الإغتصاب في زمن الحرب (2)
تقرير: حسين سعد
لم يعد الاغتصاب في سياق الحرب السودانية حادثة معزولة أو جريمة فردية، بل أصبح ظاهرة مقلقة تشير إلى نمط من الانتهاكات المتكررة التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، خاصة النازحات اللواتي وجدن أنفسهن بلا حماية كافية في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتفكك منظومة العدالة، ومع اتساع رقعة النزاع وتراجع قدرة الأجهزة العدلية على القيام بدورها، تتزايد المخاوف من أن يتحول العنف الجنسي إلى أداة ترهيب ممنهجة تُستخدم لتفكيك المجتمعات وإذلالها وإجبارها على النزوح أو الخضوع لسلطة السلاح.
وتشير شهادات الضحايا وتقارير المنظمات الحقوقية إلى أن كثيراً من هذه الجرائم يرتكب في سياق من الإفلات شبه الكامل من العقاب، حيث تواجه الأسر ضغوطاً اجتماعية وقانونية، ومحاولات للتلاعب بالإجراءات القضائية أو تسوية القضايا بعيداً عن العدالة، وفي ظل هذه الظروف، يصبح الصمت – المفروض بالخوف والوصمة الاجتماعية – عاملاً إضافياً يساهم في استمرار هذه الجرائم.
ينطلق هذا التقرير، في حلقته الثانية من منظور إنساني وحقوقي لتوثيق نماذج من جرائم الاغتصاب التي تعرضت لها نساء وفتيات في مناطق مختلفة من السودان خلال الحرب، مسلطاً الضوء على السياقات التي وقعت فيها، وعلى الإطار القانوني الوطني والدولي الذي يجرّمها، وعلى التحديات التي تواجه الضحايا في الوصول إلى العدالة. كما يسعى التقرير إلى إبراز خطورة هذه الجرائم بوصفها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى – في حال ثبوت طابعها الواسع أو الممنهج – إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، إن كشف هذه الوقائع ليس مجرد عمل توثيقي، بل خطوة ضرورية لكسر الصمت المحيط بالعنف الجنسي في زمن الحرب، ولتذكير المجتمع السوداني والعالم بأن حماية النساء والفتيات ليست قضية هامشية في مسار السلام، بل شرط أساسي لأي مستقبل يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية.
فما تكشفه هذه الشهادات ليس مجرد قصص فردية مؤلمة، بل صورة أوسع لانتهاكات تمس جوهر إنسانية المجتمع، وتطرح سؤالاً ملحاً أمام السودان والعالم: كيف يمكن بناء سلام حقيقي بينما تظل أجساد النساء ساحة مفتوحة للحرب؟
من دارفور الى الجزيرة:
ليست هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها الاغتصاب كسلاح في النزاعات بالسودان. ففي إقليم دارفور، خلال النزاع الذي اندلع عام 2003، وثّقت تقارير دولية واسعة النطاق استخدام الاغتصاب الجماعي كأداة لترويع المجتمعات المحلية، خصوصاً النساء المنتميات إلى جماعات إثنية بعينها. وقد اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية لاحقاً أن بعض هذه الجرائم قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية؟ وتراكمت جرائم العنف الجنسي في دارفور منذ حرب 2003، لم تُحاسَب الغالبية العظمى من الجناة، ما خلق ذاكرة جماعية من الإفلات شجّعت على إعادة إنتاج الجريمة في النزاع الحالي. وفي الخرطوم والجزيرة، أعادت الحرب إنتاج السيناريو ذاته: نساء يتعرضن للاغتصاب، يبلغن – إن استطعن – ثم يُواجهن الصمت، أو التهديد، أو الوصم. ومع اندلاع الحرب في الخرطوم ومدن أخرى مثل الجزيرة وسنجة ، والجنينة ونيالا، وبارا ، والنهود ، والفاشر عادت تقارير الانتهاكات، لكن هذه المرة في قلب العاصمة، داخل الأحياء السكنية، وفي البيوت، وعلى الحواجز العسكرية، وفي مراكز الاحتجاز المؤقتة، وأشارت تقارير صحفية وحقوقية إلى أن مئات الآلاف من النساء والفتيات في مناطق النزاع يواجهن مخاطر عالية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الاغتصاب والاستعباد الجنسي والزواج القسري، ومع انهيار البنية الصحية، باتت خدمات الدعم النفسي والرعاية الطبية الطارئة شبه معدومة في كثير من المناطق.
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من الناجيات لا يُعاملن كضحايا، بل كـمتهمات اجتماعيًا، فالخوف من الفضيحة، والوصمة الاجتماعية، والانتقام، يدفع آلاف النساء إلى الصمت، ما يجعل الأرقام الحقيقية للعنف الجنسي في السودان أعلى بكثير من الموثق، هذا الصمت القسري لا يعني غياب الجريمة، بل يعكس عمق الأزمة الأخلاقية والاجتماعية، حيث تتحمل الضحية عبء الجريمة، بينما يفلت الجاني دون مساءلة؟ فالحرب بالسودان لم تدمّر البنية التحتية فحسب، بل دمّرت إحساسًا جماعيًا بالأمان وكرامة النساء، فالجسد ليس ساحة حرب، بل حياة وذاكرة ومستقبل، وإذا لم نتحرك اليوم، سيستمر إرث الحرب في العقول قبل الأرض: السؤال الذي سيحكم التاريخ ليس فقط: من أطلق النار؟ بل : من وقف ليقول إن الجسد ليس غنيمة حرب؟
الإفلات من العقاب:
وفي ذات الوقت أشارت تقارير سابقة إلى أن مئات الأطفال – بمن فيهم فتيات وفتيان – تعرضوا للاغتصاب منذ بداية 2024، وتظهر الحالات حتى في سن صغيرة جداً، ما يعكس جانبًا من أسوأ تبعات النزاع على الجيل الجديد، هذه الانتهاكات الموجهة للأطفال تشكل انتهاكًا مزدوجًا لحقوق الطفل، في وقت يواجه فيه ضحايا العنف الجنسي في السودان إفلاتًا واسعًا من العقاب وغالبًا غيابًا كاملًا لمسارات العدالة، ما يجعل الاحتجاز والمقاضاة والمسائلة القانونية مسارات بعيدة عن متناول الناجيات وعائلاتهن، ويعتبر الإفلات من العقاب أحد أبرز العوامل التي تُغذي استمرار العنف الجنسي في النزاعات، فغياب العدالة عامل مُغذٍ للعنف الجنسيظن و يُعتبر الإفلات من العقاب أحد أخطر العوامل التي تُسهم في تفشي العنف الجنسي في السودان، فمع غياب أجهزة الشرطة الفاعلة، وانهيار النظام القضائي، وانعدام الثقة في مؤسسات الدولة، يجد مرتكبو هذه الجرائم أنفسهم في بيئة مثالية لارتكاب الانتهاكات دون خوف من المحاسبة.
وضع صحي حرج:
وتقول الدكتورة أديبة إبراهيم السيد أخصائية الباطنية والأوبئة عضو فرعية خصوصي أم درمان اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان إن الحالات التي تصل للمرافق الصحية غالباً تكون متأخرة وفي وضع صحي حرج، نزيف حاد، التهابات قد تصل إلى تسمم الدم، تمزقات في عنق الرحم، ناسور بولي نتيجة الاغتصاب الجماعي، وتشير إلى أن كثير من الضحايا لا يكملن البروتوكول العلاجي بسبب النزوح أو الخوف من الوصمة، كما أكدت أن انهيار النظام الصحي — مع خروج نحو 80% من المرافق عن الخدمة — وهو ما انعكس بصورة مباشرة وخطيرة على صحة النساء، لا سيما الناجيات من الاغتصاب، وحرم الناجيات من الوقاية من الأمراض المنقولة جنسياً، ومنع الحمل الطارئ، والدعم النفسي، وانعدام الخدمات الأساسية المرتبطة بالبروتوكولات العلاجية الخاصة بالاستجابة لحالات العنف الجنسي ،وفي بعض الحالات، سُجلت حالات انتحار بين الناجيات، أخريات تعرضن لعنف أسري بعد الاعتداء، إلى جانب توقف عشرات المنظمات الطوعية والدولية التي كانت تقدم خدمات حيوية في هذا المجال، مما فاقم الوضع الصحي إلى مستوى كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في هذا السياق، أصبحت النساء الناجيات من الاغتصاب عرضة لخطر دائم، حيث يتم تسجيل حالات وفاة كان يمكن تفاديها لو توفرت الرعاية الطبية الأساسية في الوقت المناسب.
