تجنيد الاطفال في السودان جريمة تصنع جيلاً من الضحايا
تقرير: حسين سعد
لم يعد الأطفال في السودان مجرد ضحايا للحرب الذين تطاردهم القذائف والنزوح والجوع، بل أصبحوا في كثير من الأحيان جزءاً من آلة الصراع نفسها. فمع استمرار الحرب منذ أبريل 2023 واتساع رقعة المواجهات، تصاعدت المخاوف من استغلال آلاف الأطفال في العمليات العسكرية، سواء بحمل السلاح، أو أداء مهام لوجستية، أو جمع المعلومات الاستخباراتية، أو التعرض لأشكال مختلفة من الاستغلال، بما في ذلك العنف الجنسي.
وتكشف هذه الظاهرة عن واحدة من أخطر الانتهاكات التي تهدد حاضر السودان ومستقبله، إذ تتراجع سلطة القانون أمام واقع السلاح، رغم أن التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية تحظر بصورة قاطعة تجنيد الأطفال وتعتبره جريمة تستوجب المساءلة الجنائية.
وتشير تقارير أممية إلى أن الحرب حرمت نحو 15 مليون طفل من التعليم، كما أدت إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين. وفي ظل اتساع رقعة الفقر وانهيار المؤسسات التعليمية والخدمية، أصبحت أوضاع الأطفال أكثر هشاشة، الأمر الذي أوجد بيئة خصبة تستغلها بعض الجماعات المسلحة لاستقطاب الأطفال عبر الإكراه أو الإغراء بالمال أو الغذاء أو الحماية..
وتحذر الأمم المتحدة من أن ملايين الأطفال في السودان تعرضوا لأشكال متعددة من العنف والانتهاكات خلال الحرب، الأمر الذي يهدد بإنتاج جيل كامل مثقل بالصدمات النفسية، ويقوض فرص بناء السلام والاستقرار في المستقبل.
تجنيد الأطفال… جريمة حرب :
يعرّف القانون الدولي تجنيد الأطفال بأنه ضم أي شخص يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً إلى القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة، سواء للمشاركة المباشرة في الأعمال القتالية أو لأداء مهام عسكرية أخرى، مثل الحراسة، ونقل الذخائر، وجمع المعلومات، والخدمات اللوجستية، كما يشمل استغلال الأطفال في أعمال السخرة أو العنف الجنسي أو الزواج القسري داخل الجماعات المسلحة.
ولا يقتصر مفهوم التجنيد على حمل السلاح فحسب، وإنما يشمل كل أشكال الارتباط العسكري التي تحرم الطفل من حقوقه الأساسية في الحماية والتعليم والنمو السليم.
ويعد تجنيد الأطفال من أخطر الانتهاكات التي ترصدها الأمم المتحدة في مناطق النزاعات المسلحة، لما يتركه من آثار بعيدة المدى تمتد إلى الأطفال وأسرهم والمجتمع بأسره.
غالباً ما يتم تجنيد الأطفال في السودان بوسائل قسرية تبدأ بالاختطاف أو التهديد، وتمتد إلى استغلال ظروف النزوح والجوع والفقر وفقدان الأسرة. كما تلجأ بعض الجماعات المسلحة إلى استدراج الأطفال عبر تقديم المال أو الغذاء أو الوعود بالحماية، وهي وسائل يعتبرها القانون الدولي شكلاً من أشكال الإكراه، لأن الطفل في ظروف الحرب لا يمتلك حرية الاختيار الحقيقية.
ويؤكد خبراء القانون أن الحديث عن “التجنيد الطوعي” للأطفال يظل مفهوماً مضللاً، لأن الطفل لا يملك الأهلية القانونية التي تمكنه من اتخاذ قرار مصيري بالانضمام إلى جماعة مسلحة، خاصة عندما يكون محاطاً بالخوف أو الحرمان أو الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
كما يفرق القانون بين التجنيد القسري والطوعي بالنسبة للبالغين، لكنه لا يعترف بهذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالأطفال. وحتى إذا أعلن الطفل موافقته على الانضمام إلى جماعة مسلحة، فإن هذه الموافقة لا تعفي الجهة التي قامت بتجنيده من المسؤولية القانونية، لأن القانون الدولي يعتبر الطفل شخصاً يحتاج إلى حماية خاصة، ولا يجوز استغلال هشاشته أو ظروفه الإنسانية تحت أي مبرر.
المركز الافريقي يناقش حظر تجنيد الأطفال:
في هذا السياق، نظم المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام جلسة حوارية بعنوان “حظر تجنيد الأطفال في القانون الوطني والدولي”، يوم الجمعة 26 يونيو الحالي بمشاركة عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والصحفيين والصحفيات.
ورحب المحامي شوقي يعقوب بالمشاركين، مستعرضاً محاور الجلسة التي ركزت على واقع تجنيد الأطفال في السودان، والإطار القانوني الوطني والدولي، وآليات الوقاية والمساءلة.
وأكد المتحدثون أن التجنيد القسري للأطفال يتم في الغالب بالإكراه أو باستغلال الظروف الإنسانية القاسية، ولا يترك للطفل أي فرصة حقيقية للاختيار، مشيرين إلى أن السودان، خلال عقود من النزاعات المسلحة، شهد حالات متكررة لتجنيد الأطفال والزج بهم في ساحات القتال.
وأوضح المشاركون أن التشريعات السودانية شهدت تطوراً مهماً في مجال حماية الطفل، إذ جرم قانون الطفل لسنة 2010 تجنيد الأطفال، كما حدد قانون القوات المسلحة سن التجنيد القانونية بثمانية عشر عاماً، وحظر إشراك الأطفال في الصفوف الأمامية للعمليات العسكرية.
وأشاروا كذلك إلى أن السودان صادق على عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية، من بينها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والبروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام 2000، والميثاق الأفريقي لحقوق ورفاه الطفل، بينما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم في الأعمال العدائية جريمة حرب تستوجب الملاحقة الجنائية.
ورغم هذا الإطار القانوني المتقدم، أجمع المشاركون على أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تنفيذ القوانين، واستمرار الإفلات من العقاب، في ظل الحرب وانهيار مؤسسات الدولة، الأمر الذي سمح باستمرار هذه الانتهاكات على نطاق واسع، ولفتوا الي حالات تجنيد الاطفال بين طرفي الحرب في السودان القوات المسلحة وحلفائها من حركات دارفور ،و قوات الدعم السريع حتي أصبح مصطلح (جني جيش) الذي يطلق علي المجندين من الأطفال واسع النطاق ، وقالوا إن فترة حكم نظام الجبهة الإسلامية شهد حملات تجنيد واسعة تحت مسميات الكشات والخدمة الوطنية وغيرها من المسميات ، وأكدوا إن تجنيد الاطفال يتم بدون مراقبة ومحاسبة وشجع الافلات من العقاب في تمدد وإستمرار حالات تجنيد الاطفال..
القانون الوطني والدولي تحديات في التنفيذ
يحظر القانون السوداني تجنيد الأطفال من خلال عدد من التشريعات التي تؤكد حق الطفل في الحماية من الاستغلال العسكري. ويأتي في مقدمتها قانون الطفل لسنة 2010، الذي يعرف الطفل بأنه كل شخص لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر، ويحظر إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، ويكفل لهم الحماية من الاستغلال، كما يلزم الدولة بتوفير برامج لإعادة تأهيل الأطفال المتأثرين بالحرب وإعادة دمجهم في المجتمع.
كما يحدد قانون القوات المسلحة السن القانونية للتجنيد بثمانية عشر عاماً، ويمنع إشراك الأطفال في العمليات العسكرية، بينما تؤكد الوثيقة الدستورية التزام الدولة بحماية حقوق الطفل وفقاً للاتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان.
وعلى الصعيد الدولي، وفرت المواثيق والاتفاقيات الدولية منظومة قانونية متكاملة لحماية الأطفال من ويلات الحروب، إذ تلزم اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 الدول باتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية الأطفال من المشاركة في النزاعات المسلحة، فيما شدد البروتوكول الاختياري بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة لعام 2000 على منع الجماعات المسلحة غير الحكومية من تجنيد الأطفال أو استخدامهم تحت أي ظرف.
كما ألزمت اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان أطراف النزاعات المسلحة بمنح الأطفال حماية خاصة، ومنع إشراكهم في الأعمال العدائية، بينما اعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم في العمليات القتالية جريمة حرب تستوجب الملاحقة الجنائية الدولية.
ورغم اتساع هذه الحماية القانونية، يرى المحامون المشاركون في جلسة المركز الافريقي أمس أن الأزمة لا تكمن في نقص التشريعات، وإنما في ضعف تنفيذها نتيجة استمرار الحرب، وانهيار مؤسسات الدولة، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، الأمر الذي أسهم في اتساع دائرة الانتهاكات واستمرار الإفلات من العقاب.
المسؤولية الجنائية… من يحاسب مرتكبي الجريمة
قال المشاركون في الجلسة الحوارية أمس في محور المسؤولية الجنائية لا تقتصر المسؤولية القانونية عن تجنيد الأطفال على الشخص الذي يقوم بعملية التجنيد بصورة مباشرة، بل تمتد إلى كل من أصدر الأوامر، أو خطط، أو سهل، أو شارك، أو تغاضى عن هذه الممارسات رغم امتلاكه السلطة لمنعها.
ويؤكد القانون الدولي مبدأ “مسؤولية القائد”، الذي يحمل القيادات العسكرية والسياسية المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها مرؤوسوهم إذا كانوا يعلمون بها، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بها، ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
وبذلك تشمل المسؤولية قادة القوات النظامية، وقادة الجماعات المسلحة، وكل مسؤول سياسي أو عسكري يسيطر فعلياً على القوات التي ترتكب هذه الانتهاكات.
ويشدد خبراء القانون في جلسة المركز الافريقي امس على أن الأوامر العسكرية لا تشكل سبباً للإعفاء من المسؤولية الجنائية، وأن مرتكبي جرائم تجنيد الأطفال يمكن أن يخضعوا للمساءلة أمام القضاء الوطني أو أمام المحكمة الجنائية الدولية متى توافرت الشروط القانونية للاختصاص.
هل تنجح آليات المساءلة؟
رغم وجود المحكمة الجنائية الدولية، وآليات الأمم المتحدة لرصد الانتهاكات، ولجان التحقيق الدولية، لا تزال محاسبة المسؤولين عن تجنيد الأطفال تواجه تحديات كبيرة في السودان، بسبب استمرار النزاع، وضعف مؤسسات العدالة، وتعقيدات المشهدين السياسي والعسكري، إلى جانب صعوبة الوصول إلى الضحايا والشهود في مناطق الحرب.
ويشير مختصون إلى أن العدالة الحقيقية لا تتحقق بمجرد إصدار مذكرات توقيف، وإنما تتطلب قضاءً مستقلاً، وإرادة سياسية لإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وتعاوناً دولياً يضمن تنفيذ القرارات القضائية، وحماية الضحايا والشهود، وتوثيق الانتهاكات بصورة مهنية تتيح ملاحقة مرتكبيها مستقبلاً.
ويرى الخبراء أن تعزيز المساءلة يمثل أحد أهم الضمانات لوقف تجنيد الأطفال، إذ يبعث برسالة واضحة مفادها أن الجرائم المرتكبة بحق الأطفال لن تسقط بالتقادم، وأن مرتكبيها سيظلون عرضة للمحاسبة، سواء أمام القضاء الوطني أو الدولي
الآثار النفسية والاجتماعية لتجنيد الأطفال:
وفي محور الاثار النفسية لتجنيد الاطفال قال المشاركون إن معاناة الطفل لا تنتهي بمجرد خروجه من الجماعة المسلحة، بل تبدأ مرحلة جديدة أكثر تعقيداً تتمثل في مواجهة آثار نفسية واجتماعية قد ترافقه طوال حياته. فالتعرض للعنف، ومشاهدة مشاهد القتل، والمشاركة في العمليات العسكرية، والحرمان من الأسرة والتعليم، كلها عوامل تترك ندوباً عميقة يصعب تجاوزها دون برامج علاج وتأهيل متخصصة.
ويؤكد اختصاصيون في الصحة النفسية أن الأطفال المجندين أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق المزمن، ونوبات الهلع، والشعور المستمر بالخوف وانعدام الأمان. كما يعاني كثير منهم من الإحساس بالذنب نتيجة ما أُجبروا على القيام به خلال فترة تجنيدهم، فضلاً عن فقدان الثقة بالآخرين وصعوبة التكيف مع الحياة المدنية.
ولا تقتصر الآثار على الجانب النفسي، بل تمتد إلى السلوك الاجتماعي، حيث يصبح بعض الأطفال أكثر ميلاً للعنف وحمل السلاح، أو أكثر عرضة للإدمان والانخراط في السلوك الإجرامي نتيجة اعتيادهم على بيئة الحرب. كما يواجهون صعوبات كبيرة في العودة إلى مقاعد الدراسة بسبب سنوات الانقطاع الطويلة، الأمر الذي يحد من فرصهم في بناء مستقبل طبيعي.
وتتفاقم الأزمة عندما يواجه الأطفال المجندون رفضاً مجتمعياً أو وصمة اجتماعية بعد عودتهم، إذ تنظر بعض المجتمعات إليهم باعتبارهم جزءاً من الصراع، لا ضحايا له، وهو ما يزيد من معاناتهم ويقوض فرص إعادة دمجهم بصورة سليمة.
إعادة التأهيل… الطريق إلى استعادة الطفولة:
يرى خبراء حماية الطفل أن إعادة دمج الأطفال المجندين لا تتحقق بمجرد تسريحهم من الجماعات المسلحة، وإنما تتطلب برامج متكاملة تعالج الجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.
وتبدأ هذه البرامج بتقديم الدعم النفسي الفردي والجماعي لمساعدة الأطفال على تجاوز الصدمات التي تعرضوا لها، يلي ذلك إعادتهم إلى التعليم النظامي أو برامج التعليم المسرع، إلى جانب توفير التدريب المهني للأطفال الذين تجاوزوا سن الدراسة، بما يمكنهم من اكتساب مهارات تساعدهم على بناء حياة مستقرة بعيداً عن العنف.
كما تمثل عملية لمّ شمل الأطفال بأسرهم، أو إيجاد أسر بديلة في حال تعذر ذلك، خطوة أساسية في رحلة التعافي، إضافة إلى توفير الحماية القانونية والمتابعة المستمرة لمنع إعادة تجنيدهم.
ويؤكد المختصون أن نجاح برامج إعادة التأهيل يتطلب مشاركة الدولة، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، حتى لا يعود الأطفال مرة أخرى إلى دوامة الحرب
يشدد الخبراء على أن الوقاية من تجنيد الأطفال لا تقتصر على إصدار القوانين، وإنما تتطلب معالجة الأسباب التي تدفع الأطفال إلى الالتحاق بالجماعات المسلحة، وفي مقدمتها استمرار النزاعات المسلحة، والفقر، والنزوح، وانهيار النظام التعليمي، وغياب الحماية الاجتماعية.
