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر 2025م عن حالات فقدان لمدنيين من قبل مجموعات مسلّحة مختلفة، بعضها معروف، وبعضها مجهول الهوية، تعمل في ظروف الانهيار الأمني الكامل، قصص المفقودين هنا ليس فعلًا فرديًا، بل ممارسة مرتبطة بنطاق أوسع من العنف والانتهاكات، احتجاز أشخاص دون أوامر رسمية، إخفاء أماكن وجودهم، منع أسرهم من المعرفة أو التواصل معهم، بل وتغيير مواقعهم بصورة متكررة، مما يجعل الوصول إليهم شبه مستحيل، هذه الحالات أدت إلى تعميق مأساة المفقودين، حيث لم تعد الأسرة تواجه احتمال الموت فقط، بل تواجه الغموض الكامل الذي يلتهم النفس كما يلتهم الأرض المشتعلة حولهم.
ويقول مواطن فضل حجب إسمه إن مظاهر الاختفاء وفقدان المواطنين في ولايتي شمال وغرب كردفان تتمثل في احتجاز الرجال على الحواجز المسلحة، حيث تقوم مجموعات مسلّحة بتوقيف المارة في الطرق بين بارا وأم سيّالة، وبين أم صميمه والقرى المتاخمة، وقامت بـفصل الرجال عن النساء والأطفال، وأخذ الهواتف، واقتياد البعض إلى جهات غير معروفة، إطلاق سراح جزء منهم بعد ساعات أو أيام، واختفاء آخرين تمامًا، مع وجود اعتقالات غير رسمية داخل القرى خلال الهجمات التي سبقت أو تلت الاشتباكات، دخلت تلك المجموعات المسلّحة إلى بعض الأحياء أخذت شبابًا بذريعة أنهم (يتعاونون مع طرف آخر) لكن لم تصدر أي جهة رسمية بيانًا حول هذه الاعتقالات، ولا تعرف الأسر الجهة التي نفذت العملية، وهنالك أنباء عن نقل المحتجزين إلى جهات مجهولة، تشير شهادات متعددة إلى أن بعض المحتجزين، جرى ترحيلهم على متن عربات دفع رباعي، إلى وجهة غير معلومة، دون تسجيل أو تدوين أو إخطار، مما يؤكد وقوع اختفاء قسري مكتمل الأركان ، وتعذّر الزيارة أو التواصل، وإنكار الجهات المسلحة وجود المحتجز، وتضارب المعلومات حول مكانه، وتغيير مواقع الاحتجاز باستمرار، وغياب الدولة والصمت الرسمي، لم يصدر طرفي الحرب كشوفًا بأسماء المحتجزين، أو بيانات حول عمليات الاعتقال، أو توجيهات للأهالي، أو معالجات قانونية مما فتح الباب أمام الفوضى والانتهاكات..
شهادات من الطرق الترابية التي ابتلعت الناس:
فيما يلي شهادات واقعية تعبّر عن نماذج مما يعيشه الناس. تم تغيير الأسماء للحماية، في الشهادة الاولي يقول محدثي ان منطقتهم عقب دخول قوات الدعم السريع جاء أفراد منها ليلاً أخذوا ثلاثة شباب ولم يرجع منهم أحد، وأضاف من الليلة ديك… ما عرفنا عنهم أي شي. مشينا الي مقراتهم، سألنا كل زول… ما في أي أثر، لو ماتوا… قولوا لينا، لكن الغياب دا ضيعنا، ويشير مواطن أخر إن المنطقة نفسها عقب خروج الدعم السريع ودخول القوات المسلحة تم إحتجاز بعض المدنيين وإتهامهم بالتعاون مع العدو ؟ وفي رواية أخري تقول مواطنة فضلت حجب إسمها انهم كانوا علي متن عربة في طريقهم للخروج من المنطقة التي تشهد مواجهات عسكرية دامية ، وفي أحدي الارتكازات تم إيقافهم وتم انزال الرجال وايقافهم في صف منفصل عن النساء ثم تم إقتيادهم في عربة أخري ، هذه الشهادة تسبح بين الفقد العادي والاختفاء القسري، وتعكس أيضا انتهاك الحق في معرفة المصير؟
ما الذي تحتاجه كردفان اليوم؟
وذهب البعض الي ضرورة تكوين لجنة تحقيق مستقلة، تضم حقوقيين، أطباء شرعيين، ناشطين محليين، وفتح بلاغات رسمية وتوثيق كل حالة اختفاء، مع إدراج آخر مكان شوهد فيه المفقود، وتوثيق هوية المسلحين إن عُرفت، وشهود العيان، وحماية الأسر والشهود، وضمان عدم استهدافهم، ووضع آليات للبحث في أماكن الاحتجاز غير الرسمية مثل الأوكار، المزارع المعزولة، المدارس المهجورة، مقار المجموعات المسلحة، والاعتراف الرسمي بالمفقودين كقضية إنسانية وطنية، وليس مجرد ظرف حرب، مع وضع معالجة صحية وإجتماعية لمحو أثار الفقد علي الاطفال الذين يعتبروا من أكثر الفئات بجانب النساء هشاشة في السياقات المتأثرة بالنزاع، في السودان عامة وفي ولايتي شمال وغرب كردفان بشكل خاص حيث شهدت مناطق كـ بارا، أم سيالة، أم صميمة مواجهات دامية، كان الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من حالات الاختفاء، فقدان الأب أو الأم أو الأخ الأكبر لا يعني فقط غياب الشخص، بل انهيار العالم الذي يعرفه الطفل، واختفاء الإحساس بالأمان الذي يشكّل حجر الأساس لنموه النفسي والاجتماعي، وفي شهادات عديدة، يروي أقارب أطفال فقدوا أحد ذويهم بأنهم أصبحوا يخافون من أصوات المواتر والعربات العسكرية، وبعضهم يتشبث بثياب والدته أو قريبته ولا يتركها حتى عند النوم. هذه الاستجابات الانفعالية الحادة دليل على حالة اضطراب ما بعد الصدمة؟
أخت تبحث عن شقيقها:
في موقع الأمم المتحدة، نُشر بتاريخ 8 نوفمبر 2023 تقرير بعنوان: “أخت تبحث عن أخيها المختفي في السودان الذي مزّقته الحرب”، تناول معاناة أسر المختفين قسراً في السودان من خلال قصة أسماء، التي فقدت الاتصال بشقيقها محمد منذ 29 مايو 2023 بعد مغادرته إحدى قرى شمال السودان متوجهاً إلى الخرطوم.
يرصد التقرير الآثار النفسية العميقة التي خلفها اختفاء محمد على أسرته، حيث قادت شقيقته حملة بحث واسعة شملت التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمات حقوقية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل غياب آليات رسمية فعالة للبحث عن المفقودين. وأكدت أسماء خلال شهادة قدمتها إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري أن حياة الأسرة توقفت منذ اختفائه، وأن آلاف الأسر السودانية تواجه المعاناة ذاتها.
ويشير التقرير إلى تصاعد ظاهرة الاختفاء القسري منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، حيث أكد المدير التنفيذي للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، مصعد محمد علي، تورط أطراف النزاع في احتجاز المدنيين بصورة تعسفية داخل مراكز احتجاز غير قانونية وسرية، مع حرمان المعتقلين من التواصل مع أسرهم أو محاميهم، وتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة.
كما نقل التقرير إفادة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الذي أشار إلى الإبلاغ عن اختفاء ما لا يقل عن 500 شخص في الخرطوم وحدها خلال الأشهر الأولى من الحرب. وأوضح أن النزاع تسبب في مقتل آلاف المدنيين وتشريد الملايين وتفاقم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وسلط التقرير الضوء على الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في توثيق حالات الاختفاء ونشر صور المفقودين، حيث تحولت صفحات متخصصة إلى منصات للبحث عن المفقودين وتبادل المعلومات بشأنهم.
واختتم التقرير بالإشارة إلى تطور إيجابي في قضية محمد، إذ تمكنت أسرته بعد خمسة أشهر من اختفائه من التأكد من أنه لا يزال على قيد الحياة. ودعت شقيقته إلى سن قوانين تجرّم الاختفاء القسري ومحاسبة المسؤولين عنه، مؤكدة أن ما تعانيه الأسر السودانية من ألم وانتظار يجب ألا يتكرر.
صدمة الفقد: من البكاء إلى الانسحاب الصامت
فالأطفال الذين فقدوا معيلهم يتحملون أدواراً لم تُصمم لهم، وهي رعاية إخوتهم الأصغر، والعمل لجلب الطعام وتوفير سبل كسب العيش ، والوقوف في الصفوف الطويلة للحصول على الماء أو الإغاثة، وحمل الحطب أو الماء لمسافات طويلة، بهذا تتسع دائرة الفقد: فقدان الأب، ثم فقدان الطفولة، ثم فقدان الالتحاق بالتعليم، ما يهدد بظهور جيل يعاني من فجوة تعليمية عميقة وندوب نفسية طويلة الأمد. كما تتولي النساء رعاية وتعليم وخدمة الاسرة جراء فقدان الزوج ، حينها تظهر تحولات قاسية في بنية المجتمع، بإعتبار إن الفقد لا يغيّر الأسرة فقط، بل يغيّر شكل المجتمع، وزيادة عدد الأسر التي تعيلها النساء، وارتفاع معدلات النزوح، وزيادة التسرب المدرسي، وتنامي ظاهرة عمالة الأطفال، وتقلص المواشي والمحاصيل بسبب غياب الرجال، وظهور صراعات أسرية حول الإرث أو المسؤوليات. (يتبع)