إنتمائهن العرقي:
وفي حديثها مع صحيفة (مدنية نيوز) وصفت الاستاذة هالة الكارب المديرة التنفيذية لشبكة نساء القرن الافريقي (صحية) وصفت نساء السودان هن نبض الحياة لاسهامهن الكبير في الحياة وفي صيرورتها وهن الامل في استعادة ما فقدناه.
وبالرغم معانتنا بغض النظر عن هويتنا، عنفًا ممنهجا على يدّ جميع الاطراف الفاعلة بسبب انتمائهن العرقي، ولون بشرتهن، وفقرهن، وقدراتهن، وانتمائهن السياسي، من بين عوامل أخرى.
واعتبرت الكارب العنف القائم على النوع االجتماعي والعنف الجنسي ضدّ النساء والفتيات السودانيات سمة ّ مركزيّة لهذا النزاع. ويستمر هذا العنف، بما في ذلك الاغتصاب والتعذيب والاستعباد والاتجار ، والاحتجاز ، والاختطاف، والقتل، وقالت هالة : نحن وثقنا في شبكة صحية أكثر من (1294) حالة منذ بداية الحرب، لعنف جنسي مرتبط بالنزاع ضدّ النساء والفتيات، ارتكبتها في المقام الأول قوات الدعم السريع وحلفاؤها، وفي دارفور، استهدفت قوات الدعم السريع وحلفاؤها النساء والفتيات من مجتمعات الفور والمساليت والبرتي والزغاوة والتنجر عمدًا على أساس ّ انتمائهن العرق.
ولفتت الكارب الي تقرير حديث صادر عن بعثة الامم المتحدة لتتقّصي الحقائق في 14 فبراير 2026م حيث أشار التقرير إلي إن هذا الاستهداف جزء من استراتيجية إبادة جماعية تهدف إلى القضاء على المجتمعات الافريقية الاصيلة ، وهي استراتيجية شهدناها –بصفتنا مجتمعًا مدنيًا – في دارفور لعقود من الزمن، وقالت هالة إن النساء في الخرطوم والجزيرة ومناطق شمال السودان والنيل الازرق تعاني من انعدام الامن والاعتقالات الجزافية والقوانين التميزية وزواج الطفلات والفقر المقنن، وأوضحت المديرة التنفيذية لشبكة نساء القرن الأفريقي (صيحة) ان العنف ضد النساء في السودان يظل قضية سياسية في المقام الاول ناتجة من غياب مفاهيم المواطنة المتساوية وضعف وغياب التزام السودان بالأطر القانونية الدولية التي تحمي النساء والفتيات وتخافظ علي بنية الدولة وحقوق المواطنة المتساوية.
وكانت الاستاذة هالة الكارب المديرة التنفيذية لشبكة نساء القرن الافريقي (صحية) قد أكدت أمام مجلس الأمن الدولي ، توثيق 1294 حالة عنف جنسي في 14 ولاية منذ اندلاع الحرب، وتسجيل 225 حالة ضد أطفال، كما كشفت عن احتجاز ما لا يقل عن 840 امرأة داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، واستخدام مرافق مدنية كمراكز احتجاز، وأكدت أن نسبة (87%) من الحالات التي أمكن تحديد الجناة فيها نُسبت إلى قوات الدعم السريع، وقالت الكارب أن الانتهاكات لم تقتصر على طرف واحد، وأن النساء ظللن الهدف الأضعف في النزاع.
شهادة ناجية:
وفي ذات السياق قالت صحيفة (في جي ) النريويجة في تقرير كتبه كل من : أموند باكه فوس وسياماك نيماتبور ان العنف الجنسي يُستخدم كسلاح (على نطاق صادم)، بحسب الأمم المتحدة، عناصر المجموعات المسلحة والجنود ينتقلون من منزل إلى منزل، ومن خيمة إلى خيمة، ليس فقط للقتل، بل لاغتصاب المدنيين من النساء والرجال، تروي الآن امرأة نجت من هجوم كهذا قصتها، من خلال سلسلة من الرسائل الصوتية التي أرسلتها إلى صحيفة (في جي ) وهي أمراة في الثلاثينيات من عمرها، فرت مع عائلتها من المعارك القاتلة بين الجيش الحكومي قوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم، لجأوا إلى منطقة جنوبًا في ولاية الجزيرة، حيث اعتقدوا أنهم سيكونون بأمان، لكنهم كانوا مخطئين، بعد وقت قصير، اقتربت المعارك من هناك أيضًا، تقول: كنا في الداخل، وفجأة سمعنا إطلاق نار وصراخ الناس، خرج أخي ليرى ما الذي يحدث، سمعنا إطلاق نار مرة أخرى، لكننا لم نظن أن أخي هو من أُصيب، حاولت الهرب مع والدها وشقيقتها، لكن جنودًا من قوات الدعم السريع دخلوا المنزل فجأة، كان بعضهم يرتدي ملابس مدنية، وآخرون يرتدون زيًا عسكريًا، تقول إن الجنود ضربوا والدها فسقط أرضًا، – كنت خائفة جدًا وبدأت أصرخ، على أمل أن يسمعني أحد ويأتي لمساعدتنا.
إغتصاب جماعي:
المرأة التي تروي هذه القصة تخشى بشدة أن يعثر عليها الجنود الذين هاجموها وعائلتها، ولذلك تم إخفاء هويتها لأسباب أمنية، رغم أن الصحيفة تعرف هويتها، ورغم خوفها، تريد أن يعرف العالم ما يجري الآن داخل السودان، وكيف تؤثر الحرب على أشخاص مثلها. لذلك اختارت أن تتحدث، داخل المنزل، وبعد بدء الهجوم، دخل المزيد من الرجال المسلحين.
– ضربوني أيضًا فسقطت. ثم أخذوا أختي إلى غرفة، لكن والدي نهض ليحاول حمايتها. فأطلق جنود قوات الدعم السريع النار عليه. رأيت كل شيء، كانت تسمع صراخ أختها في الغرفة، لكنها لم تستطع مساعدتها لأنها كانت مقيدة وتُضرَب، تعرّضنا للاغتصاب لمدة أربع ساعات، كانوا أربعة في البداية، ثم انضم إليهم ثلاثة آخرون، لا أتذكر كل شيء لأنني كنت منهكة تمامًا، عندما انتهى الجنود وغادروا المنزل، تقول إنها سمعت أصواتًا خافتة من أختها في الغرفة الأخرى، عندما دخلت أخيرًا، وجدتها تنزف بشدة، حاولت مساعدتها، حاولت إنقاذ حياتها، لكنها ماتت أيضًا، قتل والدها وشقيقها وشقيقتها في الهجوم ، أما هي فقد فرت مرة أخرى، وتوجد الآن في منطقة لا تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
نطاق صادم:
وأشارت المجلة الي ما كشفه تقرير جديد للجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان ما وُصف بأنه (نطاق صادم) من العنف الجنسي في البلادن، تم توثيق ما لا يقل عن 400 حالة من قبل الأمم المتحدة، لكن يُعتقد أن هذا العدد لا يمثل سوى جزء صغير من الواقع، وفي ذات السياق أكد يان إيغلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين : حتى موظفونا وزوجاتهم تعرضوا للاغتصاب، وأشار إلى حادثة تقييد أحد الأزواج، واغتصاب زوجته أمامه، ونبه الي ان الامم المتحدة قد وثقت ما لا يقل عن 400 حالة، لكنها تشير إلى أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير، وخلصت تقارير تقصي الحقائق إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، واغتصاب جماعي، واستعباد جنسي، بينما أشارت إلي ان النمط الممنهج التقاطع بين السيطرة العسكرية، و العنف الجنسي، والنزوح، وانهيار الخدمات الصحية، وأشار إلى أن ما يحدث، ليس حوادث فردية بل نمط متكرر يخدم أهدافاً عسكرية واجتماعية. (يتبع)

