بيع النساء.. “عملة الحرب” المنسية.. من أسوار الخرطوم إلى “أسواق النخاسة” في دارفور
نيروبي: مدنية نيوز
يكشف هذا التحقيق بالشهادات الحصرية خطف قوات الدعم السريع لأكثر من 26 امرأة من الخرطوم، وبيعهن في أسواق في دارفور قبل تهريبهن إلى دول مجاورة بواسطة مقاتلين اجانب كانوا ضمن قوات الدعم السريع وذاك لتحفيز العناصر على القتال من أجل إسقاط الخرطوم.
ويوثق التحقيق كيف تحول خطف الفتيات والنساء في الخرطوم من انتهاكات فردية إلى “إستراتيجية تجنيد ممنهجة” اعتمدت عليها المليشيات لتحفيز عناصرها والمستنفرين الأجانب عبر نظام “الفزع”.
وبدأت عمليات الخطف من أحياء المعمورة وأمبدة وعد حسين بولاية الخرطوم مع بداية الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023.
ويرسم التحقيق خريطة طريق المعاناة؛ حيث تحولت التكنولوجيا (شبكات ستارلينك) إلى مصيدة، والاتهامات بالتجسس إلى غطاء شرعي.
في 10 نوفمبر 2023، خرجت رانيا من منزلها في منطقة سوبا جنوب الخرطوم بحثاً عن خدمة إنترنت لإتمام تحويل مالي من شقيقها. لم تكن تعلم أن تلك الخطوات القليلة ستكون بداية رحلة اختطاف تنتهي بها في أحد مواقع الاحتجاز بمدينة كاس في دارفور.
و في ظل الانهيار الكامل لشبكات الاتصالات، برزت خدمة “ستارلينك” كشريان حياة وحيد لاستلام الحوالات المالية عبر تطبيق “بنكك” من الأقارب المغتربين.
تروي رانيا: “لم أستطع الخروج من سوبا لأن والدتي مقعدة ولا تقوى على الحركة، فكنت أقوم برعايتها مع والدي الذي تقاعد منذ عامين بمساعدة مالية من أخي الذي كان يعمل خارج السودان.”
في ذلك اليوم وبينما كانت رانيا تهم بمغادرة الموقع بعد استلام الحوالة، اعترض طريقها ثلاثة من عناصر الدعم السريع يستقلون دراجة نارية.
تقول رانيا “اتهموني بالتجسس لصالح الجيش، وبأنني أرسل إحداثيات للفلول”. حاولت رانيا شرح موقفها، لكن أحدهم باغتها بلكمة قوية على رأسها ثم اقتادوها تحت تهديد السلاح إلى منطقة المعمورة لتجد رانيا نفسها في منزل كبير مع فتيات أخريات.
وبعد أيام من الاحتجاز ، نُقلت رانيا مع أربع فتيات أخريات، معصوبات الأعين، في رحلة شاقة استمرت 24 ساعة سير متواصل، حتى وصلوا إلى أطراف مدينة “كاس في ولاية جنوب دارفور”.
“هناك تمت معاملتنا كرق وبدأت عمليات المساومة بين الخاطفين واشخاص لبيعنا، وقد تم بيع رفيقاتي لكنني كنت (نحساً) كما وصفني خاطفي لأنني لم أُباع في ذلك اليوم، فاتصلت بأخي وطلبت دفع فديتي وهي 5 ملايين جنيه، خُفضت لاحقاً إلى مليوني جنيه”.
ورغم دفع الفدية لم يُطلق سراح رانبا فوراً، إذ احتُجزت لخدمة جنود الدعم السريع بين (طهي وغسل ملابس)، إلى أن قررت مجموعة منهم العودة صوب الخرطوم، فأُجبرت رانيا على ارتداء زي عسكري و”كدمول” للتخفي كجندي في سيارة قتالية. وعند مشارف مدينة “النهود”، تعرضت القوة لهجوم عنيف، فاستغلت رانيا الفوضى وتمكنت بمساعدة عائلة من المنطقة من الوصول إلى “الدبة” في الرابع من شهر مارس من العام 2024.
قصة رانيا ليست حالة معزولة، بل قابلنا عشرة ناجيات من جلال جمع معلومات التحقيق بجانب ثلاثة اقرباء الناجيات أكدوا خلال المقابلات بعترض بناتهم للاختطاف والاسترقاق ورانيا هي واحدة من عشرات الشهادات المُتواترة منذ عام 2023 عن اختطاف السودانيات ونقلهن من مناطق القتال إلى مناطق في دارفور.
منهن عائشة (طالبة طب الأسنان) التي اختطفت من حي “عد حسين” جنوبي الخرطوم منتصف عام 2024 برفقة زميلتها ليتم بيعها لاحقاً بمبلغ 900 ألف جنيه كما روى لنا عمها عبد الشافي، أما زميلتها التي خُطفت معها فقد عادت بعد أن دفع أهلها فدية بمقدار يمليوني جنيه.
كذلك وثّقت قناة الحدث في تقرير لها مقابلة مع إكرام التي تروي حكاية اختطافها واغتصابها من قبل عناصر من الدعم السريع، كما رصد تقرير لبي بي سي عربي من خلال شهادات ناجيات ومصادر ميدانية وصول فتيات مُقيّدات من الخرطوم إلى الفاشر من قبل المسلحين.
وفي نوفمبر من العام نفسه، 2023، أشارت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى “قلقها البالغ” حيال التقارير التي تفيد باختطاف نساء وفتيات واحتجازهن في ظروف لا إنسانية ومهينة “شبيهة بالاسترقاق”، في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في دارفور، حيث يُزعم أنّهن يُزَوَّجن قسرًا ويُحتَجَزن مقابل الحصول على فدية. موّثقة اختطاف أكثر من 20 امرأة وفتاة.

عمليات ممنهجة لا فردية
أحد عناصر قوات الدعم السريع (فضل حجب هويته لأسباب أمنية) الذي كان يتمركز في منطقة شرق النيل بالعاصمة الخرطوم حتى عام 2024، شرح بأن استعصاء إسقاط منطقة “القيادة العامة” دفع قيادة الدعم السريع إلى الاستعانة بنظام “الفزع” التقليدي لاستنفار قوات إضافية من دارفور. ولتحفيز هذه القوات -المكونة من مقاتلين محليين وآخرين أجانب ينتمون لدول الجوار (مثل النيجر ومالي) ويعرفون باسم قوات “أُم باغة”- منحتهم القيادة الضوء الأخضر لاعتبار العاصمة ساحة للمنهب والغنائم، بما يشمل الأموال، السيارات، والنساء.
يقول العنصر بأن الدافع الأساسي لهذه القوات كان الحصول على “الغنائم البشرية والمادية”، مشيراً لدور رئيسي للمقاتلين الأجانب في تنظيم عمليات خطف الفتيات والنساء في الخرطوم.
وأكد العنصر المنشق أنه كان شاهداً على اختطاف ما لا يقل عن 13 فتاة من الخرطوم جرى ترحيلهن إلى دارفور تحت إشراف وتوجيه مباشر من أحد القادة الميدانيين لقوات الدعم السريع وكان ذلك في الأول من ديسمبر من العام 2023 م .
و كانت ‘هيئة محامي دارفور’ قد أصدرت تقارير عن رصدها لأسواق للاسترقاق الجنسي وبيع المخطوفات القادمات من الخرطوم في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع.
وتتقصى هيئة محامي دارفور منذ ثلاث سنوات حول وجود أسواق للرق النسائي في شمال دارفور، وهيئة محامي دارفور هي منظمة محامين سودانيين تأسست عام 1995.
تقرير راديو دبنقا: هيئة محامي دارفور تحقق في تقارير اختطاف النساء ونقلهن إلى مناطق في دارفور
وكشف وزير التنمية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح في مقابلة مع الجزيرة الشهر الماضي عن وجود سوق لبيع للفتيات “سبايا” في منطقة قرب مدينة كبكابية بشمال دارفور، بعد خطفهن من الخرطوم ووسط البلاد. وقال إن هناك “آلاف تم خطفهن وبيعهن خارج البلاد، خاصة بدول أفريقية شارك منها مرتزقة في القتال الى جانب قوات الدعم السريع”.
وكذلك نشرت وكالة نبأ السودان تسجيلاً قالت إنه لقيادي من الدعم السريع يقول فيه ان قواته خطفت ٣٠ فتاة من الخرطوم
وفي مارس 2025 قال عضو المجموعة السودانية للاختفاء القسري عثمان البصري لـ«بيم ريبورتس» إن بحوزتهم حاليًا أكثر من 200 حالة عن فتيات تم الإبلاغ عن اختفائهن.
وقالت رحاب مبارك سيد أحمد وهي قانونية ومدافعة عن حقوق الإنسان في منشور على صفحتها على الفييس بوك
أن ما يحدث “ليس مجرد اعتداءات عابرة”، بل هو استعادة لسلوك “تتري” قديم يرى في المرأة “غنيمة معنوية” ومادية.
أسواق النخاسة
من جهتها أكدت الدكتورة سليمى إسحق وزيرة الرعاية الاجتماعية ومديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة سابقاً لنا هذه التقارير قائلة “رصدنا وجود نشاط لما يشبه أسواق النخاسة في منطقة كبكابية قبل الهجوم على مدينة الفاشر بفترة. وعلى الرغم من وجود قنوات تواصل مع بعض المصادر في تلك المناطق، إلا أن محاولات تقصي الحقائق والتعرف على الضحايا واجهت قمعاً عنيفاً؛ حيث استهدفت قوات الدعم السريع كل من حاول التعاون أو التواصل معنا”.
شهدت صفاء بنفسها هذه الأسبوع، فبعد عام من اختطاف رانيا، تعرّضت صفاء، وهي ممرضة في الـ27 من عمرها لكمين خطُت فيه لتُساق 1200 كم بعيداً عن بلدتها أمبدة بأم درمان. تروي صفاء “كنت أسكن مع أسرتي و أعمل في مركز صحي كممرضة متعاونة، وقبل الحرب، كان معظم سكان الحي يرتادون منزلنا لأقدّم لهم خدمات طبية بسيطة، وكنت أُعيل أمي وأخوتي من هذه المهنة”.
مع بداية عام 2024 علم الدعم السريع بوجود ممرضة في المنطقة وأخذوا بالارتياد لمنزلها لأغراض طبيّة، إلى أن جاء منتصف مارس ، إذ جاء أربعة عناصر يرتدون زي قوات الدعم السريع وطلب أحدهم من صفاء مرافقته لعلاج “قائد جريح”.
عن ذلك اليوم تحكي صفاء ” اضطررت لركوب سيارة لاندكروزر بلون أبيض مغطاة بالطين، وزجاجها أسود داكن لا يُرى من خلفه شيء و تحركت بنا نحو منزل عند نهاية دار السلام بمدينة ام درمان، وعندما نزلت للمنزل لم أجد جريحا ووجدت نفسي أخضع لتحقيق بتهمة التجسس لصالح الجيش”.
في اليوم الثاني من احتجازها، وصلت خمس فتيات أخريات تبدو على ملامحهن علامات التعب والإعياء أخبرنها بأنهن من شرق النيل.
في مساء ذلك اليوم نُقلت صفاء مع بقية النساء ليجدن أنفسهن صباحاً في منطقة خلوية، حيث توقفت السيارة، وجاءت سيارة أخرى تقل خمسة مسلحين.
“سمعتهم يسألون أين البضاعة؟ فأجابهم الخاطف الدفع أولاً.، وقال المشتري: سأعطيك ثلاثة ملايين جنيه مقابل خمس فتيات، فرد عليه الخاطف هذا سعر ثلاث فتيات.” وأضافت صفاء في النهاية تم الاتفاق، وأخذوا ثلاث فتيات، وبقيت أنا وأخرى”.
بعد عدّة أيام، أمُرت زميلتها بجمع أغراضها والذهاب مع رجل يتحدث العربية بلكنة مكسّرة بحسب رواية صفاء، ولم تسمع عنها شيئاً بعد ذلك.
وبقيت صفاء وحيدة إلى أن وصل مجموعة جديدة من القادة إلى المنزل الذي تسكن فيه قيادات الدعم السريع بمدينة منواشي بولاية جنوب دارفور وكان من بينهم رجل طويل ذو بشرة فاتحة. “عندما علم بقصتي غضب بشدة، وقال لعناصره: هذا سبب هزائمكم، و أمر بإيصالي إلى أقرب نقطة مواصلات، وأعطاني مبلغاً من المال، وقال: دَبّري به أمرك”.
وصلت صفاء إلى مدينة الضعين واستغرقت عودتها لأم درمان 15 يوماً من السير المضني والتخفي في أبريل من العام 2024.
وتعد الضعين إضافة لنيالا وبرام وكاس من أبرز المدن التي تحتجز فيها قوات الدعم السريع الفتيات المخطوفات بحسب مصادر محلية.
شاب ثلاثيني من دارفور شهد تحرير بعض الفتيات المخطوفات من قبل قوات الدعم السريع عام 2024 بعد دفع أهلهن للفدية، قال لفريق التحقيق إن بعض السكان المحليين قاموا بتحرير بعض الفتيات بعد دفع مبالغ مالية تتراوح ما بين 2 مليون إلى 3 ملايين (أو مليار سوداني بالقديم).
كما روت لنا صحفية، في الخامسة والعشرين من عمرها، عملت على الموضوع وفضّلت عدم ذكر اسمها، أنها تنّكرت في أغسطس عام 2023 كبائعة ليمون في سوق محلية “كاس” بولاية جنوب دارفور حيث اقتربت منها فتاتان وعيونهما تفيض بذعرٍ مكتوم. تروي الصحفية “سألت إحداهما الأخرى بصوت مرتجف: هل يروننا، فأجابتها الثانية بهزّة رأس نعم. سلمتا عليّ بحذر، فوجهت لهما سؤالٍ مباشر: ممن تخافون”.
أشارت إحداهما بطرف عينها إلى الخلف؛ على بُعد 15 متراً فقط، كان هناك مسلحون يرتدون زي قوات الدعم السريع” وأخبر الفتاتان الزميلة أنهما مختطفات من الخرطوم قبل أن تنسحبان سريعاً خوفاً من كشفهما.

محاولات أهلية لإنقاذ النساء والتكنولوجيا سلاح ضدّهن
قاد حاج الماحي (اسم مستعار) مفاوضات لإنقاذ بعض الضحايا، وبدأت علاقة حاج الماحي بالملف في أواخر عام 2024، عندما لجأت إليه أسرة من معارفه في الخرطوم، انقطعت أخبار ابنتهم الطالبة عقب مداهمة دورية لقوات الدعم السريع لمنزلهم في حي “أركويت”. وصلت للأسرة معلومات عبر فتاة “مُفرَج عنها” تفيد بأن ابنتهم شُحنت إلى معسكر يقع في النطاق الجغرافي لإقليم دارفور.
وبحكم موقعه الاجتماعي، بدأ حاج الماحي رحلة تتبعها و اضطر لإجراء اتصالات مع قادة ميدانيين محليين لمعرفة أي من “مجموعات الفزع” أو المليشيات هي التي قامت بترحيل الفتيات في ذلك التاريخ.
قادت الخيوط حاج الماحي إلى منطقة معزولة في وسط دارفور، يقول حاج الماحي “الحديث مع هؤلاء القادة، خاصة المجموعات العابرة للحدود، لم يكن يستند إلى قانون أو دين. كانوا يتعاملون مع الفتيات كأصول مادية. وحين واجهتهم بأن هذه الأفعال غريبة على قيم المجتمع السوداني، كان الرد الفوري: ‘هذه غنائم العاصمة، ومن يريد بنته فعليه دفع قيمتها’.”
بعد جولات من الضغط الاجتماعي واستغلال النفوذ العشائري، نجح حاج الماحي في إبرام “صفقة تحرير” بلغت قيمتها 2.5 مليون جنيه سوداني، جرى تحصيلها وتدبيرها بصعوبة بالغة من قِبل عائلة الفتاة، وتم تسليمها عبر تطبيقات المصارف الرقمية( تطبيق بنكك) لقائد المجموعة.
وتكشف هذه الحادثة، وما شابهها من قصص وثقتها صحف استقصائية ومنصات مثل راديو دبنقا
وشبكات رصد محلية، عن الجانب المظلم للتقنية؛ حيث تحولت التطبيقات المصرفية الرقمية، التي أُنشئت لتسهيل حياة السودانيين في الحرب، إلى قنوات خلفية لتسهيل عمليات ابتزاز الأسر وتمرير أموال الفدية لعصابات الاختطاف وقادة المجموعات المسلحة دون أثر قانوني يلاحقهم.
“جرائم حرب”
وعن الممارسات التي شهدها خلال ذلك العام، يروي الشاهد “بعض الفتيات تم إجبارهن على الزواج قسرياً، كما تمت المتاجرة بالفتيات المخطوفات بين عناصر الدعم السريع، فالخاطف قد يطلب مبالغ مالية معينة من أحد أو مجموعة من عناصر الدعم السريع، وهم في المقابل يدفعون هذه الأموال لأخذ الفتاة من زميلهم”.
وهذا ما أشارت إليه الناشطة الحقوقية هديل جعفر، في المؤتمر الصحفي، الذي عقدته المديرة الإقليمية لـ«شبكة صيحة»، هالة الكارب، على منصة زووم، إذ قالت أن السودانيات المُختطفات كن يُجبرن على الزواج من عدة رجال.
كما نشرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بيانا في السابع من مارس 2025 أكدت فيه أنها تلقت تقاريراً تتعلّق بإقدام أفراد من قوات الدعم السريع على الزواج قسرا من فتيات لا تتجاوز أعمارهنّ 12 عاما.
كذلك أفاد تقرير لمنظمة العفو الدولية في العام نفسه بأن قوات الدعم السريع مارست عنفًا جنسيًّا واسعًا ضد النساء والفتيات طوال الحرب الأهلية السودانية بهدف إذلالهن، وفرض السيطرة، وتشريد المجتمعات في جميع أنحاء البلاد. مشيرة إلى أن هذه الانتهاكات “تشكل جرائم حرب، وربما جرائم ضد الإنسانية”.
وهذا ما أكدته “المبادرة الاستراتيجية لنساء القرن الأفريقي – شبكة صيحة” التي أشارت إلى أن الحرب الأخيرة أفرزت أنماطًا خطيرة من الانتهاكات الممنهجة التي استهدفت النساء والفتيات على نحو خاص، في سياق يرتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأكدت مسؤولة في مركز سيما لحماية حقوق المرأة والطفل وجود حالات كثيرة موثقة عن خطف قوات الدعم السريع لفتيات من الخرطوم عندما انسحابها لبيعهن في دارفور.
ومنظمة سيما تعمل في الخرطوم وتنشط بمجال حماية النساء والأطفال من العنف، والاعتداءات الجنسية، ويقدم مركزهم الدعم القانوني والنفسي للضحايا.
وتشير المسؤولة لتوثيقهم لأطفال إلى أن الانتهاكات ليست فردية بل ممنهجة، تقف خلفها قيادات ومؤسسات، وتُستخدم لأغراض مثل الترويع والتغيير الديمغرافي مؤكدة أن “جميع أطراف الحرب متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها العنف الجنسي، مشددة على أن تحقيق السلام يتطلب وقف الحرب ومحاسبة المسؤولين دون أي مساومات”.
غنائم الحرب
تعيدنا قصة رانيا، التي قادتها خطواتها البريئة للبحث عن شريحة إنترنت في “سوبا” لتنتهي “غنيمة حرب” في “كاس”، إلى المربع الأخلاقي الأول لهذه الحرب. فرغم أن رانيا نجحت في نزع “الكدمول” والزي العسكري الإجباري، وتسللت عبر فوضى المعارك في “النهود” لتبصر الأمان في “الدبة”؛ إلا أن جرح الاسترقاق والمساومة على النَفَس البشري لم يندمل بعد.
إن تحول أجساد النساء السودانيات من مواطنات يطلبن الحياة عبر تطبيقات التكنولوجيا، إلى “عملة تجنيد” ومكافآت قتالية لمليشيات “الفزع” والمقاتلين الأجانب، يضع المجتمع الدولي والمحلي أمام الحقيقة العارية: في حرب الخرطوم، لم تُنهب البيوت والسيارات فحسب، بل جرى تسليع الإنسان وتحويل حرائر السودان إلى غنائم حرب تُباع وتُشترى في أسواق النخاسة بدارفور، تحت غطاء مضلل من اتهامات “التجسس” الجاهزة. رانيا ورفيقاتها لسن مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة، بل هن صرخة مستمرة لإيقاف حربٍ جعلت من أجساد المستضعفات وقوداً لإسقاط المدن.

