الثلاثاء, أغسطس 11, 2026
تقاريرسياسة

بين الدموع والصمود.. بحثاً عن المفقودين (28)

كتب: حسين سعد

تواصل آلاف الأسر السودانية رحلة البحث المؤلمة عن أبنائها المفقودين منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، رحلة لا تشبه سوى السير في متاهة من الخوف والرجاء، يتداخل فيها الأمل بعودة الأحبة مع الخذلان من غياب الحقيقة والعدالة، تعيش كثير من النساء والأمهات السودانيات أيامهن بين المستشفيات والمشارح ومراكز الإيواء ومواقع النزوح، في محاولة يائسة للعثور على أبنائهن الذين اختفوا قسرياً أو فُقد الاتصال بهم في مناطق القتال، ومع مرور الأيام، تتحول هذه المعاناة إلى نزيف نفسي وجسدي مستمر، ينهش مشاعر الأمهات ويترك الأطفال في دوامة من القلق والخوف من المجهول.

كارثة إنسانية:
حرب السودان تحولت من نزاع مسلح إلى كارثة إنسانية شاملة أربكت المجتمع، وغيّرت وجه المدن وأثّرت في تفاصيل الحياة اليومية لملايين الأسر، فالحرب لم تكتفِ بتدمير المنازل والبنية التحتية، بل تجاوزت ذلك إلى ما هو أعمق: إنها مسّت الروح وأصابت الوجدان الجمعي للشعب السوداني في الصميم. عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين، وملايين النازحين والمشرّدين، ومدن بكاملها تحولت إلى مساحات خالية إلا من الذكرى. وفي كل بيت فقدٌ جديد: أم فقدت ابنها، وزوجة فقدت زوجها، وأطفال وجدوا أنفسهم يواجهون الحياة دون سند..

لم يكن الفقد مجرد حدث بل زلزالًا نفسيًا واجتماعيًا، الفقد الذي لا يُروى بالأرقام لم تعد الحرب صورًا على الشاشات أو أرقامًا في التقارير، بل قصص ممتدة من الألم والنجاة، خلف كل أم نازحة، وأرملة، وطفل يبحث عن أبيه في الذاكرة، هناك عالم نفسي متهشم يحاول التماسك، فقدان الزوج أو الأب أو الابن لا يعني غياب شخص فقط، بل سقوط الأمان، والاستقرار العاطفي، ومصدر الدخل والدور الأبوي والرعائي، والمستقبل المخطط له، وتجد الأسر نفسها أمام، الفقد المفاجئ، النزوح القاسي، الصدمات المتكررة، وغياب الدعم النفسي. وفي بلد يعاني أصلًا من ضعف خدمات الصحة النفسية، يصبح الألم أكثر عمقًا وتعقيدًا

الصدمة الأولى – انهيار الزمن :
في ظروف الحرب، لا يصل خبر الفقد غالبًا بشكل واضح، لا جثمان لا تأكيد رسمي لا جهة تحقق لا قاعدة بيانات، فتبقى الأسرة عالقة بين احتمالات مؤلمة ، حي لكنه مفقود، أسير، جريح مجهول، أو متوفٍ بلا اسم، هذه الحالة من أقسي أشكال الصدمات تظهر آثارها فورًا في ارتباك شديد، إنكار الخبر، بكاء وانهيار، توقف الإحساس بالزمن، تعلق بالأمل رغم الألم : يمكن يكون حي .
تقول الدكتورة مروة محمد إبراهيم، إخصائية الإرشاد والعلاج النفسي من الصدمات، في حديثها مع مدنية نيوز: إن فقدان الزوج أو الابن أو الأخ يترك أثراً عميقاً في نفس المرأة والطفل، يتجلى في الحزن الشديد، والاكتئاب، والقلق، والعزلة الاجتماعية، إلى جانب اضطرابات النوم ومشاكل عضوية مثل ارتفاع الضغط والسكري. وتضيف أن الفقد القسري يحمل بعداً نفسياً خاصاً، إذ “يبقى الباب موارباً بين الحياة والموت، فلا حزن كامل ولا راحة في اليقين”.

وتشير مروة إلى أن الأطفال المتأثرين بفقدان آبائهم يعيشون حالات من الاضطراب السلوكي والانفعالي، تتراوح بين الخوف المفرط، والتبول اللاإرادي، والانطواء، وضعف التركيز الدراسي، وهو ما يهدد جيل الحرب بأزمات نفسية طويلة المدى إذا لم تُقدّم لهم برامج دعم نفسي عاجلة.

أما الأمهات، فتظل الصدمة والانتظار الطويل أبرز ملامح معاناتهن. بعضهن يقضين شهوراً في البحث وسط القوائم والصور والمقابر الجماعية، وأخريات يعشن على أمل أن يرن الهاتف يوماً بصوت الغائب. وفي المقابل، يتحول الأمل إلى خذلان موجع عندما يرد خبر وفاة المفقود أو العثور عليه في حالة صحية متدهورة بسبب التعذيب أو الجوع أو الأسر.

وتؤكد اختصاصية علم النفس أن الشعور بالذنب يضاعف من معاناة النساء، إذ تلوم كثيرات أنفسهن على عدم القدرة على حماية أبنائهن أو الهروب من مناطق الحرب، بسبب الفقر أو انعدام وسائل الأمان. وتضيف: “الفقد القسري لا ينتهي بإعلان الموت، بل يظل حياً في الذاكرة والوجدان، لأنه مرتبط بمجهول لا يمكن احتواؤه”.
ومع غياب الآليات الرسمية الفاعلة للبحث عن المفقودين أو تعويض أسرهم، تزداد النداءات الحقوقية والمجتمعية لإدراج هذه القضية ضمن أولويات العدالة الانتقالية، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً التي كشفت فظاعة الحرب وانتهاك كرامة الإنسان.

وفي ظل استمرار النزاع وغياب مؤسسات الدولة، تبقى النساء والأطفال في قلب المأساة، يحملون وجع الغياب في صمت، ويواصلون البحث في طرقات الخراب عن ملامح الذين غابوا، بينما يتركون خلفهم سؤالاً مؤرقاً لم يُجب عليه أحد بعد: إلى متى سيظل المفقودون أسرى الصمت والنسيان؟
وقالت الدكتورة مروة محمد ابراهيم إخصائية إرشاد وعلاج الصدمة النفسية ان الاثر النفسي للنساء والاطفال حال فقدان الزوج أو الأب او الاخ يكون كبير جدا وله مظاهر عديدة باعتبار ان التعبير العاطفي لهما اكثر من الرجال واوضحت ان الاثر النفسي يظهر في الحزن الشديد بسبب فقدان الشخص قسرياً وليس طواعيه وكذلك مشاعر سلبية بكاء وقلق وخوف واضطرابات واكتئاب وامراض نفسية وعزلة اجتماعية والابتعاد من الناس وغضب وكذلك مشاكل عضوية مثل امراض السكري والضغط ومشاكل في الهضم ولفتت مروة الي وجود اثر نفسي اخر يتمثل في الاحساس بالامل والخذلان الاحساس بالامل يتمثل في عودة الشخص المفقود وانه مازال علي قيد الحياة اما الاحساس بالخذلان يكون أكثر لاسيما حال موت الشخص المفقود او وجوده في حالة نفسية سيئة او اعاقة جسدية كل ذلك بسبب التجويع او التعذيب والمعاملة غير الانسانية او الشعور بالذنب لاسيما حال عدم امتلاك الاسرة للمال للكافي للسفر والابتعاد من مناطق الحرب او المجموعات التي تعتقل الناس قسرياً.

قصة الدكتورة فاطمة:
وثّقت صحيفة التغيير الاليكترونية في ديسمبر 2024م في تقرير لها بعنوان (رحلة البحث عن مفقود في معتقلات الدعم السريع.. معاناة أسرة لا تعرف مصير عائلها ) قصة دكتورة فاطمة (اسم مستعار)، التي تخوض منذ نوفمبر 2023 رحلة شاقة للبحث عن زوجها، المدير الطبي لمستشفى جبل أولياء، والذي فُقد عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة جنوب الخرطوم.
وبحسب رواية الزوجة، ظل زوجها محاصراً داخل المستشفى أثناء المعارك، حيث واصل تقديم الخدمات الطبية للمصابين والتأكد من خروج زملائه والمرضى بأمان. وفي 20 نوفمبر 2023 انقطع الاتصال به بشكل كامل، لتبدأ الأسرة رحلة بحث طويلة دون معرفة ما إذا كان حياً أو معتقلاً أو متوفياً.

تنقلت الأسرة بين عدد من المستشفيات في مدني والمناقل وكوستي وربك والدويم والقطينة بحثاً عن أي أثر له، لكن دون نتائج. كما خاطرت الزوجة بنفسها وسافرت إلى جبل أولياء أواخر نوفمبر 2023 رغم الظروف الأمنية المعقدة، أملاً في الحصول على معلومات عن مصيره.
وخلال رحلتها تعرضت للاستجواب من قبل عناصر الدعم السريع التي اتهمتها بالتجسس لصالح الجيش، قبل أن يتم إطلاق سراحها وإعادتها. كما تفاجأت لاحقاً بانتشار مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يصورها على أنها “مستنفرة”، ما زاد من مخاوفها ومخاوف أسرتها.

وفي يناير 2024 تلقت الأسرة أول معلومة تفيد بأن الطبيب المفقود ربما لا يزال على قيد الحياة، بعد إفادة أحد الناجين الذين قالوا إنه كان محتجزاً لدى الدعم السريع. غير أن المعلومات اللاحقة ظلت متضاربة بين وجوده في معتقل سوبا أو في مواقع أخرى، دون تأكيد رسمي.
وأوضحت الزوجة أنها فتحت بلاغاً لدى الشرطة والنيابة، كما قدمت شكاوى إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر وإلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري عبر المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام.

ومن جهته قال المحامي شوقي يعقوب آدم، المنسق القطري للمركز الأفريقي، إن المركز رفع شكوى رسمية إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري بعد استكمال الإجراءات المطلوبة وموافقة الأسرة، مؤكداً أن اللجنة استلمت الشكوى وما تزال تتابعها مع الجهات المختصة.
كما أشارت الزوجة إلى أنها تواصلت مع نقابة الأطباء السودانيين التي نشرت بيانات عن الطبيب المفقود، لكنها لم تحصل على معلومات جديدة حول مصيره.

وخلال رحلة البحث تعرضت كذلك لمحاولات احتيال من أشخاص ادعوا امتلاك معلومات عن زوجها مقابل مبالغ مالية، قبل أن تكتشف أنهم يستغلون معاناة أسر المفقودين.

وتقول فاطمة إن أصعب ما تواجهه هو أسئلة طفلتها الصغيرة عن والدها الغائب، بينما تتحمل وحدها مسؤولية رعاية ابنتيها ومواصلة البحث عنه. ورغم مرور أكثر من عام على اختفائه، تؤكد أنها لا تزال متمسكة بالأمل في معرفة مصيره وعودته إلى أسرته. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *