شح المياه يهدد الموسم الزراعي بالجزيرة ومزارعون يخشون الخروج «صفر اليدين»
الجزيرة: حسين سعد
كشف المزارع قاسم صالح الطاهر، بترعة المحريبا التابعة لمكتب المعليق بالقسم الشمالي بمشروع الجزيرة والمناقل، عن أزمة حادة في مياه الري تهدد المحاصيل الزراعية المزروعة خلال العروة الصيفية الحالية، محذراً من خسائر فادحة قد يتعرض لها المزارعون إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
وقال قاسم صالح في حديثه لـ«مدنية نيوز» إنه قام بزراعة محصولي الذرة والقطن على أمل تحقيق إنتاج يسهم في تغطية تكاليف الزراعة الباهظة وتحسين أوضاع أسرته المعيشية، إلا أن نقص المياه حال دون وصول الري بصورة منتظمة إلى الحواشة، الأمر الذي انعكس سلباً على نمو المحاصيل وأثار مخاوف حقيقية من تلف أجزاء واسعة منها.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تعود إلى عمليات تطهير ترعة المحريبا، التي تمت – بحسب وصفه – بطريقة غير فنية أدت إلى إضعاف كفاءة انسياب المياه داخل القنوات الفرعية، ما تسبب في وصول كميات محدودة من المياه إلى الأراضي الزراعية الواقعة في أطراف الترعة.
وأضاف أن المزارعين باتوا يواجهون أوضاعاً معقدة، إذ لم يعد شح المياه هو التحدي الوحيد، بل تزامن مع الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج الزراعي، موضحاً أن تكلفة العمليات الزراعية لمساحة أربعة أفدنة بلغت نحو 1600 جنيه، شملت عمليات تحضير الارض و الدقسي، وتسوية الأرض، والحرث، والتقطيع، إلى جانب فتح «أبو ستة» وتجهيز الأرض للزراعة.
وأشار إلى أن كثيراً من المزارعين اضطروا إلى اللجوء إلى وسائل ري بديلة باستخدام طلمبات السحب (البوابير) والمولدات الكهربائية لتوفير المياه من مصادر قريبة، إلا أن هذه الخيارات أصبحت باهظة الكلفة في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الوقود والإيجارات.
وقال إن تكلفة ري مساحة أربعة أفدنة عبر البوابير والمولدات تصل إلى نحو 200 ألف جنيه في الرية الواحدة، تشمل إيجار المعدات وتكاليف الجازولين، وهو مبلغ يفوق قدرة غالبية المزارعين الذين يعانون أصلاً من نقص التمويل وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية.
وأضاف أن محاصيل الذرة والقطن تحتاج إلى أكثر من سبع ريات خلال الموسم، ما يعني أن تكلفة الري وحدها قد تتجاوز مليون جنيه للمساحة نفسها، وهو ما يجعل استمرار الزراعة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لصغار المنتجين.
وأكد أن استمرار أزمة المياه قد يدفع أعداداً كبيرة من المزارعين إلى الخروج من الموسم بخسائر كبيرة، وربما العجز عن سداد الالتزامات المالية المترتبة عليهم، الأمر الذي يهدد مستقبل النشاط الزراعي في المنطقة.
مخاوف من تراجع الإنتاج.
وفي ذات السياق يقول مزارعون بالمنطقة إن ضعف الإمداد المائي في المراحل الأولى من نمو المحاصيل يمثل خطراً مباشراً على الإنتاجية، خاصة بالنسبة لمحصولي الذرة والقطن اللذين يحتاجان إلى انتظام الري خلال مراحل النمو المختلفة. ويشيرون إلى أن أي تأخير في وصول المياه قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج أو فشل أجزاء من المساحات المزروعة.
كما حذروا من أن تراجع الإنتاج الزراعي لن ينعكس على المزارعين وحدهم، بل سيؤثر على الأمن الغذائي المحلي وعلى الإمدادات الزراعية للأسواق، في وقت تشهد فيه البلاد أوضاعاً اقتصادية ومعيشية بالغة التعقيد.
ويرى مختصون أن نجاح الموسم الزراعي الحالي يتطلب معالجة عاجلة لمشكلات الري وتوفير الوقود ومدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة، إلى جانب تنفيذ عمليات تطهير وصيانة للقنوات وفق أسس فنية تضمن وصول المياه إلى جميع الحواشات بصورة عادلة ومنتظمة.
وفي ظل هذه التحديات، يترقب آلاف المزارعين بمشروع الجزيرة والمناقل حلولاً عاجلة من الجهات المختصة لإنقاذ الموسم الزراعي قبل أن تتحول أزمة المياه الحالية إلى خسائر اقتصادية واسعة النطاق تهدد مصدر رزق آلاف الأسر وتعصف بالإنتاج الزراعي في واحدة من أهم المناطق الزراعية بالسودان.
وفي الشهر الحالي ، أعلن محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى علي، فتح مياه الري من خزان سنار عبر الترعتين الرئيسيتين لمشروعي الجزيرة والمناقل، إيذانًا ببدء الموسم الزراعي الجديد.
ودعا المحافظ، خلال زيارته لخزان سنار برفقة عدد من المسؤولين ومدير الخزان المهندس محمد الحاج محمد سند، المزارعين إلى الالتزام بمواقيت الزراعة والري وفق توصيات هيئة البحوث الزراعية، والإسراع في فتح “أبو عشرينات” وتنفيذ عمليات زراعة وري محاصيل العروة الصيفية المستهدفة على مساحة 1.2 مليون فدان.
وأوضح أن الخطة الزراعية تشمل زراعة القطن والذرة والفول السوداني وفول الصويا والعدسية، إلى جانب محاصيل الخضر، مؤكدًا أن الموسم الحالي سيشهد التزامًا أكبر بالمحددات الفنية والدورة الزراعية، واعتماد خيار الزراعة الجماعية للمزارعين بمحصول واحد على مستوى “النمرة”، بما يسهم في تنظيم عمليات الري وتقليل فاقد المياه وتعزيز مكافحة الآفات.
من جانبه، أكد مدير خزان سنار، المهندس محمد الحاج محمد سند، جاهزية الخزان لتلبية الاحتياجات المائية للموسم الزراعي، مشيرًا إلى اكتمال أعمال صيانة وتأهيل 25 بوابة بالخزان واستعدادها للعمل بكفاءة عالية.
بدوره، أوضح مدير إدارة الري بمشروع الجزيرة، المهندس محمد عثمان العوض، أن انسياب المياه من خزان سنار سيتم بصورة تدريجية ومنظمة، بما يضمن تلبية الاحتياجات المائية للمحاصيل المختلفة والحد من فاقد المياه خارج قنوات الري وأبو عشرينات.
الجدير بالذكر ان مشروع الجزيرة والمناقل يعتبر أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في أفريقيا والعالم العربي، إذ ظل لعقود طويلة يمثل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ومصدراً رئيسياً لإنتاج القطن والقمح والذرة وعدد من المحاصيل النقدية والغذائية.
لكن المشروع واجه خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات المتراكمة، شملت ضعف عمليات الصيانة والتطهير الدورية للقنوات والترع، وتراجع البنية التحتية للري، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، فضلاً عن الآثار التي خلفتها الحرب على الاقتصاد والخدمات الأساسية.

