السبت, أغسطس 15, 2026
تقاريرسياسة

المفقودون.. جرح غائر يمتد من الحروب الأهلية إلى حرب أبريل (29)

كتب: حسين سعد

قضية المفقودين في السودان واحدة من أكثر الملفات الإنسانية والحقوقية تعقيدًا وإيلامًا، إذ تمتد جذورها عبر عقود من النزاعات المسلحة، لتكشف حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين في ظل غياب العدالة والمساءلة، منذ الحروب الأهلية التي شهدتها البلاد، من جنوب السودان قبل الانفصال، مروراً بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولاً إلى الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، ورغم تغيّر الأنظمة السياسية وتعاقب الحكومات، ظل هذا الملف بلا معالجة جذرية، ما جعل آلاف الأسر تعيش في حالة انتظار مفتوح بين الأمل وفقدان اليقين.

الحروب الأهلية والاختفاء القسري:
خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان، ثم في جنوب كردفان والنيل الأزرق، سجلت حالات واسعة من الاختفاء القسري، سواء عبر الاعتقالات غير القانونية أو الإعدامات الميدانية أو النزوح القسري، فُقد آلاف المدنيين والعسكريين في ظروف متعددة، من بينها الاعتقالات التعسفية وأعمال العنف في مناطق القتال، دون توثيق رسمي لمصيرهم.
اتُهمت أطراف النزاع في تلك الفترات بممارسة احتجازات سرية وإخفاء مصير المعتقلين، دون تقديم معلومات عن أماكنهم أو أوضاعهم، ما جعل آلاف الأسر تعيش في حالة انتظار دائم بين الأمل والغياب، وقد أسست تلك المرحلة لواقع أصبح فيه “الاختفاء” جزءًا من بنية الحرب نفسها، وليس مجرد نتيجة عرضية لها، كما شكلت حرب دارفور أحد أبرز الملفات الإنسانية عالميًا، حيث امتزجت جرائم القتل الجماعي والتهجير القسري مع حالات واسعة من الاختفاء، فقدت أسر بأكملها أبناءها خلال الهجمات أو المداهمات، بينما ظل مصير آخرين مجهولًا حتى اليوم. وقد وثقت منظمات دولية وجود مقابر جماعية واعتقالات خارج إطار القانون، ما جعل ملف المفقودين جزءًا أساسيًا من مطالب العدالة لضحايا دارفور.

ومن جهتها وثّقت تقارير دولية ومنظمات حقوقية حالات واسعة من الاختفاء القسري، إلى جانب المقابر الجماعية والتهجير القسري، حيث لا يزال مصير آلاف الأشخاص مجهولاً حتى اليوم، أما في جبال النوبة والنيل الأزرق، فقد تكررت أنماط الاختفاء خلال العمليات العسكرية، سواء عبر الاعتقال أو الاختفاء في مناطق النزاع، دون آليات مساءلة أو تتبع رسمي، هذه الحروب رسخت واقعاً خطيراً يتمثل في تحول “الاختفاء” إلى جزء من بنية النزاع وليس مجرد نتيجة.

ثورة ديسمبر ومجزرة القيادة العامة:
مع اندلاع ثورة ديسمبر 2018، عاد ملف المفقودين إلى الواجهة من جديد، حيث سُجلت حالات اختفاء لمتظاهرين بعد اعتقالهم خلال الاحتجاجات، لكن مجزرة القيادة العامة في 3 يونيو 2019 شكلت اللحظة الأكثر مأساوية، إذ قُتل المئات وفُقد مثلهم، أو أكثر بعضهم أُلقيت جثثهم في النيل، وآخرون لم يُعثر عليهم حتى اليوم، ورغم المطالبات الواسعة بفتح تحقيق مستقل، فإن غياب العدالة الانتقالية والإرادة السياسية أبقى الملف دون حسم، ليظل أحد أكثر ملفات الثورة غموضًا وإيلامًا.

حرب أبريل 2023:
أدى اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 إلى أكبر موجة اختفاء في تاريخ السودان الحديث، فقد انقطعت أخبار آلاف الأشخاص خلال القتال في الخرطوم ودارفور والجزيرة، أو أثناء النزوح الجماعي نحو مناطق أكثر أمنًا. كما أُبلغ عن حالات اعتقال في نقاط تفتيش، وأخرى اختفت تحت القصف أو خلال محاولات الفرار، وتشير تقارير حقوقية إلى احتمال وجود مراكز احتجاز سرية، إضافة إلى دفن جثث في مقابر جماعية لم يتم توثيقها أو الكشف عنها، ما يوسع نطاق الشكوك حول مصير العديد من المفقودين، ورغم المطالبات المتكررة بفتح تحقيق مستقل، ظل الملف عالقاً بفعل غياب العدالة الانتقالية وتداخلات سياسية عطّلت كشف الحقيقة، كما يفتقر السودان حتى اليوم إلى آلية وطنية مستقلة لتوثيق حالات المفقودين أو تحديد مصيرهم، ولا توجد قاعدة بيانات رسمية موحدة، فيما تُقابل بلاغات الأسر في كثير من الأحيان بالتجاهل أو التسييس، الأمر الذي عمّق الأزمة وحوّلها إلى جرح مفتوح ومتجدد، وتمثل قضية المفقودين اختبارًا مباشرًا لمنظومة العدالة في السودان، ويعتبرالاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي عندما يُمارس بشكل واسع أو منهجي، وتلتزم الدول، بموجب القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان، بكشف مصير المفقودين وضمان حق الأسر في معرفة الحقيقة، كما يؤدي استمرار الإفلات من العقاب إلى تقويض الثقة بين المجتمع والدولة، ويخلق الغموض حالة من التمزق الأسري والاجتماعي المستمر، ويقول المحامي والمدافع عن حقوق الانسان سمير مكين في حديثه مع مدنية نيوز : إن ظاهرة الاختفاء القسري في السودان “متجذرة في تاريخ النزاعات الداخلية”، وتعكس غياب الإرادة السياسية لمحاسبة المسؤولين عنها، ويشير إلى أن القانون الجنائي السوداني لم يتضمن حتى الآن تجريماً صريحاً للاختفاء القسري، رغم انضمام السودان مؤخراً إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة خلال الفترة الانتقالية، إلا أن عملية إدماج هذه الالتزامات في القانون الوطني لم تكتمل، ويضيف أن الإطار القانوني لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري لم يتبلور بشكل واضح إلا في السنوات الأخيرة، تحديداً بعد عام 2010، دون أن يرافقه تطبيق فعلي أو سياسات حماية فعالة، كما يوضح أن تكرار هذه الحالات عبر التاريخ السوداني، دون اتخاذ تدابير حقيقية للكشف عن مصير الضحايا، يعكس غياب إرادة الدولة في المعالجة الجذرية للملف، باستثناء بعض المبادرات المحدودة خلال الفترة الانتقالية، والتي واجهت بدورها عراقيل سياسية وقانونية، ويؤكد مكين أن النتيجة المباشرة لذلك هي غياب سياسات حماية واضحة، وضعف أو انعدام سبل الانتصاف، واستمرار المعاناة غير الإنسانية لأسر المفقودين.

تقرير فولكر:
وخلال حوار تفاعلي عقده مجلس حقوق الإنسان حول الوضع في السودان، قدم تورك مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فبراير 2026م قدم تقريرا وصفه بأنه “فصل آخر في سجل من الوحشية”. وذكر أن التقرير يوثق أنماطا مستمرة من العنف ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والاغتصاب والتعذيب.

وقال إن انتهاكات القانون الدولي من جميع أطراف النزاع تصاعدت مع اشتداد القتال، في ظل غياب المساءلة، ووفق البيانات التي وثقها مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فقد ارتفع قتل المدنيين في عام 2025 بأكثر من مرتين ونصف مقارنة بالعام الذي سبقه، بينما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين أو لم يتم التعرف عليهم، وتحدث عن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة المتطورة بعيدة المدى مما أدى إلى توسيع نطاق الأضرار اللاحقة بالمدنيين ليشمل مناطق كانت آمنة، بعيدة عن خطوط المواجهة، وقال إن الأطراف – وبشكل رئيسي قوات الدعم السريع – استخدمت بشكل متكرر الطائرات المسيرة لاستهداف بنى تحتية حيوية، بما في ذلك محطات الكهرباء والسدود وخزانات الوقود، مما خلف آثارا هائلة على المدنيين، انتهاك أجساد النساء والفتيات “وأوضح أن أجساد السيدات والفتيات السودانيات تُستخدم كسلاح لترويع المجتمعات”، كما قال فولكر تورك. وأضاف أن مكتبه حدد في عام 2025 أكثر من 500 ضحية للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والتعذيب الجنسي والاستعباد، وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى الوفاة.

كما وثق المكتب ارتفاعا حادا في الإعدام بإجراءات موجزة لمن يُتهم بالتعاون مع الجانب الآخر. وتحدث المسؤول الأممي أيضا عن الاحتجاز التعسفي واسع النطاق من قبل الطرفين والميليشيات المتحالفة معهما، وفي مناطق خاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، قال إن مدنيين أوقفوا وأدينوا دون إجراءات قانونية سليمة، وانتهت العديد من المحاكمات بأحكام بالإعدام أو السجن المؤبد. كما لا يوجد نظام عدالة رسمي في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان إن سيطرة قوات الدعم السريع على مخيم زمزم في أبريل 2025م، وعمليتها الهجومية على الفاشر في أكتوبر 2025م أدت إلى مذبحة أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص، ووصلت إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية
ونبه إنه حذر مرارا من المخاطر التي واجهت الفاشر، ولكن “المذبحة لم تُمنع”.

وفيما تنتقل بؤرة الحرب إلى منطقة كردفان، أعرب المسؤول الأممي عن القلق البالغ بشأن احتمال تكرار هذه الجرائم، وتحدث تورك أيضا عن الأوضاع المروعة للأشخاص ذوي الإعاقة الذين تزداد أعدادهم بعد كل هجوم، واستهداف العاملين في مجالي الصحة والإغاثة وقوافل المساعدات، وحرمان نحو 13 مليون طفل من التعليم بسبب قصف المدارس أو استخدامها لأغراض عسكرية أو إغلاقها. (يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *