الجمعة, فبراير 27, 2026
مقالات

مؤانسة رمضانية (7).. أدب المراثي والمناحات في السودان

بقلم: فيصل محمد صالح

ذكرت قبل يومين إشارة لأدب المراثي والمناحات في السودان، ويبدو أن الكلمتين متطابقتان، لكن تبدو كلمة المراثي أكثر رسمية وأقرب للفصحى، بينما المناحات، الماخوذة من النواح والبكاء، أقرب للوجدان الشعبي.

وأدب المراثي والمناحات في السودان هو تقليد شعبي عميق الجذور يرتبط بالموت والحزن، لكنه يتخذ طابعاً احتفالياً، ويشكل جزءاً من الهوية الثقافية السودانية، وقد يكون موجودا عند شعوب أخرى بصور مختلفة. وبمرور الزمن طغى الجانب الفني والإيقاعي على المعنى والمقصد، حتى تحولت بعض المناحات، ودعونا هنا نستخدم هذا المصطلح بدل كلمة المراثي، إلى أغنيات تغنى في الحفلات، فيطرب لها الناس ويعبروا عن ذلك بأشكال من الرقصات الشعبية.

كم طربنا مع الفنان الكبير محمد الأمين وهو يغني ” غرار العبوس..دار الكمال ونقاص…دوبا حليل أبوي الـ للعلوم دراس” وهي مرثية للشيخ الصوفي الكبير عبد الباقي ابن الشيخ حمد النيل. ولا تزال الحفلات تختم أو تصل ذروة الإيقاعات الصاخبة والفنان وفرقته يرددون ّ الكان داكا…سيدي سيد الاراك” وهي مرثية للشيخ حسب الرسول ود بدر ..سيد “أم ضواً بان”. والفنان علي إبراهيم اللحو لم يعتلي مسرح إلا وكانت أغنيته الأثيرة هي المناحة التي كتبت في رثاء العمدة أبو جديري عمدة منطقة كلي والمشهورة باسم أب عاجات اللحو ..” بجيب قولّن صحيح في ابويا ماهو شكر، مثبوتات فضايلو ومافي من ينكر، أبو زيد الهلالي زايد عليهو قدر، عباس تور قريش منو مابقصّر، زنادو ان حركّو بقوم وما بفكّر، دايماً فاك ضراعّو وبيهو مابفشّر”.

هذه المناحات تأتي ضمن سياق أدبي شعبي سوداني عميق الجذور حيث يُنظر إلى الموت ليس فقط كفقدان، بل كـتكريم للبطولة والمكانة الاجتماعية للفرد. وفي مثل هذه النصوص، يتحوّل الحزن إلى احتفاء بالقيمة والاسم في الذاكرة الجماعية.

المراثي والمناحات إذن ليست مجرد حزن، بل هي طقس نفسي واجتماعي. حتى لو ارتبط الموت أصلاً بالأسى، فإن هذا الأدب يعكس قدرة المجتمعات على تحويل الفقد إلى تجربة اجتماعية مشتركة، تهدف إلى التخفيف النفسي والاحتفاء بالروابط الإنسانية.

في المرثيات يختلط الحزن بالحب والحنين والفخر وأحيانا الرفض لفكرة الموت كنسيان وغياب بتأكيد الحضور الدائم في الذاكرة وفي الوجدان. وفي المجتمعات القبلية المحاربة تحضر عبارات الفخر والشجاعة والبطولة في المراثي مقرونة برفض الموت الباهت على السرير، والحث على الموت البطولي في المعارك، كما قالت بنونة بنت المك في رثاء شقيقها عمارة ” ما دايرالك الميتة أم رمادا شح…دايراك يوم لقا بدميك تتوشح، الميت مسولب والعجاج يكتح” وللناطقين بغيرها فالشاعرة لا تريد لأخيها ميتة باردة على السرير والنائحات ينثرن على رؤوسهن الرماد، لكن تريد له أن يأتي يوم اللقاء، أي الحرب، متوشحا بدمائه، الجثث على الأرض والغبار يغطي أرض المعركة.

وفي المناحات فإن التغني بفضائل الشخص الذي رحل تشكل جزءا أساسيا من المناحة، الكرم والشجاعة والفروسية والقدرة على تحمل المسؤولية، وفي رثاء الشيخ حسب الرسول ود بدر تقول النائحة/المغنية :
“أبوي وينو بحر الظمايا، وينو الجاتو العمايا، أبوي وينو البعصر جنايا،
أبوي وينو الإيدو عطايا، سيد الحَلْقَه التَكُر، سيد القدح البجُر، نارو توقد للفجر
ضَوًت ليلة القدر” ..فهو الذي يروى العطشى ويأوي المحتاجين ويربى اليتامى، حلقته القرآنية ممتدة للفجر، ويده ممدودة بالعطاء وأقداح طعامه متوفرة.

الملاحظ أن معظم هذه المناحات رويت على لسان نساء، فالغناء أصلا في المجتمعات القديمة كان شأن النساء، ولذاك تجد كل المرويات الشعبية من شعر النساء إلا باستثناءات قليلة، مثل الشاعر المغني بابا الذي اشتهر في منطقة البشاقرة وما جاورها وله أغاني معروفة مثل “الأحييت سنن البرامكة” في مدح النعيم ود حمد، و”البشيل فوق الدبر ما بيميل” في مدح الشيخ الجيلي الشيخ العباس ود بدر.

وعندما كنا ناشطين في التيار القومي كنا معجبين بقصيدة رقية شقيقة الشهيد البطل عبد القادر ود حبوبة عندما اسره الانجليز واتوا به للمشنقة فانشدته “بتريد اللطام…اسد الكدادة الزام، هزيت البلد من اليمن للشام” فكيف لهذه المراة الريفية البسيطة في ريف الحلاوين ترى ان بلدها من اليمن للشام..؟.

خلاصة القول إن المناحات تحمل رثاءا وحزنا صادقا لفقد شخصية محترمة وقيمة في المجتمع وتكريم واحترام لمن كان رمزا للعلم والكرم والبطولة والقيادة الاجتماعية، وفيها احتفاء تراثي صوفي بما يمثّله المشايخ من نور وبركة في الذاكرة الجماعية ولذلك فإنها في الغالب تقال في شيوخ الصوفية وزعماء القبائل وسادتها وفرسانها الأبطال
وغير قيمتها الاجتماعية والفنية فإن لها وظائف ثقافية أخرى في التعلم والنقل الثقافي بما تحوي من نصائح، أخلاق، أو ذكريات للأجيال الجديدة عن الفقيد ومكانته في المجتمع.

أتوقع أن يكن هناك جدال حول نسبة بعض هذه المناحات للشعراء أو الشاعرات، وكذاك مناسباتها ومن قيلت فيهم، لأن تاريخناالاجتماعي بطبيعنه شفوي وقابل للنقل والجدال.
لكن غدا سنتحدث عن المراثي الحديثة التي قيلت في عصرنا الحالي وبمداخل قد تختلف قليلا عن المناحات القديمة من حيث اللغة والبناء والقيم التي يتم الاحتفاء بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *