الأرض بالجزيرة… عقدة التنمية وقنبلة الاستقرار المؤجلة (16)
تقرير: حسين سعد
قضية ملكية الأرض في مشروع الجزيرة والمناقل واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ المشروع، إذ لا تقتصر آثارها على الجوانب القانونية أو الاقتصادية، وإنما تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والعلاقات بين المزارعين وملاك الأراضي والعمال الزراعيين والدولة.
ورغم تعدد المبادرات التي طُرحت لمعالجة هذه الإشكالات، فإن الورقة ترى أن معظمها لم يلامس جوهر الأزمة، الأمر الذي جعل قضية الأرض تظل مصدرًا دائمًا للتوتر، وعائقًا أمام استعادة المشروع لدوره التاريخي في دعم الاقتصاد السوداني.
ترى الورقة أن المدخل الأساسي لأي معالجة يتمثل في الاتفاق على أن مشروع الجزيرة والمناقل يمثل وحدة اقتصادية واجتماعية وتنموية متكاملة، وأن الحفاظ على هذه الوحدة ينبغي أن يكون أساس أي إصلاح أو تشريع يتعلق بالأرض أو بالإنتاج الزراعي.
وفي هذا الإطار، تؤكد أن مطالب ملاك الأراضي، خاصة ما يتعلق بتعويضات الإيجار، تمثل حقوقًا مشروعة تستوجب المعالجة بشفافية وعدالة، بعيدًا عن سياسات المماطلة أو التحايل التي مورست في فترات سابقة. وترى أن تسوية هذه الحقوق بصورة عادلة تمثل خطوة ضرورية لبناء الثقة بين الدولة وأصحاب المصلحة.
وتشدد الورقة على أهمية أن تضطلع الدولة بمسؤوليتها باعتبارها المالك والراعي للمشروع، مع ضرورة إبعاد قضايا المشروع عن التجاذبات السياسية وعدم توظيفها لخدمة أجندات حزبية أو سلطوية.
كما تدعو الورقة التي اعدها الاستاذ صديق عبد الهادي إلى إشراك المزارعين، سواء كانوا من ملاك الأراضي أو غير الملاك، إلى جانب العمال الزراعيين، في وضع الحلول الخاصة بقضايا الأرض، عبر ممثلين يتم اختيارهم ديمقراطيًا. وترى أن وجود اتحاد ديمقراطي للمزارعين، على غرار التجارب التي عرفها المشروع خلال الفترات الديمقراطية، يمثل الإطار الأنسب للتعبير عن مصالح المنتجين والمشاركة في صناعة القرار.
وتطرح الورقة عدة بدائل لمعالجة إشكالات الملكية، من بينها أن تتولى الدولة امتلاك كامل أراضي المشروع، بعد شراء الأراضي المملوكة ملكية حرة من أصحابها برضاهم وتعويضهم تعويضًا عادلًا، مع احتفاظهم بحق الانتفاع بالأرض كملاك منفعة.
كما تقترح أن تشتري الدولة الأراضي المؤجرة مع الإبقاء على أصحابها كملاك منفعة، بما يؤدي إلى توحيد أوضاع المزارعين داخل المشروع، ويعزز دور الدولة باعتبارها المالك الرئيس للأرض، وهو ما تراه الورقة ضمانة لاستمرار المشروع في أداء دوره الوطني والاقتصادي.
وتدعو كذلك إلى النص قانونًا على أن تكون ملكية الحواشة للأسرة، كما كان معمولًا به في قانون عام 1927، انطلاقًا من أن الأسرة تمثل الوحدة الإنتاجية الأساسية التي قامت عليها فلسفة المشروع منذ نشأته.
وتخلص الورقة إلى أن قضية ملكية الأرض في السودان عمومًا، وفي مشروع الجزيرة والمناقل على وجه الخصوص، تمثل أحد أهم أسباب التوترات الاجتماعية والنزاعات، بما ينعكس على الاستقرار الاقتصادي والسياسي للبلاد.
وترى أن استمرار الخلافات المتعلقة بالإيجار أو التملك أو الملكية يشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل المشروع، مؤكدة في الوقت نفسه أن هناك بدائل قانونية وحقوقية وعملية يمكن أن تفتح الباب أمام معالجة عادلة لهذه القضية، بما يسمح بإطلاق الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يمتلكها المشروع.
وتشير الورقة إلى أن المعالجات التي جرت حتى الآن لم ترتق إلى مستوى خطورة القضية، ولم تستند إلى فهم موضوعي وشامل لطبيعة المشكلة، الأمر الذي أدى إلى تعثر معظم المحاولات السابقة.
وتحذر من أن استمرار أزمة ملكية الأرض لا يهدد الأداء الاقتصادي للمشروع فحسب، وإنما يهدد أيضًا التماسك الاجتماعي والتعايش التاريخي الذي عرفته منطقة الجزيرة منذ قرون، ما يجعل من معالجة هذا الملف ضرورة وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل.
وتنتقل الورقة بعد ذلك إلى تحليل البنية الاقتصادية والاجتماعية لمشروع الجزيرة، مركزة على المزارعين والعمال الزراعيين باعتبارهما الطرفين الرئيسيين في العملية الإنتاجية.
وتوضح أن العمال الزراعيين هم الفئة التي ترتبط بالإنتاج الزراعي على أساس العمل المأجور، وأن ظهورهم ارتبط تاريخيًا بانتقال الزراعة من النمط الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي، وهو ما ينطبق على مشروع الجزيرة الذي أُسس وفق أسس رأسمالية خلال فترة الإدارة البريطانية.
وتشير إلى أن العديد من الدول أولت اهتمامًا كبيرًا بحقوق العمال الزراعيين، من خلال التشريعات التي تنظم أوضاعهم وتحمي حقوقهم، بينما ظل هذا الجانب في السودان أقل تطورًا، سواء من حيث التشريعات أو الحق في التنظيم النقابي أو حماية الحقوق الأساسية.
وتوضح الورقة أن العمال الزراعيين في مشروع الجزيرة لا يقتصرون على سكان الكنابي، كما يعتقد كثير من الباحثين، وإنما يشملون أيضًا أعدادًا كبيرة من العمال المقيمين في قرى المشروع، ويعملون بالأجر اليومي دون امتلاك حواشات زراعية.
وتشير إلى أن المشروع كان يستوعب مئات الآلاف من العمال الزراعيين، بين عمال دائمين وموسميين، وأن هذا التنوع الإثني والثقافي الكبير لم يتحول إلى عنصر قوة، بسبب غياب التنظيم النقابي الموحد الذي يعبر عن مصالح هذه الفئة، بخلاف ما حدث وسط العمال الصناعيين الذين تمكنوا من بناء تنظيمات قوية أسهمت في رفع مستوى وعيهم بحقوقهم والدفاع عنها.
وتلفت الورقة إلى خصوصية الموقع الذي يشغله المزارع داخل مشروع الجزيرة، فهو من ناحية صاحب عمل بالنسبة للعمال الزراعيين، ومن ناحية أخرى شريك مع الدولة في العملية الإنتاجية وفق عقد شراكة تتغير فيه نسب توزيع العائدات تبعًا للسياسات والقوانين.
وترى أن هذا الوضع أوجد تعقيدًا في طبيعة العلاقات داخل المشروع، ودفع المزارعين إلى إنشاء تنظيماتهم المستقلة للدفاع عن مصالحهم، وفي مقدمتها اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل الذي تأسس عام 1953.
كما تناقش الورقة مفهوم “علاقات الإنتاج”، موضحة أن الاستخدام المتداول لهذا المصطلح في قوانين المشروع يختلف عن تعريفه في الاقتصاد السياسي، وأن الأدق هو وصف العلاقة داخل المشروع بأنها “علاقات شراكة”، نظرًا للطبيعة الخاصة التي تحكم العلاقة بين الدولة والمزارعين.
وتستعرض الورقة تطور نظم المحاسبة داخل المشروع، مبينة أن الإدارة الاستعمارية تبنت منذ تأسيس المشروع نظام الحساب المشترك بعد دراسة تجارب الشراكات الزراعية المحلية، واستمر العمل به منذ عام 1925 وحتى عام 1984، قبل الانتقال تدريجيًا إلى نظام الحساب الفردي.
وتوضح أن نظام الحساب المشترك كان يطبق على محصول القطن بوصفه المحصول النقدي الرئيس، وأن المقارنة بين النظامين تكشف اختلافًا في طبيعة الشراكة وتوزيع العائدات، وهي قضية تتناولها الورقة بمزيد من التفصيل في الملحق المخصص لذلك. (يتبع)

