الإثنين, أغسطس 10, 2026
تقاريرسياسة

مختصون وخبراء: التهميش صنع النزاعات وصراع الهوية أنتج سياسات إقصائية

في ندوة حملة مناهضة العنصرية..

السفير إبراهيم طه أيوب: توظيف الهويات غذّى الحرب.. والسلام يبدأ بدولة المواطنة

الدكتور عبد المنعم خليفة: التهميش التنموي صنع بيئة للنزاعات

تقرير: حسين سعد

لم تُشعل الحرب في السودان جبهات القتال فحسب، بل أشعلت أيضاً أخطر معاركها داخل المجتمع، حيث تمددت العنصرية، وتصاعد خطاب الكراهية، وتحولت الهويات القبلية والإثنية إلى أدوات للتحريض والاستقطاب، في مشهد يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي وتقويض أسس الدولة الوطنية. وبينما تتواصل الحرب، تتعاظم الحاجة إلى مواجهة الأسباب التي صنعت هذا الواقع، وفي مقدمتها التهميش، وغياب العدالة، وسوء إدارة التنوع، والإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، دعت ندوة نظمتها حملة “سودان محبة” على منصة كلوب هاوس بعنوان “من التهميش الاقتصادي إلى خطاب الكراهية.. نحو دولة العدالة والمواطنة والتنوع” بمشاركات شعرية قدمها كل من الدكتور صلاح الزين والدكتور معتصم بيضاب ومشاركات فنية من الفنانة الابنوسية فدوى فريد والفنان الشاب حمزة كاسترو والفنانة نانسي عجاج وكورال معهد الموسيقى.. حيث أكد المتحدثين في الندوة أن تفكيك العنصرية لا يبدأ بإدانة خطابها فقط، وإنما بمعالجة جذوره البنيوية، وبناء دولة المواطنة المتساوية التي تقوم على العدالة الاجتماعية، والتنمية المتوازنة، وسيادة القانون، واحترام التنوع باعتباره مصدر قوة ووحدة، لا سبباً للفرقة والصراع.

جذور تاريخية لعدم التوازن

استعرض الدكتور عبد المنعم خليفة تطور الاقتصاد السوداني منذ بدايات الحكم الثنائي، مبيناً أن السياسات الاستعمارية ركزت بصورة أساسية على مشروعات تخدم المصالح الاقتصادية البريطانية، وفي مقدمتها زراعة القطن بمشروع الجزيرة والمناقل، إلى جانب إنشاء شبكة السكك الحديدية لتسهيل تصدير المنتجات الزراعية وربط الموانئ، بينما ظلت أقاليم واسعة، وعلى رأسها دارفور، خارج دائرة التنمية الحديثة.

وأشار إلى أن هذا النمط من التنمية خلق تفاوتاً هيكلياً بين الأقاليم، إذ حظيت مناطق محددة بالبنية التحتية والخدمات والتعليم، في حين بقيت مناطق أخرى تعاني ضعف الاستثمار وغياب المؤسسات التعليمية والخدمية، الأمر الذي أسس لشعور متراكم بالإقصاء.

وأضاف أن الدولة بعد الاستقلال حاولت معالجة الاختلالات عبر إقامة مشروعات تنموية وصناعية في بعض المناطق الأقل نمواً، إلا أن عدداً كبيراً من هذه المشروعات افتقر إلى دراسات الجدوى الاقتصادية، ففشل في تحقيق أهدافه التنموية، وأدى إلى إهدار الموارد بدلاً من تقليص الفجوة التنموية.

دروس من التجارب التنموية

ورأى عبد المنعم أن تحقيق العدالة التنموية لا يتم عبر توزيع المشروعات بصورة رمزية لإرضاء الأقاليم، وإنما من خلال تنفيذ مشروعات تستند إلى دراسات علمية، وتستجيب للموارد المحلية واحتياجات المجتمعات.
وضرب أمثلة بعدد من المشروعات التي تعثرت بسبب ضعف التخطيط، مؤكداً أن الخلط بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية كان من أبرز أسباب الفشل، داعياً إلى الفصل بين الاعتبارات التنموية والاعتبارات السياسية عند تصميم المشروعات المستقبلية.

وفي المقابل، أشار خليفة إلى نجاح بعض المبادرات التنموية التي اعتمدت على استثمار الموارد المحلية، مثل مشروع تنمية جبل مرة ومشروع تنمية غرب السافنا، اللذين ركزا على تحسين الإنتاج الزراعي، وتنمية الثروة الحيوانية، وتوفير المياه والخدمات الريفية، بما انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان.

من التهميش إلى خطاب الكراهية

وفي معرض حديثه عن العلاقة بين التهميش وخطاب الكراهية، أوضح عبد المنعم خليفة أن التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لا ينتج فقط الفقر والحرمان، وإنما يولد أيضاً الإحساس بالظلم والإقصاء، وهي بيئة خصبة لتنامي النزاعات وبروز الخطابات العنصرية.
وأشار إلى أن التغيرات البيئية، مثل التصحر وتدهور الأراضي والصراع على الموارد الطبيعية، أسهمت كذلك في تعقيد الأوضاع، خاصة في دارفور، حيث تداخلت الأبعاد الاقتصادية مع النزاعات حول الأرض والموارد.

وأضاف أن الحرب الأخيرة عمّقت هذه المرارات، وأنتجت حساسيات اجتماعية جديدة تتطلب معالجة دقيقة، محذراً من أن آثار الحرب قد تكون أكثر تعقيداً من المظالم التاريخية إذا لم تُعالج في إطار مشروع وطني شامل يضمن العدالة وعدم الإفلات من العقاب.

العدالة شرط للمصالحة

وأكد خليفة أن أي عملية مصالحة وطنية بعد انتهاء الحرب يجب أن ترتكز على تحقيق العدالة، مشيراً إلى أن تجارب المصالحة الدولية، وعلى رأسها تجربة جنوب أفريقيا، تقدم دروساً مهمة، أبرزها أن المصالحة لا يمكن أن تكون مستدامة إذا تجاهلت حقوق الضحايا أو سمحت بالإفلات من العقاب.
كما دعا إلى إحياء الآليات المجتمعية السودانية التقليدية في إدارة النزاعات، مثل الأجاويد ومؤتمرات الصلح الأهلي، وربطها بمؤسسات العدالة وسيادة القانون، بما يعزز فرص التعايش والسلم الاجتماعي.

مشروع نهضوي بعد الحرب

واختتم عبد المنعم خليفة مداخلته بالتأكيد على أن السودان بحاجة إلى مشروع نهضوي اقتصادي واجتماعي يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لتنمية متوازنة بين الأقاليم، ويضمن مشاركة المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ، بدلاً من فرض السياسات من المركز.
وشدد على أن المرحلة الانتقالية المقبلة ينبغي ألا تكرر أخطاء الفترات السابقة، بل تستند إلى رؤية استراتيجية تحول التنوع السوداني إلى مصدر قوة، وتعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والتنمية المتوازنة، باعتبارها الضمان الحقيقي للسلام والاستقرار ومنع تجدد النزاعات وخطاب الكراهية.

توظيف الهويات..

من جهته حذر السفير إبراهيم طه أيوب من أن الحرب الدائرة في السودان لم تقتصر على تدمير المدن والبنية التحتية، بل أطلقت أخطر أشكال الانقسام الاجتماعي عبر توظيف الهويات الإثنية والقبلية والدينية في الصراع السياسي والعسكري، الأمر الذي جعل من مواجهة خطاب الكراهية قضية وطنية ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة السودانية.

وأكد خلال مداخلته في الندوة أن القضاء على هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم عبر الإدانات الأخلاقية أو المبادرات الموسمية، وإنما من خلال استراتيجية وطنية شاملة تتضمن إصلاحاً قانونياً وتشريعياً، وبرامج للتوعية، وإصلاحاً للمناهج والإعلام، وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني والشباب في نشر ثقافة السلام والتعايش.

الكراهية صناعة سياسية..

رأى أيوب أن خطاب الكراهية لم ينشأ بصورة عفوية، وإنما جرى توظيفه سياسياً لخدمة مشاريع السلطة والحرب، مشيراً إلى أن القوى التي أشعلت الحرب كانت تدرك مسبقاً أن تعبئة المجتمعات على أسس قبلية وجهوية ستوفر لها الوقود اللازم لاستمرار الصراع.
وقال إن الحرب عمقت الانقسامات الاجتماعية، ورسخت الاستقطاب القبلي، وحولت الانتماءات المحلية إلى أدوات للصراع، بينما أصبح المدنيون هم الضحية الأساسية لهذا التوظيف السياسي للهويات.
وأضاف أن طرفي الحرب استخدماء الانتماء القبلي ستاراً لتحقيق مصالح قياداتها السياسية والعسكرية، مؤكداً أن هذه القيادات لم تحقق أي مكاسب حقيقية للمجتمعات التي تزعم تمثيلها، وإنما استفادت هي وحدها من استمرار الحرب.

أزمة الهوية

واعتبر السفير إبراهيم طه أيوب أن إحدى جذور الأزمة السودانية تكمن في الطريقة التي أُدير بها سؤال الهوية منذ الاستقلال.
وقال إن السودان ظل يعيش حالة ارتباك بين الانتماء العربي والانتماء الأفريقي، بينما تؤكد حقائق الجغرافيا والتاريخ والتكوين السكاني أن البلاد جزء أصيل من أفريقيا، وأن الاعتراف بهذا الواقع لا ينتقص من أي مكون ثقافي، وإنما يؤسس لهوية وطنية جامعة تتسع للجميع.
وأوضح أن استمرار الصراع حول تعريف الهوية أنتج سياسات إقصائية، وأسهم في تكريس التمييز والتهميش، داعياً إلى تجاوز هذا الجدل عبر ترسيخ مفهوم السودانوية باعتبارها الهوية السياسية الجامعة لكل السودانيين، بصرف النظر عن أصولهم أو لغاتهم أو معتقداتهم.

دولة المواطنة هي الحل..

وشدد أيوب على أن الخروج من الأزمة السودانية يبدأ ببناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على الامتيازات القائمة على العرق أو القبيلة أو الدين.
وأكد أن المواطنة ليست مجرد نص دستوري أو شعار سياسي، وإنما تمثل الضمانة الوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار، لأنها تمنح جميع المواطنين الحقوق نفسها دون تمييز، وتعيد توزيع السلطة والثروة على أسس عادلة.
وأضاف أن الطريق نحو السودان الجديد لا يمر عبر انتصار طرف مسلح على آخر، وإنما عبر تسوية دستورية تعترف بالتنوع، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لمؤسسات وطنية مستقلة.

إصلاح جذري لمواجهة العنصرية

ودعا السفير إلى اعتماد إطار قانوني واضح يعرّف خطاب الكراهية وفق الخصوصية السودانية، مع إطلاق حملات وطنية واسعة تستهدف المواطنين والإعلاميين ومؤسسات التعليم ومنظمات المجتمع المدني.

وأكد أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبيرة في مواجهة التحريض، مشيداً بالإعلاميين الذين حافظوا على المهنية خلال الحرب، في مقابل انتقاده للمنابر التي ساهمت في تأجيج الانقسامات وخدمة أجندة الحرب.

كما شدد على أهمية تنشئة الأجيال الجديدة على قيم الحوار والتسامح، معتبراً أن القضاء على العنصرية يبدأ من المدرسة والأسرة والإعلام.

الاستفادة من التجارب الدولية

واستعرض أيوب عدداً من التجارب الدولية التي عمل فيها، خاصة في الهند وإثيوبيا وكينيا، موضحاً أن إدارة التنوع لا تتحقق بإنكار الاختلافات، وإنما بالاعتراف بها داخل إطار دستوري يكفل المساواة الكاملة.
وأشار إلى التجربة الهندية بوصفها نموذجاً لإدارة التنوع اللغوي والثقافي، حيث تعترف الدولة بعشرات اللغات المحلية وتوفر لها الحماية القانونية، بما يعزز شعور جميع المكونات بالانتماء للدولة.
ورأى أن السودان بحاجة إلى سياسة مماثلة تمنح اللغات والثقافات المحلية مكانتها المستحقة، باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية، وليس تهديداً لها.

مراجعة السياسة الخارجية..

وفي جانب آخر من حديثه، طرح السفير الذي شغل منصب وزير خارجية السودان في العام ١٩٨٥م طرح رؤية تدعو إلى إعادة النظر في موقع السودان داخل جامعة الدول العربية، معتبراً أن قرار الانضمام إليها لم يخضع لنقاش شعبي واسع، وداعياً إلى فتح حوار وطني حول علاقات السودان الإقليمية بما ينسجم مع هويته ومصالحه الوطنية.
وأكد أن مستقبل السودان ينبغي أن يُبنى على أساس استقلال القرار الوطني بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية، مع تعزيز الانفتاح على محيطه الأفريقي.
وربط أيوب بين هذه الرؤية وأهداف الحملة الوطنية لمناهضة العنصرية وخطاب الكراهية، مؤكداً أن نجاحها يتطلب شراكة واسعة بين المثقفين والإعلاميين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية.

واعتبر أن مواجهة العنصرية ليست معركة قانونية أو إعلامية فقط، بل مشروع وطني لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، وترسيخ ثقافة احترام التنوع، وإحياء قيم ثورة ديسمبر القائمة على الحرية والسلام والعدالة.
واختتم السفير إبراهيم طه أيوب مداخلته بالتأكيد على أن السودان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في إنتاج دوائر الحرب عبر خطاب الكراهية والاستقطاب، وإما الشروع في بناء دولة المواطنة التي تتسع لجميع السودانيين دون تمييز. وشدد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بالسلاح أو بالغلبة العسكرية، وإنما بإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المساواة والعدالة واحترام التنوع، معتبراً أن تفكيك العنصرية وخطاب الكراهية يمثل الخطوة الأولى في استعادة الدولة وصون وحدة السودان وبناء مستقبل يقوم على السلام والديمقراطية والكرامة الإنسانية

العنصرية ليست قدرا..

وفي الختام خلصت الندوة إلى أن معركة السودانيين اليوم لا تقتصر على إيقاف الحرب، بل تمتد إلى تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي غذّت الصراع، ورسخت خطاب الكراهية، وحولت التنوع إلى أداة للاستقطاب والاقتتال. فالعنصرية ليست قدراً تاريخياً، وإنما نتاج سياسات الإقصاء، والتهميش، والاستغلال السياسي للهويات، وهي سياسات لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
وأكدت المداخلات أن السلام الحقيقي لا يصنعه انتصار طرف على آخر، ولا تفرضه اتفاقيات سياسية هشة، وإنما تبنيه دولة عادلة يشعر فيها كل مواطن، أياً كان انتماؤه العرقي أو الثقافي أو الديني أو الجغرافي، بأنه شريك كامل في الحقوق والواجبات والثروة والسلطة. فدولة المواطنة ليست شعاراً سياسياً، بل الضمانة الوحيدة لحماية وحدة السودان ومنع عودة الحرب.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو مواجهة العنصرية وخطاب الكراهية مسؤولية وطنية جماعية، تتقاسمها الدولة، والقوى السياسية، والإعلام، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، والمثقفون، والشباب، من أجل استعادة النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب. فإما أن ينجح السودانيون في تحويل تنوعهم إلى قاعدة للوحدة وبناء السلام والديمقراطية، وإما أن يظل خطاب الكراهية وقوداً لدورات جديدة من العنف والانقسام. ومن هنا، فإن الطريق إلى السودان الجديد يبدأ بإعلاء قيم المواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية، بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه دولة السلام، لا دولة الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *