السبت, مايو 18, 2024
مقالات

الصراع الإمبريالي الأطلسي الأوراسي.. السياسة الدولية ما بعد البريكس (٦)

كتب: حاتم درديري
نهاية العام ٢٠٠٨ التي صادفت انتهاء فترة الإدارة الامريكية المحافظة بقيادة جورج بوش؛ اندلعت الأزمة المالية العالمية في واشنطون، واعترف بوش في خطاب له بها، وقال: (هذه فترة استثنائية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي على مدى الأسابيع القليلة الماضية شعر الكثير من الأمريكيين بالقلق حول أرصدتهم المالية ومستقبلهم وأنا أتفهم قلقهم واحباطهم لقد شهدنا تقلبات ضخمة في سوق الأسهم مؤسسات مالية ضخمة كانت على حافة الانهيار بعضها الاَخر سقط مع ازدياد عدم الثقة فرضت كثير من المصارف قيودا على الإقراض وتجمدت أسواق الائتمان وواجهت العائلات والشركات صعوبات في اقتراض الأموال).
وصف بوش الأزمة بالكارثة التي حلت بالاقتصاد الأمريكي قائلاً ( نحن في قلب أزمة مالية خطيرة)، وهذا الاعتراف كان بمثابة الإعلان عن أزمة مالية حادة عصفت الدول الغربية، وهزت مكانة واشنطون العالمية، واستغلت روسيا والصين ذلك الحدث في كيفية إنهاء الأحادية القطبية.
تمسكت موسكو بأهمية وجود عالم متعدد الأقطاب لأنه رأت لأنه سيشكل بيئة اقتصادية ملائمة لتحقيق مصالحها القومية، وتدعيم مكانتها الإقليمية والعالمية، ويؤسس مجموعة من الآليات تحكم شؤون وقواعد اللعبة الدولية .
شاركتها بيجين القناعة نفسها، والتي لم تكن تهدف استراتيجيتها على المدى القريب بأن تصبح قطبا عالميا، وهدفت لكبح جماح الهيمنة الأمريكي على العالم ، وتواجدها العسكري خاصة في آسيا خاصة الوسطى الباسيفيكية.
سعي واشنطون الدائم لإنشاء مشاريعها الصاروخية وتعزيز انتشارها العسكري دفع موسكو وبيجين لتعزيز التحالف والتعاون بينهما.
الحلف الضائع
خلال حقبة الحرب الباردة اندلعت اشتباكات عسكرية بين روسيا السوفيتية والصين بسبب الخلافات الحدودية، وضاعت معها فرصة قيام تحالف اقتصادي وسياسي وعسكري بينهما، وانتهزت الولايات المتحدة لتعمق الشقة بينهما عقب اعترافها بالصين الشيوعية عام ١٩٧٩، وتمهد لقيام شراكة كبرى بينهما، وهذا ما انتبهت له موسكو بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وسعت لحل هذا الخلاف لأنها كانت تراه السبيل لإنهاء هيمنة واشنطون.
تدشين تاريخي
وقعت الصين وروسيا على مذكرتي تفاهم حول الحدود عامى ١٩٩١ و١٩٩٤ تمهيداً لحل هذا الخلاف، واستمرت المفاوضات الثنائية قرابة الـ ١٠ سنوات.
تسارعت خطى المفاوضات بعد التوقيع على معاهدة الصداقة والتعاون القائمة على حسن الجوار في عام ٢٠٠١، وحتى توجت بالتوقيع النهائي للاتفاقية بالصين خلال الزيارة التاريخية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكتوبر ٢٠٠٤، وحددت نهائيا الحدود البالغ طولها ٤٣٠٠ كيلومتراً .
وقع وزير الخارجية الصينى لى تشاو شينغ ونظيره الروسي سيرغي لافروف على اتفاقية، وحضر الرئيس الصيني أنذاك جين تاو مع نظيره بوتين مراسم التوقيع. واعلنا فى مؤتمر صحفى مشترك أن الجهود التي بذلها البلدين قرابة أكثر من ٤٠ عاما كللت باكتمال ترسيم الحدود المشتركة بينهما.
وأكد تاو وبوتين أن الاتفاقية ستعزز السلام والصداقة والتعاون والتنمية بين شعبى البلدين، وتخلق مزيدا من الظروف المواتية لشراكة التعاون الاستراتيجي كركيزة للصداقة والتعاون القائم على حسن الجوار بين شعبى البلدين، وتسهم بتحقيق الأمن والاستقرار فى منطقة آسيا الوسطى والباسفيك.
واعتبرا الاتفاقية نموذجا ناجحا يحتذى به العالم فى تسوية النزاعات الحدودية، و تخلق ظروفا جديدة مواتية للعمل المشترك، واستغلال الموارد الطبيعية، والشحن البحري، والتعاون الاقتصادي.
نشأة البريكس
بينما انشغل الغرب بالأزمة الاقتصادية العالمية بداية القرن الحالي كانت المداولات بين روسيا والصين والهند والبرازيل في ٢٠٠٩، والتي قطعت شوطاً بعيداً لتأسيس مجموعة أقتصادية عرفت بمجموعة (بريك) أي (البرازيل – روسيا – الهند – الصين).
تأسست المجموعة في يونيو ٢٠٠٩ بعد مداولات استمرت في سنة التأسيس، وبالنظر لحجم المجموعة فإنها تشكل نسبة ٤٢% من مجمل سكان العالم وثلث مساحته مع ميزة طاقة عمالة عالية جداً غير متوفرة بدول أخرى، وانضمت إليها جنوب أفريقيا في سنة التأسيس عام ٢٠١٠، هذه المجموعة هي أسرع دول العالم نمواً حاليا وأقلها تأثراً بالأزمة المالية العالمية.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمجموعة تبلغ ٢٦ % من إجمالي مساحة الكرة الأرضية، ويعد إجمالي عدد سكانها ٤٢ % من سكان العالم.
أسست المجموعة عام ٢٠١٣ بنك للتنمية المشترك برأس مال قدره ١٠٠ مليار دولار بأسم بـ”بنك التنمية الجديد”، واتفقت على مبدأ المساواة في التعامل على أن تتولى الصين المسؤولية الأكبر بالمساهمة فيه لأنها بادرت بفكرة التأسيس، وشددت على ضرورة الالتزام بمنهج متساوٍ في التعامل مع الدول النامية، وصف البنك بأنه أشبه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لهذه المجموعة.
سطوع بريكس ٢٠٥٠
أصدر جيم اونيل وفريقه بحثا علميا بعنوان “حلم البريك”: الطريق نحو ٢٠٥٠ ” عام ٢٠٠١، طرح فيه فرضية وصفت بالشجاعة، وتوقع فيها أنه بحلول عام ٢٠٥٠ فإن (البرازيل – روسيا – الهند – الصين) ستتحول إلى قاطرة للاقتصاد العالمي بأسره، وأكد أمكانية تجاوز الناتج المحلي في البرازيل لإيطاليا عام ٢٠٢٥ وفرنسا في سنة ٢٠٣١.
كما ستتجاوز روسيا بريطانيا عام ٢٠٢٧وألمانيا في سنة ٢٠٢٨، ستتجاوز الهند اليابان سنة ٢٠٣٢، وختم أونيل باحتمالية أن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية في سنة ٢٠٤١، وستصبح الدولة الاقتصادية الأقوى في العالم.
وتضمنت دراسة أونيل مزيد من التوقعات بأن هذه البلدان الاربعة سوف تضم ٤٠ % من سكان العالم، ومن الناتج المحلي القائم، الذي سيبلغ ١٤ تريليون دولار عام ٢٠٢٥، وهذا يعني أنه ستتم اعادة هيكلة الاقتصاد العالمي وتبديل مراكز النفوذ الدولي، وسيصبح ترتيب الدول العملاقة اقتصاديا كما يلي: الصين، الولايات المتحدة اليابان، البرازيل وروسيا ).
الملفت للنظر في هذا الترتيب أن غالبية أعضاء منظمة “بريكس” سيكونون في قائمة الخمسة الاوائل.
كذلك خلال العقود القريبة القادمة فإن المجموعة سوف تمتلك قوة انتاجية هائلة ، هي غير متاحة للدول المتقدمة في أوروبا والولايات المتحدة وبالرغم من أن الناتج المحلي عام ٢٠٠١ لـ(البرازيل – روسيا – الهند – الصين) كان يمثل فقط نسبة ٧.٨% من إجمالي الناتج المحلي القائم العالمي.
تصاعد وتيرة النمو الاقتصادي في هذه البلدان سمح لها وفي وقت وجيز أن تتقدم على أوروبا والولايات المتحدة، وتحتل مركز الطليعة في النمو الاقتصادي العالمي وينطبق ذلك بصفة خاصة على الصين التي حققت في السنوات الأخيرة معدلات مثيرة للإعجاب في النمو الاقتصادي.
في عام ٢٠١٠ بلغت نسبة البطالة في البرازيل خلال حقبة حزب العمال اليساري بقيادة لولا دا سيلفا ٥%، مقارنة مع أوروبا التي كانت البطالة فيها ذلك العام نسبة ١٠% في فرنسا وإيطاليا بينما سجلت إسبانيا النسبة الأعلى ٢٠%.
العوامل التي تؤكد أن دول البريكس ستصبح قوة اقتصادية كبرى، والصين والهند وروسيا والبرازيل تساهم في واردات تلك الدول نسبة ٢٣% للولايات المتحدة، ٢٧% من لليابان و ٣٣% من واردات الاتحاد الأوروبي.
في المقابل تستقبل ١٣% من صادرات الولايات المتحدة الأمريكية و ٢٥% من اليابان و٢١% من صادرات الاتحاد الأوروبي، فضلا عن كونها تعدّ أسواقا واعدة.
من لا شك فيها أن نشأة منظمة “بريكس” ساهم في تأسيس وضعية دولية لروسيا والصين، ونالا الثقة في لعب دور دولي أكبر، والتجرؤ على كسر الهيمنة الأمريكية، وحدثت بعدها تطورات في ميدان السياسة الدولية.
أوباما والقوة الذكية
تولى باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عام ٢٠٠٩، ووعد بأنه سيكون رئيساً للسلام العالمين وقام بسحب القوات الأمريكية من العراق، ولكنه قام بإضافة قوة عسكرية جديدة في أفغانستان بلغت حوالي ٣٠ ألف جندي مما جعل البعض يعتبره بالانسحاب التكتيكي.
لكنه استمر بتبني الخطوط العريضة لسياسة إدارة بوش المحافظة التي سبقته وهي:
– احتواء روسيا والصين
– تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير
– والسيطرة على موارد الطاقة وطرق إمداداتها
وترك إدارة الأزمات الدولية وصراعاتها إلى الحلفاء الأوروبيين و الإقليميين ، وذلك حتى يتفرغ لمعالجة الأزمة المالية في بلاده، وعلى أن تتولى واشنطون قيادتها من الخلف، وترجمة لسياسته في خفض التدخل العسكري والمالي بالخارج عبر تطبيق إستراتيجية القوة الذكية.
طريق الحرير
أطلقت الصين مشروع طريق الحرير الجديد خلال جولة الرئيس الصيني شي جين بينغ لدول آسيا الوسطى في سبتمبر ٢٠١٣ مشروع طريق الحرير.
طريق الحرير يفتح مدى للصين تتحول هي والقوة الصاعدة مع روسيا وفرص لإيران والعراق وسوريا وتركيا.
ويتكون من ثلاثة طرق
– الطريق الأول يمر بآسيا الوسطى وروسيا وصولاً إلى أوروبا الغربية
– الطريق الثاني وهو طريق بحري يربط شرق الصين عبر جنوب شرق آسيا ويمر باكستان والهند وسريلانكا ثم بشرق أفريقيا مروراً بالشرق الأوسط على المحيط الهندي وانتهاءاً بأوروبا كلفة هذا المشروع تتراوح ما بين ٩٠٠ مليار و ١.٤ تريليون دولار
من المتوقع أن يشمل طريق ٦٥ بلداً حول العالم تمثل نسبة ٢٩% من الإنتاج العالمي.
صراع الطاقة
كشف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر عن وجود سياسة أمن قومي لبلاده، قائمة على الذهاب إلى الحرب لحماية احتياجات الطاقة في الخليج إذا تطلب الأمر ذلك، والسيطرة على مزيد من مصادر الطاقة في دول العالم.
ظهر ذلك جلياً عندما تدخلت لحماية ناقلات النفط الخليجية من الهجمات الإيرانية في مياه الخليج، ومحاولاتها قرابة الـ ٢٠عاماً تنصيب حكومات موالية لها في فنزويلا للسيطرة على قطاع الطاقة، والإطاحة بالحكومة الاشتراكية، والأهم حرمان الصين من التحكم في مصادر الطاقة.
معركة أخرى للطاقة دارت رحاها في اَسيا الوسطى والقوقاز سعت واشنطن لاقامة خطوط انابيب، ويتجاوز موسكو ويبعد بيجين وطهران.
جني الثمار
استطاعت الصين تأمين كميات مهولة من الطاقة عقب توقيعها لاتفاقية الصداقة مع روسيا، ففي عام 2009 دشن الرئيس الروسي بوتين مع نظيره الصيني تاو أنبوب النفط الروسي من ابار سيبيريا الشرقية إلى الأراضي الصينية، وربطه بالسوق الاَسيوية الجديدة في المحيط الهادئ، وساهم هذا المشروع باكتفاء بجين من الطاقة التي تحتاجها في قطاع التنمية والصناعة، فهي قضية أمن قومي وإستراتيجية بالنسبة لأمنها القومي، وظلت تضع ملف الطاقة كأولوية أولى.
وهذه الشراكة استفاد قطاع الطاقة الروسي الذي يملك إمكانات ضخمة من النفط والغاز، وابتلعت السوق الصينية الضخمة، والمأمن الأول له من العقوبات الأمريكية، وضخ هذا الأنبوب 400 مليار دولار في الخزينة الروسية.
مكاسب جديدة
نفس العام ٢٠٠٩ بالنسبة لموارد الطاقة في اَسيا الوسطى والقوقاز قررت تركمانستان تسليم الصين وروسيا وإيران كامل غازها، وهذا يعني رفض تركمانستان مشروع أنابيب اقترحته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وقعت أذربيجان اتفاقية مع إيران لتسليمها الغاز، وبينما ضاعفت روسيا وارداتها من الغاز الأذري.
القناة الإيرانية
طرحت إيران مشروع قناة بحرية تربط بحر قزوين بمياه الخليج، ولقد صادق على المشروع الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد عام ٢٠١٢، وفي حال قيام هذا المشروع، سيكون لروسيا التي تطل أيضاً على بحر قزوين، استخدام هذه القناة والوصول إلى مياه الخليج وتنقل من خلال البضائع الروسية، وتستخدمه عسكرياً في نقل سفنها الحربية.
وأعتبر المفكر الجيوبولتيكي الروسي ألكسندر دوغين هذا المشروع بأنه سيحقق حلم الفكر الجيوبوليتيكي الروسي، والتي وضعت خلال ٢٠٠ عام، وهي الخروج للمياه الدافئة، وسيخلق توازنات جديدة بالشرق الأوسط.
تفجرت أزمة أوكرانيا عقب الاطاحة بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا منذ عام ٢٠١٤ حتى تطورت بعد ٨ سنوات لغزو روسيا، والذي لها جاء بسبب منعها من الوصول للبحر الأسود، وسعي كييف الحثيث للانضمام لحلف شمال الأطلسي، وتمدد مشروع الدرع الصاروخية، وهناك محاولات للصين لضم جزيرة تايوان لها، ويقابله تحذير أمريكي لبيجين.
طرحت تساؤلات عقب استخدام روسيا والصين لحق الفيتو في مجلس الأمن، وعدم تمرير معاقبة النظام السوري، والتدخل العسكري الروسي في سوريا عام ٢٠١٥، ولعل أهمها هل نشهد نهاية نظام الأحادية القطبية؟ خاصة بعد استمرار واشنطون في خذلان حلفائها والتخلي عنهم.
هل اقتصاد روسيا المعتمد على النفط والغاز بشكل أساسي أن يزيح الأقتصاد الأمريكي من الصدارة؟ وهل تستطيع الصين أن تضحي بشراكتها التجارية مع الولايات المتحدة بقيمة ٧٠٠ مليار دولار؟.
وفي ظل الظروف التي تشهدها السياسة الدولية يطرح السؤال باستمرار هل انتهت الهيمنة الأمريكية؟ هل العالم سيدخل حرب عالمية نووية تدمر محاور الكرة الأرضية وتتحقق نبوءة الأديب الأمريكي ألكسندر كي؟ والتي رواها في روايته الشهير “المد الهائل”، لا أحد يستطيع التنبؤ لكن لا أحد ينكر ان العالم يعيش تحت صفيحاً ساخن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *