السبت, يونيو 27, 2026
اقتصادتقارير

الجزيرة الترع الجافة والحواشات العطشى

كتب.. حسين سعد

لا تمثل شكوى المزارع قاسم صالح الطاهر من شح المياه في ترعة المحريبا بمكتب المعيلق بالقسم الشمالي حادثة معزولة أو مشكلة فنية محدودة النطاق، بل تعكس أزمة أعمق تواجه القطاع الزراعي السوداني عموماً ومشروع الجزيرة على وجه الخصوص. فحينما تتعثر دورة الري في أكبر مشروع زراعي مروي في البلاد، فإن الأمر يتجاوز حدود الحواشة والمزارع ليصبح قضية اقتصادية وسياسية وأمنية تمس مستقبل ملايين السودانيين.

أولاً: البعد الزراعي.. المياه شريان الحياة

تعتمد الزراعة المروية في مشروع الجزيرة على انتظام وصول المياه وفق جداول دقيقة تتناسب مع المراحل المختلفة لنمو المحاصيل. وأي اضطراب في عمليات الري، خاصة في المراحل الأولى، يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وربما فقدان المحصول بالكامل.

وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بمحاصيل استراتيجية مثل الذرة، التي تمثل أحد أهم مكونات الأمن الغذائي في السودان، والقطن الذي ظل لعقود مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي. فضعف عمليات تطهير الترع أو تنفيذها بصورة غير فنية يؤدي إلى اختناقات مائية تمنع وصول المياه إلى مساحات واسعة، ما يهدد بخروج آلاف الأفدنة من دائرة الإنتاج.
كما أن اللجوء إلى وسائل الري البديلة عبر الطلمبات والمولدات لا يمثل حلاً دائماً، بل يعكس فشل النظام الأساسي للري ويضيف أعباء مالية ضخمة على المزارعين.

ثانياً: البعد الاقتصادي.. تكلفة الإنتاج تلتهم العائد

تكشف الأرقام التي أوردها المزارعون عن أزمة اقتصادية حقيقية. فعندما تصل تكلفة الرية الواحدة لأربعة أفدنة إلى نحو 200 ألف جنيه، ويحتاج المحصول إلى سبع ريات أو أكثر، فإن تكلفة المياه وحدها تصبح عبئاً قد يتجاوز قدرة المزارع على الاستمرار.
وفي ظل الارتفاع المستمر لأسعار الوقود ومدخلات الإنتاج الزراعي وتراجع فرص التمويل، يصبح الموسم الزراعي أقرب إلى مغامرة عالية المخاطر. فالمزارع يدفع تكاليف كبيرة مقدماً دون ضمانات حقيقية لتحقيق عائد يغطي تلك النفقات.

الأخطر من ذلك أن تراجع الإنتاج الزراعي لا ينعكس فقط على دخل المزارعين، بل يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق، وزيادة الاعتماد على الواردات، وتراجع الصادرات الزراعية، وهو ما يفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد بسبب الحرب وتدهور الإنتاج في قطاعات عديدة.

ثالثاً: البعد السياسي.. غياب الدولة وإدارة الموارد

تكشف أزمة الري في مشروع الجزيرة عن واحدة من أكبر الإشكالات السياسية والإدارية في السودان، وهي تراجع دور الدولة في إدارة الموارد الاستراتيجية. فمشروع الجزيرة لم يكن مجرد مشروع زراعي، بل كان نموذجاً للدولة التنموية التي تخطط وتدير وتراقب وتوفر البنية التحتية اللازمة للإنتاج.
اليوم تبدو الأزمة مرتبطة بضعف الصيانة الدورية للقنوات، وتراجع الرقابة الفنية، ونقص التمويل المخصص للبنية التحتية الزراعية. كما أن الحرب المستمرة استنزفت موارد الدولة وقلصت قدرتها على التدخل السريع لمعالجة الأزمات الإنتاجية.

وتحمل هذه الأزمة دلالات سياسية مهمة، لأن فشل الموسم الزراعي في مشروع بحجم الجزيرة لا يعني فقط خسائر اقتصادية، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي في الريف، ويزيد معدلات الفقر والنزوح، ويضعف قدرة الدولة على تأمين الغذاء لمواطنيها.

ما وراء الأزمة

في جوهرها، ليست أزمة ترعة المحريبا مجرد مشكلة مياه، بل هي انعكاس لأزمة إدارة وتنمية وحوكمة. فالمزارع الذي يخشى الخروج من الموسم “صفر اليدين” لا يعبر عن معاناته الفردية فقط، بل يلخص حالة قطاع كامل يواجه خطر التراجع في وقت يحتاج فيه السودان أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز إنتاجه الزراعي.

إن إنقاذ مشروع الجزيرة لم يعد قضية تخص المزارعين وحدهم، بل أصبح ضرورة وطنية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي ومستقبل إعادة بناء السودان بعد الحرب. فحينما يعطش المشروع، لا تتعطل الزراعة فحسب، بل تتعرض واحدة من أهم ركائز الاقتصاد السوداني للاهتزاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *