السبت, فبراير 28, 2026
مقالات

مؤانسة رمضانية (8).. من المناحات..إلى المراثي

بقلم: فيصل محمد صالح

تكلمنا بالأمس عن المناحات كجزء أصيل من الثقافة الشعبية السودانية، وكيف انها تنقل الموت من مجرد طقس حزن إلى طقس اجتماعي عميقالجذور ينقل الموت إلى مستوى آخر يتم فيه تكريم للبطولة والمكانة الاجتماعية للفرد، ويتحوّل الحزن إلى احتفاء بالقيمة والاسم في الذاكرة الجماعية.

وفضلت أن أفصل بين مصطلحي المناحات والمراثي، بمعايير شخصية بحتة، رغم أنهما يعطيان نفس المعنى، فاعتبرت أن المناحات هي الأقرب للشعرالشعبي التلقائي الذي يحتفي بسيرة مشايخ الطرق الصوفية ورجال الدين الشعبيين والقيادات الاجتماعية وزعماء القبائل وفرسانها. بينما تبدو المراثي أقرب لشعر الحداثة، إن كان بالعامية او الفصحى، وأقدر على التعبير عن قيم اجتماعية حديثة تحتفي بشخصيات قد لا تنطبق عليها المعايير القديمة، جزئيا، وإنما تقوم على معايير حديثة سنشير إليها عند عرض نماذج المراثي.

يعتبر الشاعر والمثقف الكبير محمد أحمد المحجوب من أكثر من كتب المراثي لشعراء ومثقفي جيله، فقد رثى خليل فرح وعرفات محمد عبد الله ومعاوية نور، كما رثى والدته. لكن أقوى مراثيه في اعتقادي ما كتبه بعد رحيل السيد عبد الرحمن المهدي.

” العيد وافى فأين البشر والطرب، والناس تسأل أين الصارم الذربُ، الواهبُ المالَ لا مَنٌّ يُكَدِّرُهُ، والصادقُ الوعد، لا مَيْنٌ ولا كذبُ، بكى المُصلى جبين الأنبياء به، وفارق المنبر الصناجة الأرب، وخالط الناس يُتم بعد فرقته .. ففاتهم منه يوم النازلات أبُ، جئنا الى الدار نهديها تحيتنا .. كالسالفات فما للدار تنتحبُ، دار الإمام كساها الحُزن حُلته .. سوداء تكمن فى طياتها الكربً، وصوًح الورد فيها بعد نضرته .. والماء جف بها واحطوطب العشبُ، وأمس كنا إذا جئنا نطوف بها .. هشت تباركنا ساحاتها القشبُ، مالى أرى البقعة الثكلى تعَاورها .. حر الهجير وليل غاله الرُعبُ”
ربما تجتمع في السيد عبد الرحمن المهدي الصفات السابقة التي جاءت في المناحات، فهو زعامة وطنية ودينية واجتماعية، لكن شعر المراثي مضى ليسطر نماذج أخرى برؤى حديثة تمجد رفاق الموقف الواحد والاتجاه السياسي مع الشجاعة وثبات المواقف، دون أن يكون الفرد زعيم قبيلة أو شيخ طريقة.

ودونك في ذلك رثاء الفيتوري للشهيد عبد الخالق محجوب، وهي من أجمل ما كتب الفيتوري، ومنها ” لا تحفروا لي قبراً، سأرقد في كل شبر من الأرض، أرقد كالماء في جسد النيل، أرقد كالشمس فوق حقول بلادي، مثلي أنا ليس يسكن قبرا، لقد وقفوا..ووقفتَ..، لماذا يظن الطغاة الصغار، ..وتشحب ألوانهم –، إن موت المناضل موت القضية، أعلم سر احتكام الطغاة إلى البندقية، لا خائفاً..إن صوتي مشنقة للطغاة جميعا، ولا نادماً..إن روحي مثقلة بالغضب، كل طاغية صنم..دمية من خشب”.

وكان محجوب شريف بارعا في التغني للراحلين من الشهداء والمناضلين، وقادرا على الخروج بالمرثية من حضن الموت إلى ساحات الاحتفاء والتكريم والغناء، وها هو يغني للشهيد الشفيع أحمد الشيخ
” حلالي انا واحلالي، أريتو حالك يابا حالي، الشفيع يافاطمة في الحي، وفي المصانع وفي البلد حي، سكتيها القالت أحًي، ماحصادو الأخضر الني، راضي عنو الشعب والدي، ومات شهيد أنا واحلالي، ياالورش يالسكة الحديد، يامصانع ناره بتقيد، شدوا حبل اليوم السعيد، شايفو قرًب واحلالي,,”. ونرى ذلك في مرثيته للسيد عبد الكريم ميرغني “يابا مع السلامة” التي تحولت لأغنية على لسان فرقة عقد الجلاد يرددها الشباب في كل مكان.

وأشفق كثيرا على صديقي الشاعرالكبير أزهري محمد علي الذي تحمل عبء الكتابة عن الأصدقاء رفاق التجربة والمشروع الراحلين،مصطفى سيد أحمد وحميد وثم القدال. ولم تتوقف نداءاته لمصطفى سيد أحمد
“ﺿﻤﺪ ﺟﺮﺍﺣﺎﺗﻚ ﺗﻌﺎﻝ، ﻣﻦ ﺿﻼﻣﺎﺗﻚ ﺗﻌﺎﻝ، ﻣﻦ ﺣﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺮﺯﺥ ﺗﻌﺎﻝ، ﻣﻦ ﺷﺮﻓﺔ ﺍﻟﻤﻠﻜﻮﺕ ﺗﻌﺎﻝ، ﺃﺩﻳﻨﺎ ﻫﻴﻨﻴﻦ ﻣﻦ ﺻﺒﺮ، ﺍﻟﺴﻜة أﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﻣﺸﻴﻚ، ﻭ ﺍﻟﺠﺮﺡ أﻋﻤﻖ ﻣﻦ ﺣﺪﻭﺩ ﺍﻻﺣﺘﻤﺎﻝ، ﺍﻟﺴﺎﺑﻠة ﻭ ﺍﻻﻃﻔﺎﻝ ﻫﻨﺎﻙ، ﻗﺪﺍﻣﻚ ﺍﻟﻤﺸﻮﺍﺭ ﻃﻮﻳﻞ، ﻭ ﺍﻟﺮﻳﺢ ﻭﺭﺍﻙ، ﻛﻞ ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ ﺍﺗﺸﺮﻓﺖ ﻟﻲ ﻃﻠﻌﺘﻚ، ﻭﺍﻟﻮﻧﺴة ﻣﺎ ﻛﻤﻠﺖ ﻣﻌﺎﻙ، ﺍﻟﻘﺮﻗﺮﺍﺏ ﻭ ﺍﻟﻘﻬﻘﻬﻪ،
وقلب مثقل بالوجعة وقف أيضا يناجي صفيه حميد

“كيف أمسيت هناك ياصاحبي..في البرزخ لعلك (طيبة)…، مبسوط والأمور مستورة..بالنفس الرضية رطيبة؟ أخوان الصدق تلقاهم….ضاربين الهوى الترطيبة، أجمل من طيور الجنة..في الروضة البفوٍح طيبا…، ياصاحبي الصدق باب الله… العند الله حاجه قريبة، أقرب من مسافة طرفة…لو بقت البصيرة خصيبة، نان قايل وراك صدقنا..غير صدقا تخالطو الريبة؟؟، نحن المن دواعي الغفلة…سمينا الحقيقه مصيبة، كلنا في كمين الكتمة…والكلمة العلى التشطيبة، فازعين في غناك ماطُلنا…من شجر المعاني حِطيبة…، ماعلَبنا نار بالمرة، مادخلت غنانا ((حبيبة))، ينفكً الهوى وينصرً,,بين شهقة دليب وحقيبة،وإنت الفي المجالس غُرة…في رأس القصايد (شيبة)،عليت المعاني مباني…لو تقبل تشيلنا قليبة” ثم يلحف أزهري في السؤال..”وين سر الشعر ختيتو؟ في الفجة الورا (القوسيبة)…، وللا حقبتو وإتوكلت…شان ذاتا الكتابة نسيبا”
النمادج كثيرة، وقد تكون هناك نماذج أقوى، هذا ما جادت به الذاكرة الخربة بمساعدة محركات البحث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *