الخميس, يونيو 13, 2024
تقاريرسياسة

ناجون من أحداث الجنينة يروون لـ(مدنية نيوز) ما شهدوه من فظائع (1-2)

تقرير: مدنية نيوز

(رأيت بعيني كيف انهم حملوا احد الاشخاص والقو به في النار) بصوت لا يخلو من حزن عميق، يرجع محمد والذي يعمل بإحدي المؤسسات الحكومية بالجنينة بولاية غرب دارفور بذاكرته ليحكي اياما سوداء عاشها هناك وحتى لحظة خروجه منها، ويعتبر ان الله كتب له عمرا جديدا، ونجاه من الموت، ويقول: “عندما بدأوا في حرق وهدم المنازل والتي كان أغلبها مشيدة من القش، وقعت اعينهم على احد الأشخاص المعاقين، وقتها صوب احدهم البندقية تجاهه، الا ان الأخر قال له (الامباي) ما تخسر فيهو طلقة، وتم حمله ومن ثم قذفه داخل النار المشتعلة،(مصطلح الامباي عبارة تحمل دلالة عنصرية).

بذاكرة محملة بكثير من الالام والهموم والخوف من المجهول وفقدان اعز الناس، ووجوه عابسة، تحمل اثار رسومات خطها الزمن، ومرارة تذكر تلك الايام سرد محدثنا ماتعرض له من إنتهاكات فاقت كل تصورات العقل البشري ابان احداث مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور تلك الأحداث التي استمرت من نهاية ابريل حتي منتصف نوفمبر من العام2023م ووصفت بانها ابادة جماعية لشعب المساليت والذين لعبوا دورا هاما وثقه التاريخ من خلال هزيمتهم للعدوان الفرنسي ضمن سلسلة من المعارك اخرها معركة دروتي الشهيرة ، والتي قتل فيها قائد الفرنسيين (مول) علي يد جيش المساليت بقيادة السلطان تاج الدين ابكر.

لحظات عصيبة

محمد احد الذين ساقتهم الظروف للعمل بمدينة الجنينة، على الرغم من انه نشأ وترعرع بعيدا عنها، كان شاهدا على تلك الاحداث الدامية التي انطلقت بمدينة الجنينة، ونجا من الموت عدة مرات ليصبح شاهدا يروي مرارات ما حدث هناك، وكيف ان الإستهداف كان يتم على اساس اللون والإثنية.

يتابع بصوت يحمل حزنا ومرارة عبر الهاتف لـ(مدنية نيوز): “لم اتخيل في يوم ما باني سوف اشاهد هذا المنظر، كنت وقتها موجودا بالاستراحة، وشاهدت ذلك عبر (المنور) الموجود بالمنزل. ولم اتحمل المنظر ،فظللت بالداخل حتي حلول الظلام ، وخرجت لفناء الاستراحة ،في تلك اللحظة بدأ عدد منهم في تسلق الحائط وماإن وقعت إعينهم علي حتي صاروا يصيحون (اقتلوا الامباي) بينما بقي جزء منهم بالخارج يطرقون علي الباب بشدة ، واطلقوا رصاصة انقذتني منها العناية الإلهية. وإنهالوا علي بالضرب ماإن فتحت الباب، فقد كانوا تسعة افراد ترتسم علي وجوههم ملامح قاسية ،وسالوني من اين انت ؟ فقلت لهم من الخرطوم فقال احدهم (الزول دا ما امباي، ولا تشبه لهجته لهجتهم)، وقرروا قتلي ولكنهم تراجعوا بعد ان قلت لهم خذوا ما تريدون من المنزل، فاختلفوا في من يأخذ العربة المتوقفة التي تتبع للجهة التي اعمل بها، وقتها كنت ممدا بالأرض واحدهم يضع رجله في ظهري، وسلاحه في راسي، فأطلق رصاصة لم تصبني لاني حركت راسي لا شعوريا.

يصمت قليلا وكأنه يريد نزع تلك الذكريات من راسه ثم يواصل قائلاً: “وقتها طلب مني احدهم الوقوف، ويضيف ما زلت اتذكر ملامحه فهو يعمل بإحدى المؤسسات الحكومية بالجنينة وقال لهم: (لا تقتلوه)، وقرروا الذهاب بي لاحد المنازل التي تستخدم لتصفية الافراد، ثم تراجعو عن ذلك واتفقو بان يتم اسري بإحدي المنازل حتى ينظروا في أمري، ومكثت هناك لمدة ستة أيام. وانقذني منهم احد الذين كنت اعمل معهم عندما اتى بالصدفة للمكان الذي احتجز به، واقنعهم باني من مدينة الخرطوم. ثم توجهت بعدها للحي الذي اقطن لمحاولة انقاذ اولادي بعد تعرض حينا لهجوم، ومنه ىنتقلنا لحي اخر وسط اصوات الدانات والتي كانت تستهدف مراكز إيواء النازحين، وتسببت في مقتل الكثير من الأطفال والعجزة”.
ويتابع: “تفرقنا مع ابنائي ومن ثم التقينا مرة اخرى وقررنا الخروج لمنطقة اردمتا. وفي الطريق انقسمنا لمجموعات، بعد ذلك علمت بان المجموعة التي بها ابنائي قد تعرضت لكمين ولكنهم استطاعوا النجاة وذلك اثناء مرورهم بالاحياء الشمالية.

تقرير صادم

واصدرت منظمة هيومان رايتس وهي احدى المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان حول العالم، تقريرا صادما خلال الشهر المنصرم تحت عنوان (لن يعود المساليت الى ديارهم)، كشفت من خلاله الانتهاكات التي مارستها قوات الدعم السريع في حق المدنيين العزل بولاية غرب دارفور، وبحسب التقرير فانه منذ أواخر أبريل حتى أوائل نوفمبر 2023 شنت قوات الدعم السریع والمليشيات المتحالفة معھا حملة ممنھجة، شملت القتل، لابعاد السكان من عرقیة المسالیت، من مدينة الجنينة، وھي موطن مجموعة سكانیة مختلطة إثنیا یبلغ تعدادھا حوالي (540) ألف شخص، ويكشف التقرير ان شرارة العنف انطلقت في 24 أبريل واستمرت على مراحل طیلة سبعة أسابیع، وبلغت ذروتها في منتصف نوفمبر، ووصفت ماحدث بأسؤا الفظائع التي ارتكبتھا قوات الدعم السریع والمیلیشیات المتحالفة معھا، ومعظمھا من الجماعات العربیة الدارفوریة، في الجنینة وغرب دارفور بشكل عام منذ اندلاع النزاع بین القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السریع في 15 أبريل .2023.

حفرة الموتى

ويواصل محمد في السرد: “في طريقنا لاردمتا كنا مجموعة كبيرة جدا من المواطنين. فتم الهجوم علينا، ولم يتمكن معظم الفارين من النجاة، فمنهم من تم اسره، ومنهم من سقط بالوادي ومنهم من قتل، ويصف المنظر بالمخيف”.
ويقول: “وصلت اردمتا فعلمت بان شقيقي ترك لي بعض النقود للخروج من الجنينة. ولكن كيفية الوصول اليها ايضا كانت معضلة، وقد اواجه بكمين او إرتكاز، ولكن كان لابد من ذلك، وفي الطريق التقيت بعدد من الشباب وبلغ عددنا عشرة وكانت وجهتنا واحدة، وبالفعل حدث ما توقعته، ونجونا نحن اثنين فقط من الموت، واصلنا مسيرنا فتم ايقافنا عدة مرات في الطريق، ودائما كنا نخطرهم باننا ضيوف في المدينة والامر الذي جعلهم يصدقون ان سحنة من كان معي مختلفة تماما، وفي إحدى المرات تم ايقافنا جوار حفرة كبيرة يتم رمي الجثث فيها، وتفوح منها رائحة الموت ولكن تركوهم بعد توجيه بعض الاسئلة اليهم. ويختتم حديثه بانه وصل مع مرافقه للمكان الذي يقصده بعد معاناة شديدة ومن ثم غادر لمنطقة ادري التشادية وسط صعوبات ومخاطر جمة، وطريق مفروش بالجثث”.

اسوأ الفظائع

ويعد تقرير هيومان رايتس حول تلك الأحداث من أسوأ الفظائع المرتكبة ضد المدنیین حتى الآن في النزاع الحالي في السودان، مشيرا الى ان إجمالي القتلى غیر معروف، ووفقا لموظفين في “الھلال الأحمر السوداني” فإنهم أحصوا في 13 یونیو (2,000) جثة في شوارع الجنينة، ثم توقفوا عن الإحصاء بسبب كثرة الأعداد، وبعد يومین، في 15 یونیو وقعت مذبحة واسعة. وقدر “فریق الخبراء المعني بالسودان” التابع للأمم المتحدة، نقلا عن مصادر استخبارية، أن ما بین 10 آلاف و15 ألف شخص قتلوا في الجنينة في 2023.

انتهاكات جسيمة

ووفقا للتقرير، فان العدید من الانتھاكات الجسیمة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مارستها قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها ضمن حملتھا ضد المساليت.

توفير الحماية

ويشير التقرير الى انه طوال الحملة التي استمرت سبعة أسابیع ضد المساليت، احتمت القوات المسلحة السودانیة إلى حد كبیر في ثكناتھا، غیر قادرة أو ربما غیر راغبة في حمایة السكان. ووفقا للتقرير فإنها لم توفر الحماية للمدنيين حيث تعرض والي ولاية غرب دارفور ورئيس حركة التحالف السوداني خميس ابكر للقتل الممنهج في 14 يونيو من قبل الدعم السريع، وأدى مقتله الذي تزامن مع انھیار قدرة قوات المسالیت على التصدي لھجمات قوات الدعم السریع في أحیاء غالبیتھا من المسالیت، إلى نزوح جماعي من الجنینة. وحاول بعض المدنیین والمقاتلین التوجه غربا نحو تشاد، لكنھم تعرضوا لھجوم من قوات الدعم السریع والمیلیشیات. ثم قرر العدید من المدنیین والمقاتلین الفرار نحو أردمتا والتي تضم حامیة للقوات المسلحة السودانیة، وغادروا طوال اللیل في قافلة تضم عشرات آلاف المدنیین والمقاتلین وفي الساعات الأولى من 15 یونیو، هاجمت قوات الدعم السریع والمليشيات المتحالفة معھا القافلة أثناء مرورھا عبر الجنينة، ما أسفر عن مقتل أعداد كبیرة من المدنیین أثناء ركضھم في الشوارع، أو محاولتھم اللجوء إلى المنازل والمساجد، أو محاولتھم السباحة إلى الضفة الأخرى لنھر كجا الموسمي الذي يتدفق عبر المدينة.

قتل الأطفال

وبحسب التقرير واستنادا لاحد الضحايا فإنه رأى قوات الدعم السریع تقتل (12) طفلا صغیرا على الأقل، بینھم رضع، وثلاثة رجال وامرأتين قامت قوتان من قوات الدعم السریع بأخذ الأطفال من أھالیھم، وعندما بدأ الأھالي بالصراخ، أطلقوا النار علیھم. ثم جمعوا الأطفال وأطلقوا النار علیهم وألقوا جثثھم وامتعتهم في النھر.

استهداف النساء والاطفال

ويكشف التقرير عن اندلاع موجة قصیرة من الاشتباكات في 24 أبریل بین القوات المسلحة السودانیة وقوات الدعم السریع، ثم ھاجمت قوات الدعم السریع والملشيات المتحالفة معھا أحیاء غالبیتھا من المسالیت. واشتبكوا مع جماعات مسلحة بما في ذلك قوات من “التحالف السوداني” بقیادة والي غرب دارفور الراحل خمیس عبد الله أبكر، فضلا عن رجال من المسالیت – معظمهم من الشباب – تم تنظیمھم وتعبئتھم على نحو غیر وثیق في مجموعات “الدفاع الذاتي” وقد استهدفت قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها على مدار الأسابیع التالیة، وحتى بعد أن فقدت مجموعات المسالیت المسلحة السیطرة على أحیائها بشكل منھجي المدنیین العزل حيث تم استُھداف الفتیان المراهقين والرجال بشكل خاص بالقتل و كان من بین الذين قتلوا بشكل غیر قانوني العدید من الأطفال والنساء. ویبدو أیضا أن قوات الدعم السریع والمیلیشیات المتحالفة معھا استھدفت الجرحى وأعضاء بارزین في مجتمع المسالیت، بما في ذلك المحامون، والأطباء، والمدافعون عن حقوق الإنسان، والأكاديميون، وقادة المجتمع المحلي، والشخصیات الدینیة، والمسؤولون الحكوميون المحليون .

إنتهاكات مختلفة

ويشير التقرير الي تعرض النساء والفتیات للاغتصاب، وتعرض المعتقلون للتعذیب وغیره من أشكال سوء المعامل كما دمرت قوات الدعم السریع والمليشيات المتحالفة البنیة التحتیة المدنیة بشكل منھجي وسوتھا بالأرض، وركزت على الأحیاء النھب على نطاق واسع، وأحرقت أحیاء سكنیة وقصفتھا ودمرت والمواقع، ومنھا المدارس، التي تستضیف في المقام الأول مجتمعات المسالیت النازحة وخلص مسح بأثر رجعي للوفيات أجرته منظمة “أطباء بلا حدود ” في ثلاثة مخیمات للاجئین في شرق تشاد في أسر 6,918 شخصا من الجنینة. وھذا یعني معدل وفیات صاعق بلغ ُ إلى حدوث 167 وفاة عنيفة.

إستجابة خجولة

ووفقا للتقرير فإن الجرائم ضد المساليت منذ ابريل 2023م دمرت ايضا مالا يقل عن سبع بلدات ،وقري في غرب دارفور عمدا بالنيران منذ منتصف ابريل 2023، وتم الهجوم وتدمير بلدة مستري التي تسكنها أغلبية المساليت ،ماسفر عن عن مقتل وجرح عشرات المدنيين ،وتم اعدام ملا يقل عن (28) رجلا من المساليت، وعكس التقرير تقاعس وضعف إستجابة الجهات الفاعلة من المجتمعين الاقليمي والدولي تجاه الفظائع المتكشفة ووصفتها بالخجولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *