الأحد, يونيو 21, 2026
تقاريرسياسة

إصلاح الخدمة المدنية أم تصفية جهاز الدولة؟

كتب: حسين سعد

في 18 يونيو 2026، قدّمت لجنة حكومية معنية بمراجعة أوضاع العاملين في مؤسسات الدولة توصية بإنهاء خدمة نحو 63,833 موظفاً من إجمالي 106,388 يعملون في الأجهزة الاتحادية والهيئات والشركات العامة، أي ما يقارب 60% من القوة العاملة، وفق وثائق رُفعت إلى مجلس الوزراء.

وبحسب البيانات، شملت التوصيات تصنيف 17 مؤسسة وهيئة حكومية ضمن فئات “ممولة” و“متعسرة” و“مدعومة”، مع طرح خيارين أساسيين لإنهاء الخدمة هما “المعاش الاختياري” و“إلغاء الوظيفة”.

ورغم خطورة الأرقام، لم يوضح التقرير المعايير التفصيلية التي استندت إليها اللجنة في تحديد نسب الإعفاء، ما أثار تساؤلات جوهرية حول الأسس المهنية والإدارية التي بُنيت عليها التوصيات.

وتقدّر التكلفة المالية لإنهاء الخدمة بنحو 396.1 مليار جنيه سوداني، تشمل مخصصات نهاية الخدمة وامتيازات إضافية، من بينها منح سيارات للدرجات الوظيفية العليا.

كما أوصت اللجنة بإحالة 28,379 موظفاً إلى المعاش الاختياري، وإنهاء خدمة نحو 59,000 موظف عبر إلغاء الوظائف، وهو ما يرفع العدد الإجمالي إلى أكثر من 87,000 موظف، أي ما يقارب 85% من القوة العاملة، في تناقض مع النسبة المعلنة رسمياً في التقرير.

إصلاح أم إعادة تشكيل للدولة؟

تبدو التوصيات، في ظاهرها، جزءاً من “إصلاح الخدمة المدنية”، لكنها تطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام إصلاح مؤسسي فعلي، أم أمام إعادة تشكيل قسري لجهاز الدولة؟
فاستهداف ما بين 60% إلى 85% من العاملين في الجهاز الاتحادي لا يعكس مجرد تحسين للأداء، بل يشير إلى إعادة تعريف لوظيفة الدولة وحدودها، بما يقترب من تفكيك البنية التقليدية للخدمة العامة.

غياب المنهجية: إصلاح بلا أدوات

أحد أبرز الإشكالات يتمثل في الفجوة بين حجم القرار وغياب الأسس المنهجية التي تحكمه. إذ لم تُعرض معايير واضحة للاختيار أو التدرج أو تقييم الأداء الوظيفي، كما غابت خطط إعادة التدريب أو إعادة الإدماج.
هذا الغياب لا يبدو تفصيلاً فنياً، بل يعكس طبيعة المقاربة ذاتها، التي تبدو أقرب إلى تقليص عددي واسع منه إلى إصلاح تدريجي يقوم على بناء القدرات بدلاً من إلغائها.

البعد السياسي: إعادة إنتاج الإقصاء

لا يمكن فصل هذه التوصيات عن السياق السياسي والاقتصادي العام في السودان، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار المالي وضعف مؤسسات الدولة.
لكن الإشكال أن الاستجابة للأزمة تأتي عبر تقليص الجهاز الإداري بدل إعادة هيكلته، وهو خيار يحمل دلالات سياسية واضحة، أبرزها:

إعادة إنتاج الإقصاء الوظيفي تحت غطاء “الإصلاح”
وتفكيك شريحة واسعة من الطبقة الوسطى المرتبطة بالدولة وتحويل الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية ممتدة

وبذلك يصبح السؤال المركزي: هل يجري إصلاح الدولة أم تقليصها إلى حدها الأدنى الوظيفي؟

البعد الاقتصادي: تعميق الأزمة؟

تشير التقديرات إلى تكلفة مالية مرتفعة لإنهاء الخدمة تصل إلى مئات المليارات من الجنيهات، ما يضع القرار في مفارقة واضحة: تقليص الإنفاق مقابل كلفة تصفية مرتفعة.
لكن الأثر الاقتصادي يتجاوز الميزانية إلى السوق ذاته، عبر:
زيادة البطالة في سوق منهار أساساً وتقليص القوة الشرائية للأسر وتحويل الدخل من رواتب شهرية إلى تعويضات مؤقتة وبذلك يتحول القرار من أداة لضبط المالية العامة إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة الاقتصادية.

