الأرض بالجزيرة.. تحولت من مصدر إنتاج إلى عبء معيشة (15)
كتب: حسين سعد
الأرض في مشروع الجزيرة والمناقل، ليست مجرد مساحة تُزرع، بل ذاكرة جماعية تشكّلت حولها حياة كاملة، وتكوّنت واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا في علاقات الإنتاج بالسودان، بالجزيرة لم تكن الأرض ملكًا صامتًا، بل محورًا لعلاقات متشابكة بين المزارع والدولة والسوق، صاغت أنماط العيش، وحددت مواقع القوة، ورسمت حدود العدالة والاختلال معًا.
نشأت التشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية لمشروع الجزيرة والمناقل على توازنٍ دقيق: حواشات موزعة، عمل أسري موسمي، شراكات إنتاج، ونظام إداري كان يُفترض أن يضمن الاستقرار والإنصاف. غير أن هذا التوازن، مع تعاقب السياسات والتدخلات، تعرّض للاهتزاز. تغيّرت علاقات الإنتاج، وتراجعت الحماية الاجتماعية للمزارعين، وتعمّق التفاوت بين من يملكون القرار ومن يتحملون المخاطر. فأصبحت الأرض، التي كانت مصدر أمان، ساحة صراع اقتصادي واجتماعي مكتوم.
تنطلق ورقة (موضوع الأرض، التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية وعلاقات الإنتاج بمشروع الجزيرة) التي قدمها الأستاذ صديق عبد الهادي في مؤتمر مئوية مشروع الجزيرة والمناقل في العام 2025م التي نفذها موقع الاقتصادي السوداني بالتضامن مع المركز السوداني الأمريكي للبحوث والدراسات الاقتصادية تحت شعار (مشروع الجزيرة الحصيلة والوجهة بعد مرور مئة عام من المسير ) تنطلق الورقة من تفكيك علاقة الأرض بالتشكيلة الاقتصادية-الاجتماعية في مشروع الجزيرة والمناقل، وتبحث في كيفية تشكّل علاقات الإنتاج وتحوّلها عبر الزمن، وتأثير ذلك على العدالة الزراعية والاستقرار الاجتماعي. إنها محاولة لقراءة المشروع لا كحقلٍ زراعي فحسب، بل كنظام حياةٍ كامل، لا يمكن إصلاحه إلا بإعادة الاعتبار للأرض كحق، وللمزارع كفاعلٍ اقتصادي واجتماعي، لا كحلقة أضعف في سلسلة الإنتاج.
وقالت الورقة إن القطاع الزراعي في السودان بشقيه النباتي والحيواني، أي الرعوي، وكلاهما متأثران بقضية ملكية الأرض ومشاكلها. تشير التقديرات إل أن المساحة الصالحة للزراعة في السودان بعد الانفصال، في عام 2011، حوالي 60 مليون هكتار اي ما يعادل 144 مليون فدان، والمساحة المستغلة منها حوالي 28 مليون فدان ،أي ما يعادل 44,19% من مساحة الأرض الصالحة للزراعة. وتاريخيا تنتظم الأراضي الزراعية ثلاثة نظم للزراعة، وهي، أولا / الري المنتظم ويغطي حوالي 3,3 مليون فدان تقريبا ، أي ما يعادل 80,11% من مساحة الأراضي المستغلة، و 30,2% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وثانيا / النظام المطري الآلي ومساحته تقدر بحوالي 9,9 مليون فدان تقريبا ، أي ما يعادل 40,35% من مساحة الأراضي المستغلة، و90,6% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة ،ثالثا وأخيرا / النظام المطري التقليدي ويغطي مساحة وقدرها 8,14 مليون فدانا ، أي أنها تعادل 80,52% من مساحة الأراضي المستغلة وحوالي 24,10% من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، بالتقريب.]1[
وقال صديق: “على ضوء هذا الواقع نأتي لننظر الجزيرة والمناقل، بحسبه مشروعٌ يقوم على الري المنتظم. يحتوي المشروع على مساحة قدرها 2,2 مليون لأراضي مشروع فدانا . وقد أخذ المشروع 98 عاما بالتمام والكمال، ليصل إل هذه المساحة، وهي سنوات إمتدت منذ السنة التجريبية الأول للمشروع بمنطقة طيبة الشيخ عبد الباقي في العام 1910، حيث بدأ المشروع بـ250 فدانا فقط، وليصل إل مساحته الحالية 2,2 مليون فدان في العام 2008.
(1925) هي سنة افتتاح خزان سنار والبداية الرسمية لقيام مشروع الجزيرة، وهو الأمر الذي تظهره النسبة الضخمة في زيادة الأراضي التي اصبح يضمها المشروع، عليه، فإن النسبة المئوية لمساحة المشروع ) 2,2 مليون فدان( إل مساحة قطاع الري المنتظم) 3,3 مليون فدان( ،تساوي 67,66%، اي ثلثيه. فهذه النسبة أو السمة، إذا صح لنا القول، هي العامل الأساس في تفاقم مشاكل مشروع الجزيرة، إذ انها وبشكل واضح وكمساحة مغرية، ظلتْ تمثل الدافع الأول من وراء المحاولات المتكررة لإعادة صياغة الملكية بالنسبة لأراضيه! وهي محاولات بدأ التفكير فيها بعد فترة وجيزة من انتهاء عقد الشركة الزراعية) 1950(، والتي حلَّ محلها “مجلس إدارة مشروع الجزيرة”. وبالتحديد نجد أن محاولات التمهيد للخصخصة بدأت في العام 1960 من قبل البنك الدولي، وبواسطة لجنته التي عرفتْ في تاريخ الاقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة بـ”لجنة ريتس”.
وهنا يتبادر السؤال، ولماذا السعي لإعادة صياغة ملكية الأرض في المشروع، ولماذا المحاولة لمصادرة حق ملكيتها من أصحابها، إذا كان إغراءا او قهرا ، وتحت غطاء القانون في الحالتين؟!
إن واحدة من الإجابات عن هذا السؤال، والمرتبطة بالحقيقة التي ذكرناها أعلاه حول حجم المشروع المغري، حين مقارنته بالنسبة للقطاع المروي عموما ، كان أن اوردناها في مقام آخر، حيث تقول، “فهذا مشروع جاهز وبنياته التحتية الأساسية لا تحتاج سوى بضع ملايين من الدولارات لتعود لفعاليتها وسابق كفاءتها، فإذا كان الأمر كذلك فلمًَ المخاطرة بالاستثمار في مناطق زراعية اخرى؟!.” هذه هي الحقيقة الأول، والثانية هي توفر طريقة الري الانسيابي غير المكلفة في مشروع الجزيرة، وذلك مما يساعد على تخفيض تكلفة الإنتاج، وكما كان حادثا بالفعل منذ قيام المشروع. والحقيقة الثالثة هي توفر القوى العاملة الرخيصة، التي سيكون عرضها أكبر من طلبها، وذلك عندما يتم إخراج صغار وفقراء المزارعين من دائرة الملاك ومن ربوبية العمل نتيجة لسياسات” الاقتلاع من الجذور” التي تتبناها الرأسمالية الطفيلية الإسلامية ،ومن ثمّ انضمامهم إل جيش العمال الزراعيين، وليصبحوا جزءا منه. وأما الحقيقة الرابعة والأخيرة فتتمثل في الموقع الذي يتمتع به المشروع من حيث أفضلية القرب من وسائل النقل البرية، مثل السكك الحديدية والطرق السريعة وموانئ النقل البحري مثل بورتسودان وس واكن. إن موقع مشروع الجزيرة المثالي والنموذجي، لا تتوفر عليه غير مشاريع قليلة حول العالم!
فلأجل توظيف كل هذه الميزات في توسيع هامش الربح، وبالنتيجة في توسيع وتسريع عملية تراكم رأس المال، ذلكم الهدف الأسمى، كان السعي الدؤوب الذي لم ينقطع، لأجل إعادة صياغة ملكية الأرض في مشروع الجزيرة!
عليه، فمن جانبٍ آخر تكون هذه هي الإجابة المباشرة، ودونما مواراة، عن سؤالنا الأساس الذي أوردناه حول المحاولاتالمستميتة والمتكررة لأجل مصادرة حق ملكية أراضي المشروع.
ملكية الأرض وتركيبتها العضوية :
إن قضية ملكية الأرض في مشروع الجزيرة والمناقل تمثل واحدة من الحالات النادرة، ليس بالنسبة لقضايا الأرض في السودان وإنما على مستوى العالم. فهي حالة نادرة، حيث تتوزع ملكية الأرض في المشروع بين أرضٍ مملوكة ملكا حرا للأهالي، وقدرها تسعمائة الف فدانا تقريبا ، وتمثل 41% من أرض المشروع، وأرض مملوكة ملكية عامة ،أي تملكها الدولة، وقدرها مليون وثلاثمائة الف فدان تقريبا وهي تمثل 59% من أرض المشروع .
هذا من حيث ملكية الأرض .
وأما من حيث أن الأرض وسيلةٌ للإنتاج، أي حواشات، فهناك مزارعون يملكون ملكا حرا ، ومزارعون يملكون ملك منفعة، وكلاهما يعتبر، وفقا لقوانين المشروع، مستأجر ، ثم هناك الدولة المالكة للمشروع بحكم ما تملكه من أراضيٍ فيه، وبحكم ما قامت بإيجاره إيجارا قسريا من أصحاب الملك الحر، وأعطته للذين لا يملكون أرضا ، أي أعطته لهم كملك منفعة .
وحتى أصحاب الملك الحر ينقسمون إل فئتين، فئة تقيم بالمشروع ويسكنون فيه، وفئة اخرى يملكون أرضا بالمشروع ولكن لا يقيمون في منطقة الجزيرة، ومن أمثال ذلك “عدد من الاقباط السودانيين.
وقد يكون من المفيد أن نشير أيضا إل أن مساحة أرض الملك الحر، ومن حيث توزعيها الجغرافي في المشروع، نجد أنه يقع منها 410 الف فدان في منطقة الجزيرة الأم، أي 6,45%، و490 الف فدان منها في منطقة إمتداد المناقل، اي ما نسبته 4,54%.
هذا هو التركيب العضوي لأرض مشروع الجزيرة من حيث ملكيتها وجغرافيتها ومن جانب الانتفاع بها. ولكن، لنأتي ولننظر في ملكيتها، وهذا هو الأهم .
وقال صديق :سننظر لقضية ملكية ارض مشروع الجزيرة من ثلاث منطلقات. اولا / من منطلق قوانين الأرض في السودان، وثانيا / من منطلق تقارير اللجان التي حاولت أن تعالج مشكلة ملكية الأرض في مشروع الجزيرة بشكلٍ خاص، ثم ثالثا وأخيرا / ننظر إليها من خلال القوانين الخاصة بمشروع الجزيرة، أي القوانين الخاصة بتنظيم العمل وبعلاقات الإنتاج والشراكة فيه.
بخصوص قوانين الأرض، إن أول قانون خاص بالأراضي في السودان صدر في العام 1899، هذا بالطبع إذا استثنين “لائحة الأطيان السعيدية” في 1857. إنه، ووفقا لقانون 1899، تمَّ ولأول مرة تسجيل الأراضي للأفراد، “بعد ذلك صدرت عدة قوانين بلغت ثلاثة عشر قانونا للأراضي أهمها: قانون ملكية الأراضي لسنة 1905 وقانون تسجيل الحجج لسنة 1907 ثم قانون تحديد الأراضي غير المشغولة ومساحتها لسنة 1922، ثم أخيرا قانون تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925 والذي يعتبر أهم القوانين المتعلقة بتسجيل الأراضي والتعامل فيها. عملت جملة هذه القوانين على مسح الأراضي، وتسجيلها، ووضع الضوابط الخاصة بالتصرف في الأراضي سواء بالبيع أو الهبة أو الميراث أو غيرها، حيث أشتُرطًَ التسجيل كشرط للتصرف في الأرض.
في العام 1927 صدر القانون المعروف ب ـ”قانون أراضي الجزيرة للعام 1927″، ومن أهم ما جاء في هذا القانون هو موضوع الإيجار القسري للأرض من الملاك، حيث نصت المادة 8 منه . (يتبع)