ومن أبرز التدابير الوقائية إنهاء الحرب، وتوسيع فرص التعليم، وتحسين الأوضاع الاقتصادية للأسر، وتسجيل المواليد وإثبات أعمار الأطفال، وتعزيز نظم حماية الطفل، إلى جانب تدريب القوات النظامية والجماعات الموقعة على اتفاقات السلام على احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
المجتمع الدولي والمجتمع المدني… مسؤولية مشتركة:
يضطلع المجتمع الدولي بدور رئيسي في مكافحة تجنيد الأطفال، من خلال توثيق الانتهاكات، ومراقبة أوضاع الأطفال في مناطق النزاعات، والتفاوض مع أطراف الصراع لإطلاق سراح الأطفال المجندين، إضافة إلى دعم برامج الرعاية الصحية والنفسية والتعليمية وإعادة الإدماج.
كما تؤدي وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة دوراً محورياً في تنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وبناء قدرات المؤسسات الوطنية، ودعم إصلاح التشريعات، وتقديم المساعدات الإنسانية للأطفال وأسرهم، فضلاً عن الضغط من أجل محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأطفال أثناء النزاعات المسلحة.
وفي المقابل، يمثل المجتمع المدني خط الدفاع الأول داخل المجتمعات المحلية، إذ تضطلع المنظمات الوطنية واللجان المجتمعية بمسؤوليات واسعة تشمل نشر الوعي بمخاطر تجنيد الأطفال، ورصد الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للضحايا، والمساهمة في إعادة دمج الأطفال داخل أسرهم ومدارسهم ومجتمعاتهم.
ورغم أن القانونين الوطني والدولي يضعان إطاراً متقدماً لحظر تجنيد الأطفال وتجريم مرتكبيه، فإن فعالية هذه المنظومة تظل محدودة في ظل النزاعات الممتدة، حيث تواجه العدالة تحديات كبيرة تتمثل في ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد الجماعات المسلحة، وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، واستمرار الإفلات من العقاب.
ويؤكد خبراء القانون أن تعزيز الحماية يتطلب مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وتفعيل آليات إنفاذ القانون، ودعم استقلال القضاء، وتوسيع برامج حماية الطفل وإعادة التأهيل، إلى جانب تطوير آليات الرصد والتوثيق والمساءلة، وإشراك المجتمعات المحلية في جهود الوقاية والإبلاغ عن حالات التجنيد.
كما يشدد المختصون على أهمية ربط العدالة الانتقالية ببرامج جبر الضرر وإعادة إدماج الأطفال المتأثرين بالنزاع، باعتبار أن معالجة آثار الحرب لا تكتمل دون إنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
الخاتمة من المحرر:
تكشف مأساة تجنيد الأطفال في السودان أن الحرب لا تكتفي بإزهاق الأرواح وتدمير المدن، بل تمتد لتسلب الأطفال حقهم في الطفولة والتعليم والأمان، وتدفع بهم إلى ساحات القتال بدلاً من مقاعد الدراسة. إنها جريمة لا تستهدف الأفراد فحسب، بل تضرب مستقبل المجتمع بأكمله، إذ تترك وراءها جيلاً مثقلاً بالصدمات النفسية والاجتماعية، وتعرقل فرص السلام والتنمية لعقود قادمة.
ورغم وضوح النصوص القانونية التي تجرم تجنيد الأطفال على المستويين الوطني والدولي، فإن استمرار هذه الظاهرة يكشف عن فجوة عميقة بين التشريع والتطبيق، ويؤكد أن حماية الأطفال لا تتحقق بالقوانين وحدها، وإنما تتطلب إرادة سياسية جادة لإنهاء الحرب، وتعزيز سيادة القانون، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتوفير برامج شاملة لإعادة التأهيل والإدماج، إن حماية الأطفال من التجنيد ليست مجرد التزام قانوني أو واجب إنساني، بل هي استثمار مباشر في مستقبل السودان. فكل طفل يُنقذ من أتون الحرب هو خطوة نحو مجتمع أكثر أمناً وعدالة، ودعامة أساسية لبناء دولة تقوم على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وتمنح أجيالها القادمة فرصة حقيقية للعيش في سلام بعيداً عن دوامة العنف والصراع..

