الأربعاء, أغسطس 5, 2026
اقتصادتقارير

السموم الصامتة.. تلويث الأرض وتهديد الإنسان والبيئة (14)

تقرير: حسين سعد

لم تكن المبيدات الزراعية في بدايات استخدامها مجرد مواد كيميائية لمكافحة الآفات، بل جاءت محملة بوعود كبيرة لإنقاذ المحاصيل، وزيادة الإنتاج، وتعزيز الأمن الغذائي. وفي السودان، ارتبط تاريخ المبيدات ارتباطاً وثيقاً بمشروع الجزيرة والمناقل، أحد أكبر المشروعات الزراعية المروية في العالم، حيث لعبت دوراً أساسياً في حماية محصول القطن والمحاصيل النقدية لعقود طويلة.

لكن مع مرور الزمن، ومع التوسع غير المنضبط في استخدامها، وضعف الرقابة، وسوء التخزين، وغياب الإدارة العلمية المتكاملة، تحولت هذه المواد التي صُممت لحماية الزراعة إلى مصدر خطر صامت يهدد الإنسان والحيوان والبيئة. فمن الحقول الزراعية انتقلت آثارها إلى التربة والمياه، ومن المخازن المهجورة إلى المجتمعات الريفية، لتكشف عن أزمة بيئية وصحية ظلت تتراكم عبر عقود.
وتكتسب قضية المبيدات أهمية خاصة في مشروع الجزيرة والمناقل، ليس فقط باعتباره مشروعاً زراعياً ضخماً ارتبط بتاريخ الاقتصاد السوداني، وإنما لأنه يمثل نموذجاً لتحديات الزراعة الحديثة في ظل الحاجة إلى تحقيق الأمن الغذائي مع الحفاظ على صحة الإنسان والموارد الطبيعية.

هذه القضية تناولتها ورقة “المبيدات الكيماوية.. مشاكل وحلول ممكنة” التي أعدها الدكتور محمد القاضي وقدمها خلال مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل عام 2025، الذي نظمه موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار: “مشروع الجزيرة.. الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير”.
وقدمت الورقة قراءة علمية لتاريخ استخدام المبيدات في السودان، وآثارها الصحية والبيئية، والأسباب التي أدت إلى تفاقم المشكلة، كما طرحت مجموعة من الحلول العملية لبناء نظام أكثر أمناً واستدامة لإدارة المبيدات وحماية مستقبل الزراعة السودانية، وتشير الورقة إلى أن السودان كان من أوائل الدول الإفريقية والشرق أوسطية التي استخدمت المبيدات الزراعية، حيث بدأ استخدامها عام 1907 لمكافحة الجراد الصحراوي، ثم توسعت لاحقاً مع تطور الزراعة الحديثة ودخول مشروع الجزيرة مراحل الإنتاج الواسع.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل مبيد DDT الذي أطلق عليه اسم “المسحوق المعجزة”، بعد نجاحه في مكافحة الحشرات الناقلة للأمراض، ثم ظهرت أجيال جديدة من المبيدات العضوية الفوسفورية مثل الملاثيون، ومبيدات الكارباميت، ومبيدات الحشائش.

وقد ساعدت هذه المبيدات في السيطرة على عدد من الآفات الزراعية وزيادة الإنتاج خلال مراحل مختلفة، إلا أن الاستخدام المكثف والمتكرر أدى إلى ظهور مشكلات جديدة، أبرزها مقاومة الآفات للمبيدات، الأمر الذي دفع إلى زيادة عدد مرات الرش خلال الموسم الزراعي.
وتوضح الورقة أن محصول القطن في مشروع الجزيرة كان يُرش مرة واحدة خلال موسم 1956-1957، بينما ارتفع عدد الرشات إلى أكثر من تسع مرات في موسم 1978-1979، نتيجة ظهور سلالات جديدة من الآفات المقاومة للمبيدات المستخدمة.
كما ارتفعت كميات المبيدات المستوردة بصورة كبيرة، إذ قفزت من نحو تسعة آلاف طن متري عام 1983 إلى ما يقارب 17 ألف طن متري عام 1987، رغم أن المساحات الزراعية لم تشهد توسعاً يبرر هذه الزيادة الكبيرة.

تكشف الورقة أن مخاطر المبيدات لم تتوقف عند حدود الإنتاج الزراعي، بل امتدت إلى صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
وتشير إلى عدد من حوادث التسمم الجماعي التي وقعت بسبب سوء استخدام المبيدات، من بينها حادثة قرية العبيدية عام 1990، التي توفي فيها 29 شخصاً وأصيب نحو 70 آخرين نتيجة تناول غذاء مصنوع من حبوب معالجة بمبيد فوسفوري.

كما شهدت مناطق أخرى حوادث مشابهة، من بينها التونج والحمداب، حيث أدت الحبوب المعالجة بالمبيدات إلى حالات وفاة وإصابات بالتسمم الحاد.
ولم تكن الحيوانات بمنأى عن هذه المخاطر، فقد سجلت حالات نفوق للماشية بسبب شرب مياه ملوثة بالمبيدات، كما تأثرت الحياة البرية نتيجة حملات المكافحة الواسعة للجراد الصحراوي والطيور الضارة والآفات الزراعية، وتعتبر مشكلة تخزين المبيدات واحدة من أخطر حلقات الأزمة، إذ تشير الورقة إلى أن العديد من مخازن المبيدات في مشروع الجزيرة تفتقر إلى المعايير البيئية المطلوبة، فقد ظلت كميات كبيرة من المبيدات مخزنة لفترات طويلة داخل عبوات متهالكة، وفي ظروف غير مناسبة، حيث تتعرض البراميل لأشعة الشمس والأمطار، مما يؤدي إلى تسرب المواد السامة إلى التربة والمياه السطحية والجوفية ، وتؤكد الورقة أن استمرار هذه الأوضاع جعل بعض المخازن نفسها مصدراً للتلوث بدلاً من أن تكون أماكن لحفظ المواد الزراعية بصورة آمنة.

مقبرة مبيدات الحصاحيصا:

تعتبر قضية مقبرة مبيدات الحصاحيصا واحدة من أخطر الكوارث البيئية المرتبطة بالمبيدات في السودان، وتوضح الورقة أن هذه القضية ظلت محل إنكار لفترات طويلة، قبل أن تكشف الدراسات الميدانية عن وجود كميات كبيرة من المبيدات المدفونة بالقرب من مناطق مأهولة ومصادر مياه، وأظهرت نتائج إحدى الدراسات أن 95% من العينات البشرية التي شملها البحث كانت تعاني أعراضاً مرتبطة بالتعرض للمبيدات، كما كشفت تحاليل التربة عن وجود تركيزات مرتفعة من مبيد DDT تجاوزت الحدود المسموح بها بأكثر من ألف مرة.

وتعتبر الورقة أن هذه الحادثة تمثل جرس إنذار حول خطورة التعامل غير المسؤول مع المبيدات، وتؤكد الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات إدارة المواد الكيميائية الزراعية، ترجع الورقة تفاقم مشكلة المبيدات التالفة إلى عدد من الأسباب، أبرزها في الاتي : ضعف التنسيق بين الجهات الزراعية المختلفة، وغياب نظام فعال لإدارة المخزون.
سوء التخزين لفترات طويلة، وتوقف زراعة بعض المحاصيل التي كانت تستخدم لها هذه المبيدات، واستيراد كميات تفوق الاحتياجات الفعلية، واستمرار وجود مبيدات محظورة أو غير صالحة للاستخدام.

وتشير إلى أن حظر استخدام مبيد DDT في السودان عام 1980 أدى إلى تراكم كميات كبيرة منه، حيث أصبح يمثل نسبة كبيرة من المبيدات التالفة الموجودة في عدد من المشروعات الزراعية الكبرى..
لا تكتفي الورقة بتشخيص الأزمة، وإنما تقدم مجموعة من الحلول لمعالجة مخاطر المبيدات، من بينها إنشاء نظام متكامل لإدارة المبيدات يبدأ من مرحلة الاستيراد وحتى التخلص النهائي منها كما تدعو إلى تطوير مخازن المبيدات وفق المعايير البيئية العالمية، وتشديد الرقابة على عمليات الاستيراد والتداول والاستخدام، وتدريب المزارعين على الاستخدام الآمن للمبيدات، والتوسع في البدائل الزراعية الصديقة للبيئة، وتعزيز برامج المكافحة المتكاملة للآفات، التخلص المبكر من الكميات الصغيرة من المبيدات التالفة قبل تحولها إلى مخزون خطير، وترى الورقة أهمية الاستفادة من تجارب المنظمات الزراعية والبيئية التي نفذت برامج للتخلص الآمن من المبيدات، مع تطوير تقنيات محلية تناسب الظروف السودانية..

حماية الأرض قبل زيادة الإنتاج:

تأتي هذه القضية في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي السوداني تحديات غير مسبوقة بسبب الحرب وتدمير البنية التحتية الزراعية وتراجع الإنتاج، ويرى خبراء أن إعادة بناء مشروع الجزيرة بعد الحرب لا يمكن أن تقوم فقط على زيادة المساحات المزروعة والإنتاج، وإنما تحتاج إلى إعادة تأسيس مفهوم الزراعة المستدامة التي تضع صحة الإنسان والبيئة في مقدمة الأولويات، فالمستقبل الزراعي للسودان يحتاج إلى سياسات جديدة تقوم على العلم والرقابة والشفافية، وتوازن بين الحاجة إلى الغذاء وحماية الموارد الطبيعية، وتخلص ورقة الدكتور محمد القاضي إلى رسالة أساسية مفادها أن المبيدات ليست عدواً للزراعة، لكنها تصبح خطراً عندما تغيب الإدارة الرشيدة. فالزراعة المستدامة لا تقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان والأرض للأجيال القادمة (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *