السودان على حافة الجوع.. الجفاف والحرب يطحنان لقمة العيش
كتب: حسين سعد
لم تسرق الحرب الكارثية في السودان الأرواح وتهجّر الملايين فحسب، بل باتت تهدد أيضاً رغيف الخبز ووجبة الطعام اليومية. فبين جفاف يضرب الأراضي الزراعية، وارتفاع يلتهم أسعار الغذاء، وتكاليف تثقل كاهل المزارعين، ومساعدات إنسانية تتراجع بفعل نقص التمويل، تتسع دائرة الجوع، ويجد ملايين السودانيين أنفسهم في مواجهة معركة يومية من أجل البقاء.
وفي الزميلة سودان تربيون أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في 14 أكتوبر 2026، انتشار ظروف الجفاف في نصف الأراضي الزراعية بالسودان، بفعل انخفاض الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتراجع رطوبة التربة والغطاء النباتي.
وأظهرت البيانات ضعف نمو الغطاء النباتي في 64% من الأراضي الزراعية بشمال دارفور، ونحو 50% في جنوب دارفور وغرب كردفان وجنوب كردفان، مع عجز شديد في المياه بمناطق واسعة. وفي سنار والقضارف، انخفضت الأمطار التراكمية عن المتوسط طويل الأجل بنحو 20% و30% على التوالي، بينما أشار مؤشر الإجهاد الزراعي إلى ظروف جفاف شديدة في ما يصل إلى 55% من الأراضي المزروعة بسنار و70% بالقضارف.
وتنتج الولايتان نحو ربع محصول الذرة الرفيعة في البلاد، ما يجعل تراجع الإنتاج فيهما تهديداً مباشراً للأمن الغذائي. كما جاءت أمطار سبتمبر متأخرة لدعم كثير من المحاصيل، بعدما تعرضت مساحات واسعة للتلف أو ضعف النمو.
يواجه مشروع الجزيرة والمناقل ارتفاعاً في أسعار التقاوي والأسمدة والوقود والعمالة، إلى جانب صعوبات التمويل ومشكلات الري والبنية التحتية. ونقلت إذاعة دبنقا، في 14 يناير 2026، عن محافظ المشروع إبراهيم مصطفى أن مساحة القمح تراجعت من نحو 400 ألف فدان إلى 210 آلاف، بانخفاض يقارب 47.5%، بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات وصعوبة التمويل.
وتشهد أسواق ولاية الجزيرة ارتفاع حاد في أسعار الذرة والقمح والعدسية والفول المصري ويواجه الموسم الشتوي، بما فيه القمح والكبكبي، تحديات إضافية نتيجة ارتفاع تكلفة إعداد الأرض والري والتسميد والحصاد والنقل. كما حذّر كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، في يوليو 2026، من أن ارتفاع أسعار الديزل ونقص الأسمدة المرتبطين بالاضطرابات في الخليج وإغلاق مضيق هرمز قد يزيدان الضغط على الأمن الغذائي السوداني.
ويعتمد السودان على واردات الأسمدة من دول الخليج، بينما تحتاج أجزاء من القطاع الزراعي إلى الوقود لتشغيل مضخات الري. ولذلك، فإن ارتفاع تكلفة هذه المدخلات قد يدفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو خفض استخدام الأسمدة، بما يهدد الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الواردات.
وفق بيانات رصد الأسواق لبرنامج الأغذية العالمي، المنشورة في سبتمبر 2026 استناداً إلى أسعار أغسطس 2026، ارتفعت تكلفة سلة الغذاء المحلية بنسبة 13% خلال شهر و94% على أساس سنوي.
وبلغ متوسط سعر كيلوغرام الذرة الرفيعة نحو 2,465 جنيهاً سودانياً، بزيادة 19% شهرياً و94% سنوياً، فيما بلغ سعر كيلوغرام دقيق القمح نحو 5,030 جنيهاً، مرتفعاً 68% مقارنة بالعام السابق، رغم انخفاضه 1% عن الشهر السابق. وارتفعت أسعار معظم السلع الغذائية الأساسية بنسب تراوحت بين 2% و27% شهرياً، وبين 35% و140% سنوياً.
وفي المقابل، لم يتجاوز متوسط الأجر اليومي للعامل 17,238 جنيهاً سودانياً في أغسطس 2026، بزيادة سنوية بلغت 1.8% فقط، ما يكشف اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة.
حذّر سكاو من أن السودان يواجه خطر التراجع إلى مستويات أشد من الجوع بسبب استمرار الحرب وتخفيضات تمويل المساعدات وارتفاع تكاليف الزراعة. وقال إن نحو خمسة ملايين شخص يواجهون مستويات طارئة أو كارثية من الجوع، وإن أكثر من 100 ألف شخص ما زالوا يعيشون ظروفاً شبيهة بالمجاعة، وفق تصريحاته في يوليو 2026.
وتشير بيانات التصنيف المرحلي المتكامل إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. كما أظهرت بيانات سابقة أن إنتاج الحبوب في 2025 بلغ نحو 5.2 مليون طن، بانخفاض 22% عن 2024 و19% عن متوسط السنوات الخمس السابقة، بفعل اضطرابات الحرب وتراجع الإمدادات والمدخلات.
وفي الوقت نفسه، خفّض برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين من المساعدات من نحو خمسة ملايين شخص إلى قرابة 3.5 مليون، وقلّص الحصص الغذائية في مناطق منها طويلة بدارفور. وبلغت فجوة التمويل التي أعلنها البرنامج 646 مليون دولار، بعد تخفيضات من جهات مانحة رئيسية، بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية وبريطانيا.
تتداخل في السودان آثار الجفاف والحرب وتراجع الإنتاج وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، مع ضعف الدخول وتقلص المساعدات. ولذلك، لا تكفي الاستجابة الغذائية الطارئة وحدها، بل تتطلب الأزمة توفير التمويل والتقاوي والأسمدة والوقود، وتأهيل شبكات الري، ودعم المزارعين، وحماية الطرق والمعابر وضمان وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر تضرراً.
كما أن دعم الموسم الشتوي وإعادة تأهيل مشروع الجزيرة والمناقل والمشروعات الزراعية الأخرى يمثلان ضرورة لتقليل تراجع الإنتاج، وحماية فرص العمل ومصادر الدخل، والحد من الاعتماد على الواردات.
في السودان، أصبح الجوع وجهاً آخر للحرب؛ فالأرض التي كانت تنتج الغذاء أنهكها الجفاف وارتفاع التكاليف، والمزارع الذي يعجز عن تمويل موسمه لا يخسر محصوله وحده، بل يخسر مصدر رزقه وأمل أسرته. وبينما تتراجع المساعدات وتتسع دائرة الغلاء، يدفع المدنيون الثمن من موائدهم واحتياجات أطفالهم وقدرتهم على البقاء.
إن إنقاذ السودانيين من الجوع لا يبدأ بتوزيع الغذاء وحده، بل بحماية المدنيين، وفتح طرق الإمداد، وتمويل المساعدات، واستعادة القدرة على الزراعة والإنتاج. فكل موسم يُفقد، وكل حصة غذائية تُقلّص، وكل زيادة في سعر الخبز والحبوب، تعني عبئاً جديداً على ملايين الأسر التي أنهكتها الحرب، ولم يعد لديها ما تخسره سوى ما تبقى من قوت يومها.

