سرقوا ألعابهم… وأعطوهم البنادق
تقرير: حسين سعد
لم تبدأ مأساة الأطفال السودانيين مع لعلعت أصوات الرصاص، والدوشكا والمسيرات فقط لكنها انتُزعت منهم طفولتهم، وأُغلقت في وجوههم المدارس، وحلّت البنادق محل الحقائب المدرسية. ففي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، لم يعد الأطفال مجرد ضحايا للحرب، بل أصبح بعضهم أهدافًا مباشرة للاستغلال والتجنيد القسري، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، التي تكفل لهم الحق في الحياة والأمان والتعليم والحماية من جميع أشكال العنف.
وبينما تتسع رقعة النزاع وتنهار منظومات الحماية، يواجه آلاف الأطفال خطر الزج بهم في ساحات القتال، حيث تُستبدل أحلامهم بالخوف، ومستقبلهم بذكريات الصدمات النفسية والعنف. ورغم صعوبة حصر حجم هذه الجريمة، تؤكد الأمم المتحدة أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع أصبح من أخطر الانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق الطفولة في السودان، محذرة من أن استمرار الحرب يهدد بإنتاج جيل يحمل ندوبها النفسية والاجتماعية لعقود قادمة.
فالتجنيد القسري للأطفال لا يسرق حاضرهم فحسب، بل يقوض فرص السلام والتنمية في المستقبل، ويضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية وإنسانية عاجلة لحماية الطفولة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة، وضمان إعادة تأهيل الأطفال الناجين ودمجهم في مجتمعاتهم باعتبارهم ضحايا يستحقون العدالة والرعاية، لا ضحايا منسيين على هامش الحرب.
جلسة المركز الافريقي..
وقال المشاركون في الجلسة الحوارية الثالثة، التي نظمها المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، امس، ضمن مشروعه المعني بحماية الأطفال من التجنيد القسري، إن هذه الظاهرة تعد من أخطر الانتهاكات التي أفرزتها الحرب في السودان، لما تتركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال وأسرهم والمجتمع، مؤكدين أن معالجة تداعياتها تتطلب جهودًا طويلة الأمد تشمل الدعم النفسي وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي.
وقال المركز الافريقي أن قضية التجنيد القسري للأطفال ليست مجرد انتهاك قانوني، بل تمثل أزمة إنسانية واجتماعية معقدة، وأوضح أن آثارها تمتد إلى الطفل وأسرته والمجتمع بأسره، وتؤثر على فرص التعافي وإعادة بناء النسيج الاجتماعي بعد انتهاء النزاعات.
تجارب قاسية..
وقدمت الأخصائية النفسية إيناس الهادي عرضًا تناولت فيه مفهوم الطفل وفق المواثيق الدولية، والحقوق الأساسية التي تكفلها له الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها الحق في الحماية والتعليم والنمو في بيئة آمنة، مؤكدة أن أي شكل من أشكال إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة يمثل انتهاكًا مباشرًا لهذه الحقوق.
واستعرضت الهادي أبرز الأسباب التي تدفع إلى تجنيد الأطفال، مشيرة إلى أن الخوف والتهديد المباشر، والفقر، وانهيار الأوضاع الاقتصادية، والنزوح، وتفكك الأسرة بسبب انفصال الوالدين أو فقدان أحدهما، كلها عوامل تجعل الأطفال أكثر عرضة للاستغلال من قبل أطراف النزاع. وأضافت أن الحرب تخلق احتياجات معيشية وإنسانية قاسية، في ظل الجوع وانعدام الخدمات وتعطل التعليم، الأمر الذي يزيد من هشاشة الأطفال ويجعلهم أهدافًا سهلة للتجنيد القسري.
وأوضحت أن استمرار النزاع في السودان منذ أبريل 2023 أدى إلى اتساع نطاق هذه الظاهرة، لافتة إلى أن الأرقام المتداولة بشأن الأطفال المجندين تظل تقديرية فقط، بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، إلا أن المؤشرات تؤكد تزايد أعداد الأطفال المعرضين لخطر التجنيد، خاصة مع إغلاق المدارس في العديد من الولايات المتأثرة بالحرب، وحرمان ملايين الأطفال من حقهم في التعليم.
وتطرقت ايناس إلى الآثار النفسية للتجنيد القسري، موضحة أنها لا تنتهي بخروج الطفل من ساحة القتال، وإنما تمتد لسنوات طويلة، وتشمل اضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب، والخوف المزمن، وصعوبة بناء العلاقات الاجتماعية، فضلًا عن السلوك العدواني واضطرابات الهوية.
وأضافت أن الأطفال المجندين يتعرضون خلال فترة تجنيدهم إلى عمليات ممنهجة من غسيل الدماغ، وإعادة تشكيل الأفكار والقيم والسلوك، وإجبارهم على المشاركة في أعمال عنف قاسية، بما يؤدي إلى تغيير نظرتهم للحياة وللآخرين، ويؤثر في تكوينهم النفسي والأخلاقي.
وأكدت أن التعافي من هذه الصدمات يحتاج إلى برامج علاجية ونفسية متخصصة تستمر لفترات طويلة، لأن الطفل يكون قد مر بتجارب قاسية تركت آثارًا عميقة في شخصيته وسلوكه. وأشارت إلى أن هذه الآثار لا تظهر بالشكل نفسه في جميع المراحل العمرية، وإنما تتغير مع نمو الطفل، فقد تبدو بصورة مختلفة خلال الطفولة، ثم تتفاقم في مرحلة المراهقة والشباب، التي وصفتها بأنها الأكثر حساسية وخطورة، قبل أن تمتد آثارها إلى مرحلة الرشد والكهولة إذا لم يتلق الطفل الدعم النفسي والاجتماعي المناسب
انتهاكات واسعة..
وفي وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن تجنيد الأطفال يمثل أحد أخطر الانتهاكات الجسيمة ضد الطفولة، يحذر خبراء من أن استمرار الحرب يهدد بإنتاج جيل نشأ في ظل الخوف والسلاح، بدلاً من التعليم والحماية، وهو ما ستكون له تداعيات عميقة على مستقبل السودان واستقراره.
لا توجد حتى الآن إحصائية أممية نهائية لعدد الأطفال الذين جُندوا قسرًا في السودان، بسبب استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى كثير من مناطق النزاع. إلا أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) تؤكد أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال القتالية أصبحا من الانتهاكات واسعة النطاق.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى التحقق من أكثر من 5700 انتهاك جسيم ضد الأطفال منذ اندلاع الحرب، شملت القتل والتشويه والاختطاف والعنف الجنسي والهجمات على المدارس والمستشفيات، إضافة إلى تجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال. كما وثقت المنظمة أكثر من 2000 انتهاك جسيم خلال عام 2024 وحده، بزيادة بلغت نحو 18% مقارنة بالعام السابق، مع تأكيدها أن العدد الحقيقي للانتهاكات يفوق بكثير ما أمكن التحقق منه ميدانيًا.
وفي موازاة ذلك، يحتاج ملايين الأطفال إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما يواجه ملايين آخرون خطر الانقطاع عن التعليم، وهي ظروف تخلق بيئة خصبة لاستغلال الأطفال وتجنيدهم.
تزايد تجنيد الأطفال..
لا يحدث تجنيد الأطفال كمال قالت إيناس بمعزل عن السياق الذي أنتجته الحرب. فالنزوح الجماعي، والفقر، وفقدان المعيل، وانهيار مؤسسات الدولة، وإغلاق المدارس، وانتشار السلاح، كلها عوامل تدفع الأطفال إلى دائرة الاستغلال، سواء عبر الإكراه المباشر أو استغلال الحاجة الاقتصادية والاجتماعية.
وأشارت إلى أن غياب التعليم والرعاية الاجتماعية يجعل الأطفال أكثر عرضة للتأثر بالدعاية العسكرية أو الضغوط التي تمارسها المجموعات المسلحة، فيتحول الطفل من طالب في المدرسة إلى مقاتل في ساحة الحرب.
جراح لا تنتهي..
وقالت ايناس ان معاناة الطفل لا تنتهي بمجرد خروجه من ساحة القتال، بل تبدأ رحلة طويلة من الصدمات النفسية والاجتماعية. فالأطفال الذين تعرضوا للتجنيد غالبًا ما يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق المزمن، والاكتئاب، والكوابيس، والشعور بالخوف والذنب، إلى جانب الميل للعزلة أو السلوك العدواني.
ويمتد الضرر إلى الجانب الاجتماعي، إذ يفقد كثير من الأطفال سنواتهم الدراسية، ويجدون صعوبة في العودة إلى التعليم أو الاندماج داخل أسرهم ومجتمعاتهم، خاصة في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل.
وقالت ان الفتيات تقع عليهن انتهاكات عديدة تشمل العنف الجنسي والزواج القسري والحمل والولادة والوصمة الاجتماعية
وحذرت من أن استمرار هذه الظاهرة لا يهدد الأطفال وحدهم، بل يهدد المجتمع بأكمله، عبر إنتاج جيل يعاني من الأمية والعنف والإقصاء الاجتماعي، بما يزيد من احتمالات تجدد النزاعات في المستقبل.
جريمة يحظرها القانون..
يعتبر تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، وتحظره اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة. كما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تجنيد الأطفال من أخطر الجرائم التي تستوجب المساءلة الجنائية.
وتطالب الأمم المتحدة جميع أطراف النزاع في السودان بالوقف الفوري لتجنيد الأطفال، والإفراج عنهم، وضمان إعادتهم إلى أسرهم، وتوفير برامج متخصصة لإعادة تأهيلهم نفسيًا واجتماعيًا وتعليميًا.
حيث أشار المحامي شوقي يعقوب ان الامم المتحدة ومبادي باريس تناولت تجنيد القسري للاطفال حتي بدون الاعمال العسكرية وقال ان بعض الحركات المسلحة جندت اطفال للعمل في مناجم الذهب الذي يستخدم في تمويل الحرب واضاف هذا عمل قسري لافتا الي وجود التجنيد القسري للاطفال منذ قبل حرب منتصف ابريل 2023م وقال في حرب دارفور هنالك مصلح معروف باسم جني جيش وهو الطفل الذي ينفذ الاعمال القذرة مثل التصفيات وغيرها من الممارسات التي لها اثار نفسية واجتماعية عديدة علي الطفل
من جهتها شددت الصحفية عواطف اسحق على ضرورة أهمية إشراك الإعلام في محاربة ظاهرة التجنيد القسري للاطفال بجانب مخاطبة الإدارة الأهلية والقيادات المجتمعية بعدم الاستجابة لتسليم الأطفال للتجنيد القسري.
وفي المقابل قدم المحامي عمرو كمال مرافعة قانونية حول التجنيد القسري للاطفال قانونيا واتفق كمال مع ما طرحه شوقي فيما يتعلق بتجنيد الاطفال بمناطق التعدين عن الذهب لصالح تمويل الحرب من قبل بعض الحركات المسلحة.
صحافة الحلول… وحماية الطفل..
في ظل هذه الأزمة، لا يقتصر دور الصحافة على نقل صور المأساة أو توثيق الانتهاكات، بل يمتد إلى البحث عن الحلول التي يمكن أن تحمي الأطفال وتحد من تكرار الجريمة. فصحافة الحلول تقدم معالجة تتجاوز وصف المشكلة إلى تحليل أسبابها، وتقييم المبادرات التي نجحت في حماية الأطفال أو إعادتهم إلى المدارس، وإبراز برامج الدعم النفسي وإعادة الإدماج المجتمعي.
كما تسهم في تصحيح الخطاب الإعلامي، عبر التأكيد أن الأطفال المجندين هم ضحايا لانتهاكات جسيمة، وليسوا مسؤولين عن الحرب، وتسليط الضوء على قصص التعافي والعودة إلى التعليم، بما يساعد في مكافحة الوصمة الاجتماعية وتعزيز ثقافة حماية الطفولة.
وإلى جانب ذلك، يستطيع الصحفيون والناشطون دعم جهود المناصرة من خلال توثيق الانتهاكات بمهنية، واحترام خصوصية الأطفال، ونشر الوعي بمخاطر التجنيد، ومتابعة تنفيذ الالتزامات القانونية، والدفع نحو سياسات تضمن التعليم والحماية والدعم النفسي للأطفال المتضررين.
مسؤولية وطنية..
عموما إن حماية الأطفال من التجنيد ليست مسؤولية المنظمات الإنسانية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة، وأطراف النزاع، والمجتمعات المحلية، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني. فكل طفل يُعاد إلى المدرسة بدلاً من ساحة القتال يمثل خطوة نحو استعادة السلام، وكل برنامج يعيد دمج طفل في أسرته يسهم في حماية مستقبل المجتمع بأسره.
لقد سرقت الحرب طفولة آلاف الأطفال السودانيين، لكن مستقبلهم لا يزال قابلًا للإنقاذ إذا توافرت الإرادة السياسية، وتوقفت الانتهاكات، واستثمرت الجهود في التعليم والحماية والدعم النفسي والعدالة. فالأطفال الذين يُنقذون اليوم من دوامة الحرب لن يكونوا مجرد ناجين، بل سيكونون حجر الأساس في بناء سودان يسوده السلام والكرامة والعدالة.