البعد الاجتماعي: تفكيك الاستقرار الوظيفي

يمثل الموظف الحكومي في السودان جزءاً من شبكة اجتماعية تعتمد على دخل ثابت في اقتصاد هش. وبالتالي فإن أي تقليص واسع بهذا الحجم لا يعني فقدان وظائف فقط، بل إعادة تشكيل للبنية الاجتماعية ومن أبرز النتائج المتوقعة:

اتساع رقعة الفقر في المدن
زيادة الاعتماد على التحويلات والمساعدات
تآكل الطبقة الوسطى المرتبطة بالدولة
ضغط متزايد على الاقتصاد غير الرسمي
إشكالية الشرعية والحوكمة

تُظهر الوثائق غياباً واضحاً لآليات الحوكمة، سواء من حيث: غياب آليات الاستئناف
ضعف التشاور مع ممثلي العاملين وغياب معايير شفافة للاختيار
كما أن إعادة تسمية اللجنة من “تصفية العاملين” إلى “إصلاح الخدمة المدنية” تبدو محاولة لإعادة صياغة لغوية لقرار ذي أثر اجتماعي واسع دون تغيير جوهره.
وهذا يضعف من شرعية القرار، ويثير تساؤلات حول توافقه مع المعايير الدولية لعلاقات العمل. كما تطرح هذه السياسات في لحظة تعاني فيها الدولة من حرب مستمرة، وانهيار اقتصادي، وتراجع حاد في سوق العمل، وضعف مؤسسي عميق.

مواقف سياسية وتحذيرات

حذّر حزب الأمة بقيادة مبارك المهدي مما وصفه بـ“أخطر عملية تقليص للخدمة المدنية في تاريخ السودان الحديث”، معتبراً أن التوصيات تمثل امتداداً لسياسات الإقصاء وليست إصلاحاً حقيقياً.
وأشار الحزب إلى غياب أي خطط لإعادة التأهيل أو التدريب، وانتقد التناقض بين هذه التوصيات ونفي سابق من مكتب رئيس الوزراء بشأن التسريح.
كما حذّر من تكرار تجارب سابقة مثل “الصالح العام”، التي ساهمت في إضعاف الخدمة المدنية وتحويلها إلى أداة للإقصاء السياسي.
وأكد أن تنفيذ هذه التوصيات سينعكس مباشرة على عشرات الآلاف من الأسر المتضررة من الحرب والانهيار الاقتصادي، داعياً إلى إصلاح يقوم على إعادة الهيكلة والتدريب والعدالة الوظيفية، بما يتوافق مع اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (144) التي تنص على التشاور مع ممثلي العمال.

سوق العمل: تحت مقصلة الحرب

في مارس 2026، تناول تقرير لـ«سودان تربيون» انهيار سوق العمل في السودان بفعل الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات، والتي دمرت البنية الإنتاجية والخدمية، ودَفعت ملايين العمال إلى الفقر والنزوح. بجانب إنهيار القطاع غير المنظم بشكل شبه كامل، خصوصاً في مدن رئيسية مثل الخرطوم وود مدني وسنار، فيما فقدت آلاف الأسر مصادر دخلها، واضطر العديد من الكوادر المهنية إلى العمل في أنشطة هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتها.
وتؤكد تقديرات منظمة العمل الدولية أن معدل البطالة ارتفع إلى نحو 80% في المناطق المتأثرة، فيما فقد أكثر من 5 ملايين شخص مصادر دخلهم، مع تراجع القوة الشرائية بأكثر من 85% نتيجة التضخم وانهيار العملة.
كما أظهرت الدراسات تفاقم هشاشة العمال في القطاع غير الرسمي، خاصة النساء العاملات، اللواتي يمثلن نحو 70% من هذا القطاع، ويواجهن مخاطر اقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة.

تحذيرات نقابية

وفي المقابل حذّر مكتب النقابات بتحالف قوى التغيير الجذري من تفاقم الأزمة المعيشية، مؤكداً أن استمرار الحرب أدى إلى تآكل غير مسبوق في الأجور والدخول، وارتفاع معدلات الفقر.
واتهم المكتب ما وصفه بـ“حكومة الأمر الواقع” بالفشل في حماية المواطنين من الغلاء، مشيراً إلى أن اقتصاد الحرب بات يهيمن على النشاط الاقتصادي.
ودعا إلى وقف الحرب باعتباره المدخل الأساسي لاستعادة الاقتصاد وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج والتنمية، وتوحيد جهود الفئات المتضررة للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

خاتمة المحرر

تطرح توصيات إنهاء الخدمة بهذا الحجم سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المشروع المطروح: هل هو إصلاح للخدمة المدنية أم تقليص لدور الدولة؟
ففي غياب رؤية شاملة لإعادة بناء المؤسسات، وضمانات اجتماعية للعاملين، تبدو هذه الخطوات أقرب إلى إعادة تفكيك للجهاز الإداري للدولة، أكثر من كونها إصلاحاً مدروساً.

وفي ظل هشاشة السياق السوداني الراهن، فإن أي إصلاح لا يضع الإنسان في قلب المعادلة، ولا يوازن بين الكفاءة والعدالة الاجتماعية، قد ينتهي إلى إنتاج أزمة أعمق من تلك التي يسعى إلى معالجتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *