الخميس, سبتمبر 10, 2026
مقالات

تهميش الدولة للمعلم والمعلمة

تحليل: حسين سعد

قضية مرتب المعلم في بلادي ليست قضية مطلبية تتعلق بتحسين الأجور فقط ، بل نموزج باهر لاختلال الأولويات الاقتصادية والسياسية للدولة. حصول المعلم والمعلمة الذين علمونا ( كل شئ ولم يبخلوا علينا) ومازالوا في مواصلة الرسالة السامية في تعليم أجيال كاملة وصناعة رأس المال البشري للبلاد، على متوسط راتب لا يتجاوز 128,125 جنيهًا شهريًا، بينما تحتاج أسرة مكونة من خمسة أفراد إلى نحو 4.18 مليون جنيه لتغطية احتياجاتها الأساسية، فإن المسألة تتجاوز حدود الفقر الوظيفي لتصبح أزمة دولة ومستقبل.

وتكشف دراسة أعدها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين السودانيين في سبتمبر 2026 حجم الفجوة بين دخل المعلم وتكلفة المعيشة؛ إذ لا يغطي متوسط راتب المعلم سوى نحو 3% من الاحتياجات الأساسية للأسرة، بعجز شهري يصل إلى نحو 4.05 مليون جنيه. وفي ظل هذه المعادلة القاسية، يصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن لمعلم يعجز راتبه عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة أن يواصل أداء واحدة من أكثر المهن أهمية في المجتمع؟

مطالبة استاذتي في لجنة المعلمين والتحية لهم ولهن برفع الحد الأدنى للأجور إلى 370,500 جنيه، وسداد كامل المتأخرات والرواتب المحتجزة عن عامي 2023 و2024، ليست ترفا اقتصاديًا ولا محاولة للحصول على امتيازات استثنائية، وإنما تمثل الحد الأدنى من الاستجابة لأزمة معيشية حقيقية يعيشها المعلمون منذ سنوات، تفاقمت بصورة كارثية مع الحرب والانهيار الاقتصادي.

الشعب السوداني يعاني اليوم من ويلات الحرب الكارثية ومن الانهيار التسارع للاقتصاد الذي يضع ملايين العاملين أمام معادلة مستحيلة: أسعار ترتفع بصورة مستمرة، مقابل دخول ثابتة أو متآكلة بفعل التضخم وانخفاض قيمة العملة الوطنية التي تهاوت أمام العملة الأجنبية . لكن تأثير هذه الأزمة على المعلمين أكثر خطورة، لأن انهيار أوضاعهم المعيشية لا ينعكس عليهم وحدهم، بل يمتد مباشرة إلى قطاع التعليم بأكمله.

فالحد الأدنى الرسمي للأجور، بحسب الدراسة، لا يتجاوز 12 ألف جنيه شهريًا، أي نحو 1.8 دولار. وهو رقم يعكس عمق الانهيار أكثر مما يعكس مجرد تدني الأجور. وعندما تتم مقارنة هذا الرقم بالحد الأدنى للأجور في دول أخرى بالمنطقة، تظهر الفجوة بصورة أكثر وضوحًا؛ إذ يبلغ نحو 313 دولارًا في لبنان، و365 دولارًا في المغرب، و157 دولارًا في مصر، و100 دولار في تشاد.

لا تعني المقارنة بالضرورة أن الأوضاع الاقتصادية في تلك الدول متشابهة مع السودان، لكنها تكشف حجم التدهور الذي أصاب قيمة العمل والدخل في السودان، وتطرح سؤالًا سياسيًا حول موقع العامل والمعلم تحديدًا في سلم أولويات السياسات العامة.

المعلم ليس بندًا في الموازنة
الخطأ الأكبر في التعامل مع قضية المعلمين هو النظر إليهم باعتبارهم بندًا من بنود الإنفاق العام يمكن تقليصه كلما تعرضت الدولة لأزمة مالية. فالمعلم ليس تكلفة على الاقتصاد، وإنما هو استثمار مباشر في الاقتصاد والمجتمع والدولة.

كل جنيه يُنفق على تحسين أوضاع المعلمين هو في جوهره استثمار في رأس المال البشري. وكل عام يضيع فيه التعليم يعني خسارة اقتصادية طويلة المدى، لأن الطفل الذي لا يحصل على تعليم جيد اليوم سيصبح غدًا أقل قدرة على المشاركة في سوق العمل، وأقل قدرة على الابتكار والإنتاج والمنافسة.

ولهذا فإن حماية المعلم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها استجابة لمطلب نقابي فقط، وإنما باعتبارها جزءًا من سياسة اقتصادية وطنية لإعادة بناء السودان.

الحرب الكارثية التي يجب لم تدمر المنشآت والبنية التحتية فقط، بل ضربت أيضًا المؤسسات التي تقوم عليها الدولة والمجتمع، وفي مقدمتها التعليم. ملايين الأطفال والطلاب أصبحوا خارج مقاعد الدراسة، ومئات المدارس تعرضت للدمار أو توقفت عن العمل، بينما اضطر معلمون إلى النزوح وفقدان مصادر دخلهم والاستقرار الذي يسمح لهم بممارسة مهنتهم.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح المعلم خط الدفاع الأول عن حق الأطفال في التعليم.

فالمعلم الذي يذهب إلى الفصل في ظروف الحرب والنزوح وانعدام الاستقرار لا يؤدي وظيفة عادية؛ إنه يحاول الحفاظ على واحدة من أهم مؤسسات المجتمع من الانهيار. ولذلك فإن استمرار تجاهل رواتب المعلمين أو تأخير مستحقاتهم لا يهدد معيشتهم فقط، بل يهدد قدرة السودان على استعادة نظامه التعليمي بعد توقف الحرب.

مطالبة لجنة المعلمين بسداد الرواتب والمتأخرات المحتجزة عن عامي 2023 و2024 تحمل بعدًا اقتصاديًا وإنسانيًا بالغ الأهمية. فالراتب بالنسبة للمعلم ليس رقمًا محاسبيًا، وإنما هو الغذاء والسكن والعلاج والمواصلات وتعليم الأبناء.

وكل شهر يتأخر فيه الراتب يعني تراكمًا جديدًا للديون، وتراجعًا في القدرة الشرائية، واضطرارًا إلى البحث عن مصادر دخل بديلة. وهذا يخلق بدوره اقتصادًا موازيًا داخل المهنة، حيث يضطر بعض المعلمين إلى العمل في مهن أخرى بعد ساعات الدوام، أو مغادرة التعليم بحثًا عن مصدر دخل أكثر قدرة على توفير الحد الأدنى من المعيشة.

إذا كان السودان يستعد يومًا ما لإعادة الإعمار، فإن إعادة بناء المدارس وحدها لن تكون كافية. يمكن إعادة تشييد مبنى مدرسي خلال أشهر، لكن بناء معلم مؤهل يحتاج إلى سنوات من التدريب والخبرة والممارسة.

ومن ثم، فإن أي مشروع جاد لإعادة بناء السودان يجب أن يضع المعلم في مقدمته ، من خلال سياسة واضحة للأجور، وسداد المتأخرات، وتحسين بيئة العمل، وتوفير التدريب المستمر، والحماية الاجتماعية والصحية، وضمان انتظام الرواتب.

كما أن إعادة بناء الاقتصاد الوطني لن تنجح من دون إعادة بناء منظومة التعليم. فالاقتصاد الحديث يقوم على المعرفة والمهارات والإنتاجية، وهذه كلها تبدأ من المدرسة والمعلم.

قضية المعلمين قضية دولة
المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة المعلمين بالمسكنات أو الوعود المؤجلة، وإنما الاعتراف بأن انهيار دخل المعلم يمثل مؤشرًا على أزمة أعمق في إدارة الموارد والأولويات العامة.

فالبلد الذي يستطيع أن ينفق على الحرب، ويعجز عن توفير راتب يكفي المعلم لإعالة أسرته، يحتاج إلى مراجعة جادة لأولوياته الاقتصادية والسياسية. والبلد الذي يريد بناء سلام مستدام لا يستطيع أن يترك ملايين الأطفال بلا تعليم، أو يطلب من معلميهم مواصلة العمل في ظروف الفقر وانعدام الأمان.
المعلم السوداني لا يطلب امتيازًا فوق حقه، وإنما يطالب بأجر يحفظ كرامته ويمكنه من أداء رسالته. وبينما تتحدث الدولة عن إعادة الإعمار والتنمية وبناء المستقبل، ينبغي أن يبدأ ذلك المستقبل من الفصل الدراسي، ومن المعلم الذي يقف أمام التلاميذ كل صباح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *