الجمعة, مارس 1, 2024
مقالات

لماذا على الحركة الشعبية أن تُحقق سلاماً لا يخاطب جذور الأزمة؟

بقلم: كومان سعيد

لا أعيب فرح الكثير من السودانيين بتوقيع الجبهة الثورية إتفاقية سلام جوبا، فمن هذا الذي يعيب فرح الناس بتحقيق السلام والطمأنينة والأمن والحب وهي قيم وأهداف سامية مقام سمو الأنبياء والآلهة، إن التضحيات الجسام التي قدمها أبناء وبنات الشعب السوداني منذ أول احتجاج على السلطة الحاكمة والدولة هي تضحيات عظيمة لا يكافئها في المقابل لا السلام ولا التنمية ولا اجتثاث الإسلاميين وإقتلاع جذورهم الخربة وتفكيك التمكين ولا أي شيء يمكن أن تقوم به الحكومة الانتقالية من إصلاحات سياسية واقتصادية، ولا حتى تحقيق العدالة الانتقالية والمحاسبة التاريخية.
إن التضحيات التي قدمها السودانيون في الهامش هي تضحيات مهرها العمر والموت، إن كثيرين من فقدوا أعزائهم فقدوا معهم الرغبة في البقاء فما عاد هناك ما يثير فيهم شعور البهجة والحياة ولو اجتمع البشر جميعاً لمواساتهم، من الذي يستطيع أن يعوض الأسر التي فقدت من تحب من أم وأب وأبناء؟ من يستطيع أن يعوض أجيالاً فاتها أن تتعلم القراءة وتعرف معنى الكتابة؟ إن حق الناس في السلام الشامل العادل هو حق أصيل لا يقبل المساومة. فبعد كل هذه التضحيات الجسام التي قدمها هذا الشعب لماذا عليه أن يوقع إتفاقية سلام لا تجتث الأسباب التي من أجلها قامت الثورة والنضال؟.
إن اتفاقيات السلام وإيقاف الحروب لابد أن تبني على مبادئ، وهذه المبادئ لابد أن تقوم على مركزية الإنسان Human centrism يجب أن يكون الإنسان هو محور التفكير والاهتمام والإتفاق. إن رد الاعتبار لكرامة الناس وتحقيق أمنهم في الشعور بالوجود والسلام والشعور بذات كقيمة لإدارك النفس وبتالي ما حول النفس من إقتصاد ورفاهية هي مبادئي وحقوق ضحايا لا يمكن التنصل عنها، إن تحرير المقهورين من قاهر يهم وتحقيق الحرية في جوهرها الذي يبني على مركزية الإنسان human centrism هي ليست فلسفة يقرأها من يرتشفون القهوة مساء في أزقة القهاوي المسائية، بل هي المعنى الحقيقي والجوهري للسلام. هناك الكثير من التساؤلات والتململ حول موقف الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة القائد عبد العزيز التفاوضي. أستطيع أن أتفهم تعطش الناس وتطلعهم لتحقيق سلام شامل وبالتالي التنمية ولحق ركب الأمم في سلم التقدم والرفاهية. ولكن لماذا على الحركة الشعبية أن تحقق سلاماً لا يخاطب جذور المشكلات، ولا يلبي طموحات من دفعوا الثمن غالياً طوال فترة النضال الطويلة؟.
هل على الحركة الشعبية أن تهرول إلى جوبا لتوقيع اتفاقية سلام فقط لأن بعض الحركات المسلحة قد وقعت؟ الحركة الشعبية لديها رؤية واضحة جداً فيما يتعلق ببناء وإعادة هيكلة الدولة، إن مشروع السودان الجديد هو مشروع يقوم على المواطنة دون تمييز والفصل التام ما بين الدولة كمؤسسة خدمية والدين كعقيدة ميتافيزيقية روحية شخصية ويجب أن يكون هذا واضحاً وضوح الشمس في أي اتفاقية سلام تصل إليها الحركة الشعبية مع أي حكومة كانت، وهو مبدأ لا يقبل التفاوض فيه وهو يمثل جوهر النضال والإرث النضالي الطويل للحركة الشعبية وجماهيرها.
إن مطالب الحركة الشعبية مطالب مسنودة بجماهير الحركة الشعبية التي ما فتئت تقاتل وقدمت التضحيات الجسام من أجل تحقيق المواطنة المتساوية والسودان الديمقراطي القائم على الوحدة الطوعية، إن انفصال الجنوب إن دل إنما يدل على هشاشة بنية الدولة السودانية الموروثة من المستعمر والتي ما فتئت تقلد المستعمر في كل سياسته التمييزية تجاه أبناء الوطن الواحد. وإن هذه السياسات لو لم تُجتث من جذورها ستخلق جنوباً جديداً ولا أسف. على ماذا يُكابر هؤلاء الساسة ويعاندون في تحقيق السلام الشامل (علمانية الدولة)؟.
لماذا على الحركة الشعبية أن تقبل بمدنية الدولة هذه ومن ثم تعمل على تسريح جيشها الضامن الوحيد لتحقيق آمال وتطلعات الهامش داخل المؤسسة العسكرية السودانية؟ أليس لدينا أزمة ثقة تاريخية فيما يتعلق باتفاقيات السلام؟ إن موقف الحركة الشعبية ورؤيتها لا يمثل موقفاً لبعض السياسيين في الحركة الشعبية أو المثقفين من أبناء الهامش؛ إنما هو موقف يعبر عن كل أبناء الهامش وكل جماهير الحركة الشعبية من كل الفئات النساء والرجال غير المتعلمين والمتعلمين، الكبار والصغار، المسيحيين، والمسلمين، وكل التواقين إلى السلام العادل.
على الحركة الشعبية أن لا توقع أي اتفاق للسلام لا يخاطب المشكلات التي حمل الناس لأجلها السلاح، علمانية الدولة وحدها لا تلبي طموحات الناس في النضال والثورة، لابد أن تكون هذه العلمانية مقرونة بالحكم الذاتي والحماية الذاتية التي تعتبر الضامن الوحيد لتحقيق السودان العادل القائم على الوحدة الطوعية والمواطنة بلا تمييز، إن هذا الشعب يستحق أن ينعم بسلام عادل وشامل وهو حق أصيلٌ لا يَمن عليه به أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *