الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
مقالات

المعلم: براتب لا يكفي أسبوعاً ودولة تطلب منه صناعة المستقبل

كتب: حسين سعد

قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا

بهذين البيتين لخّص أمير الشعراء أحمد شوقي مكانة المعلم في بناء الإنسان والمجتمع. لكن المعلمة أو المعلم السوداني، في اليوم العالمي للمعلم، لا يحتاج إلى قصائد التبجيلا فقط بل بحاجة عاجلة إلى راتب يحفظ كرامته، ومدرسة آمنة، ودولة تحمي حقوقه.

يأتي الخامس من أكتوبر هذا العام وسط واحدة من أسوأ أزمات التعليم في تاريخ البلاد. حرب كارثية أخرجت مدارس من الخدمة، وشرّدت ملايين الطلاب والمعلمين، وانهيار اقتصادي جعل راتب المعلم عاجزاً عن توفير أبسط احتياجات أسرته.
إنها مفارقة عجيبة: دولة تطلب من المعلم صناعة المستقبل، بينما تعجز عن توفير حاضر كريم له.

وكشفت دراسة للجنة المعلمين السودانيين، صدرت في سبتمبر 2026، أن تكلفة المعيشة الأساسية لأسرة من خمسة أفراد بلغت نحو 4.18 مليون جنيه سوداني شهرياً، مقابل متوسط راتب للمعلم يقدر بنحو 128 ألف جنيه.
وبحسب الدراسة، لا يغطي راتب المعلم سوى نسبة ضئيلة جداً من احتياجات الأسرة، فيما تآكلت القيمة الحقيقية للأجور بأكثر من 90 في المائة بفعل التضخم وانهيار قيمة العملة.

وتشير لجنة المعلمين إلى أن بعض الولايات شهدت تراكم متأخرات الرواتب لأشهر طويلة، وصلت في بعض الحالات إلى 14 شهراً.
وهكذا لم تعد أزمة المعلم مجرد ضعف في الأجر، بل تحولت إلى أزمة معيشية تهدد بقاء المهنة نفسها.
ومع اندلاع الحرب الكارثية

لم يعد المعلم يواجه مشكلة الراتب وحدها. فقد نزح مع أسرته، وفقد آخرون وظائفهم، وتحولت مدارس إلى مراكز إيواء، بينما حُرم ملايين الأطفال من الدراسة.
وفي ظل هذه الظروف، يضطر بعض المعلمين إلى البحث عن أعمال إضافية لتوفير الغذاء والمواصلات والعلاج، في وقت يُطلب منهم الحفاظ على العملية التعليمية في بيئة تفتقر إلى أبسط مقوماتها.

ولا يمكن إعادة بناء التعليم بإعادة تأهيل المباني وحدها؛ فالمدرسة بلا معلم مستقر ومطمئن على مستقبله لا تستطيع أن تصنع جيلاً جديداً.

وطالبت لجنة المعلمين السودانيين برفع الحد الأدنى لأجور المعلمين إلى 360 ألف جنيه، إلى جانب صرف المتأخرات، وتنفيذ الترقيات والاستحقاقات والبدلات، وانتظام دفع الرواتب.
لكن جوهر القضية أعمق من زيادة راتب.

فالأجر العادل، والبدلات، والترقية، والبيئة الآمنة، والحق في التنظيم النقابي، كلها حقوق مهنية وليست منحة حكومية.
كما أن مواجهة المطالب المهنية بالاستدعاء أو الاعتقال، بدلاً من التفاوض والحوار، تزيد أزمة التعليم تعقيداً، وتحوّل قضية اقتصادية إلى قضية حقوق وحريات.
وتؤكد اليونسكو أن حماية مهنة التعليم وتحسين أوضاع المعلمين المهنية والمادية شرط أساسي لمستقبل التعليم، ويأتي احتفال هذا العام تحت شعار:
«دعم المعلمين: 60 عاماً من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا».

لكن السودان يحتاج إلى أكثر من الاحتفال بهذا الشعار؛ يحتاج إلى تحويله إلى سياسة عامة.
إذا كانت الحكومة جادة في إنقاذ التعليم، فإن الأولوية يجب أن تكون:
زيادة ميزانية التعليم في الموازنة العامة ورفع أجور المعلمين بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، ومراجعتها بصورة دورية.
صرف جميع المتأخرات ووضع جدول زمني معلن وملزم لإنهائها.
تنفيذ الترقيات والبدلات والاستحقاقات دون تمييز بين الولايات.

توفير المدارس والكتب والوسائل التعليمية وعدم تحميل المعلم أعباءً مالية من جيبه.
حماية المعلمين من الاعتقال أو الملاحقة بسبب المطالبة السلمية بحقوقهم النقابية والمهنية.
إشراك المعلمين وتنظيماتهم المهنية في وضع سياسات التعليم وإعادة بناء القطاع.
اعتبار التعليم أولوية وطنية في أي مشروع لإعادة بناء السودان بعد الحرب.

عموما.. نقول وبالصوت العالي لا يحتاج المعلم إلى يوم واحد في السنة ليتلقى كلمات الشكر. بل يحتاج إلى دولة تحترمه طوال العام.
فالمعلم الذي يعيش تحت ضغط الفقر، وينتظر راتبه شهوراً، ويعمل في مدرسة مدمرة أو مكتظة، لا يمكن أن يُطلب منه وحده إنقاذ مستقبل جيل كامل.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من تمجيد المعلم بالكلمات إلى حمايته بالسياسات والقوانين والميزانيات.

فإذا كان أحمد شوقي قد قال:
قم للمعلم وفّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
فإن الرد السياسي العاجل اليوم يجب أن يكون واضحاً:

ادفعوا راتب المعلم، اصرفوا متأخراته، احموا حقوقه، أعيدوا بناء مدرسته، وأشركوه في صناعة القرار.
لأن إنقاذ المعلم هو إنقاذ للتعليم، وإنقاذ التعليم هو إنقاذ لمستقبل السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *