الخميس, سبتمبر 17, 2026
مقالات

السودان من إغراق الساحة بالمبادرات إلى إضراب الأسواق

كتب: حسين سعد

بالامس أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني بيان له حول المبادرات السياسية والحوار السوداني-السوداني، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وإضرابات التجار احتجاجاً على الضرائب والرسوم في عدد من المدن. ففي عطبرة أُغلق السوق الرئيسي احتجاجاً على زيادة الضرائب والرسوم المحلية، كما شهد الدويم في أغسطس إضراباً للتجار احتجاجاً على الرسوم المفروضة على النشاط التجاري.
وعندما تتهاوي قيمة العملة وينكمش الإنتاج وترتفع كلفة النقل والسلع، ثم تلجأ السلطات إلى زيادة الضرائب والرسوم لتعويض تراجع الإيرادات، يجد التاجر نفسه بين سوق ضعيفة القدرة الشرائية وتكاليف وجبايات متصاعدة.

وبسبب الحرب الكارثية تعرضت قطاعات واسعة من الاقتصاد لضربات متتالية؛ تعطلت التجارة، تضررت البنية التحتية، تراجعت الزراعة في مناطق واسعة، لاسيما شيخ المشاريع الزراعية مشروع الجزيرة والمناقل وانكمشت حركة الإنتاج والتصدير.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن التضخم بلغ 170% على أساس سنوي في 2024، مقابل 66% في 2023، وسط اضطراب طرق التجارة ونزوح المزارعين. وقدّر البنك الأفريقي للتنمية التضخم عند 150.2% في 2025، مع استمرار الضغوط على الحساب الجاري والاقتصاد.

وفي سبتمبر الحالي ، أوردت تقارير وصول سعر الدولار إلى مايقارب ٨ الف جنيه سوداني في السوق الموازية، في مؤشر على أزمة النقد الأجنبي وتراجع القدرة الإنتاجية والصادرات.

لكن انهيار الجنيه ليس مشكلة نقدية منفصلة؛ فالعملة تعكس، بدرجة كبيرة، قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات وتوليد الصادرات والنقد الأجنبي. وعندما يتراجع الإنتاج تستمر الحاجة إلى الاستيراد، يتزايد الضغط على العملة، وترتفع كلفة السلع، ثم تنتقل الزيادة إلى المستهلك.

وهكذا تدخل البلاد في دائرة مغلقة: فالحرب تضرب الإنتاج، وتراجع الإنتاج يضعف العملة، وضعف العملة يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يخفض الدخول الحقيقية، وتراجع القدرة الشرائية يضعف السوق، وضعف السوق يؤدي بدوره إلى مزيد من انكماش النشاط الاقتصادي.

الأخطر أن الأزمة لا تتعلق بسعر الصرف وحده، بل بمصادر إنتاج الثروة نفسها. فالزراعة، إحدى أهم ركائز الاقتصاد السوداني، تعرضت للنزوح وتعطل المدخلات والتمويل والنقل والأسواق. والنتيجة ليست خسارة موسم زراعي فقط، وإنما فقدان سلسلة اقتصادية تبدأ من المزارع وتمتد إلى النقل والتخزين والتصنيع والتجارة والتصدير.

وينطبق الأمر نفسه على الصناعة. فالمصنع المتوقف لا يعني خسارة أرباح صاحبه فحسب، بل فقدان وظائف وتراجع الطلب على المواد الخام والنقل والخدمات، وزيادة حاجة السوق إلى السلع المستوردة، في وقت يعاني فيه السودان من شح النقد الأجنبي.

وحذرت الأمم المتحدة في يوليو 2026 من أن ما وصفته بـ«اقتصاد الحرب» أصبح يساعد على استمرار الصراع، وربطته بالذهب والتهريب والضرائب الاستغلالية والاستيلاء على الأصول وشبكات التجارة. كما خلص تحليل حديث لمنظمة الشفافية السودانية إلى أن اقتصاد الحرب ترسخ عبر الذهب والتهريب والجبايات والتجارة غير المشروعة والاستيلاء على الأصول والشبكات التجارية.

ولا يعني ذلك أن كل نشاط تجاري أو كل ضريبة يمثل اقتصاد حرب، ولا أن استمرار الحرب يمكن تفسيره بالعامل الاقتصادي وحده، لكنه يكشف مشكلة أعمق: فالحرب لا تدمر الاقتصاد فقط، بل تخلق أنماطاً اقتصادية جديدة يمكن أن تتكون حولها مصالح تستفيد من استمرار الفوضى.

إضراب التجار: أكثر من احتجاج على الضرائب وهو مؤشراً على انتقال الأزمة من الاقتصاد الكلي إلى قلب النشاط التجاري اليومي.
فالتاجر يواجه انخفاض القوة الشرائية، وتقلب سعر الصرف، وارتفاع تكلفة النقل، وصعوبة الحصول على النقد الأجنبي، ثم الضرائب والرسوم والجبايات. وعندما يغلق التجار الأسواق احتجاجاً على الأعباء المالية، فإن الرسالة لا تتعلق بالضريبة وحدها، وإنما بحدود قدرة النشاط الاقتصادي على تحمل تكلفة الدولة والحرب معاً.

فالدولة التي تحتاج إلى الإيرادات لتمويل خدماتها تواجه اقتصاداً يتقلص باستمرار، فتضغط على القاعدة الضريبية المتبقية؛ وكلما زاد الضغط تراجعت قدرة التجار على الاستمرار، فتتراجع حركة السوق والإيرادات نفسها.
وبالتالي فإن رفع الضرائب والرسوم في اقتصاد منهك، ومن دون توسع في قاعدة الإنتاج، قد يتحول من وسيلة لزيادة الإيرادات إلى عامل يضغط على النشاط التجاري ويرفع الأسعار.

في هذه النقطة تتقاطع بعض عناصر تشخيص الحزب الشيوعي مع الوقائع القائمة. فالحزب يرى أن تعدد المبادرات السياسية في ظل استمرار الحرب لا يعالج أصل الأزمة ما لم يقترن بخطوات حقيقية لوقف القتال، وهي ملاحظة يمكن مناقشتها في ضوء استمرار الحرب رغم تعدد المبادرات والمنابر.

كما يربط الحزب بين استمرار الحرب واتساع اقتصاد الحرب وتدهور المعيشة، وهو جزء من التشخيص يجد دعماً في تقارير أممية ودراسات حديثة تشير إلى أن اقتصاد الحرب أصبح عاملاً يساعد على استمرار الصراع.
لكن القول إن جميع المبادرات السياسية ليست سوى أدوات لإطالة الحرب، أو أن جهة سياسية بعينها تتحرك حصراً لتحقيق هذا الهدف، يظل موقفاً سياسياً يحتاج إلى أدلة مستقلة لكل حالة، ولا يمكن استخلاصه تلقائياً من تعدد المبادرات.
فالأزمة السودانية أكثر تعقيداً من تفسير واحد: حرب ، وانقسام سياسي وخطاب عنصرية وكراهبة ، وتدخلات خارجية، وانهيار مؤسسات الدولة، وتراجع الإنتاج، والنزوح، وتدهور العملة، وانخفاض الإيرادات، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي؛ وهي عوامل متشابكة تغذي بعضها بعضاً.

لذلك لا ينبغي أن ينحصر السؤال في: من يشارك في الحوار؟ ومن يقود المبادرة؟ وأين تنعقد الاجتماعات؟ بل في سؤال أعمق: هل تستطيع أي عملية سياسية إنتاج سلام مستدام بينما تظل البنية الاقتصادية التي تغذي الحرب قائمة؟
فالسلام يحتاج إلى اقتصاد قادر على استيعاب الناس في العمل والإنتاج، ودولة تحصل الإيرادات بصورة عادلة، وأسواق تعمل، وزراعة تعود إلى حقولها، ومصانع تستأنف الإنتاج، وعملة تستعيد جزءاً من استقرارها.
أما إذا توقفت المعارك دون معالجة اقتصاد الحرب، فقد تتغير أشكال الصراع بينما تبقى أسبابه الاقتصادية والاجتماعية حاضرة.

يقدم التاريخ السوداني مثالاً على قوة العامل المعيشي في إنتاج التحولات السياسية؛
فقد لعبت احتجاجات الأسعار والخبز دوراً مهماً في تعبئة الشارع قبيل ثورة ديسمبر 2018.
واليوم تتراكم أزمات مختلفة: النزوح، البطالة، انهيار الدخول، التضخم، ارتفاع أسعار السلع، ضعف الخدمات، تراجع الإنتاج، وتوسع الأعباء المفروضة على النشاط الاقتصادي.
لكن الفارق أن السودان يعيش هذه المرة حرباً واسعة النطاق؛ ومع ذلك، فإن إضراب التاجر في السوق، واحتجاج العامل على أجره، ودفاع المزارع عن أرضه، ورفض المواطن لارتفاع الأسعار، ليست قضايا اقتصادية منفصلة تماماً؛ إنها تعبيرات مختلفة عن سؤال واحد: من يدفع تكلفة الحرب؟ ومن يتحكم في الموارد؟ ومن يملك القرار الاقتصادي؟

عموما.. إن إيقاف الحرب لا يعني إسكات المدافع فقط، وإنما تفكيك البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح للصراع بالاستمرار. ومن دون إعادة تشغيل الزراعة والصناعة والتجارة، واستعادة قيمة العملة، وإصلاح النظام المالي والضريبي، وحماية موارد الدولة من النهب والفساد، سيظل السلام هشاً مهما تعددت المبادرات والمؤتمرات.في وقت تتصارع فيه القوى السياسية حول شكل العملية السياسية، يرسل السوق السوداني رسالة أكثر مباشرة: لم يعد المواطن والتاجر والمزارع والعامل قادرين على دفع فاتورة حرب لا تنتهي، واقتصاد لا ينتج سوى مزيد من الغلاء والفقر والانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *