الأزمة السودانية والتطورات الإقليمية والعالمية (6)
بقلم: حسين سعد
في المحور الخامس عشر نتابع التطورات الاقليمية وإنعكاساتها على الازمة السودانية منذ الانقلاب في 25 اكتوبر الماضي، ومن بين هذه التطورات نخصص هذه المقالة للانقلابات العسكرية بالقارة السمراء، حيث سيطرت الانقلابات العسكرية بالقارة على جلسات القمة الافريقية التي عقدت مطلع العام الحالي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وشهدت أفريقيا خلال 60 عاما الماضية أكثر من (200) إنقلاب عسكري نجح معظمها في السيطرة على الحكم، فبين عامي 1970 و1989 كانت هناك 99 محاولة انقلاب ناجحة أو فاشلة في جميع أنحاء القارة، في حين وصل عدد الانقلابات الناجحة بين عامي 1956 و2001 إلى 80 انقلابًا، وخلال العامين الماضيين شهدت القارة الإفريقية ما يزيد على عشر محاولات انقلابية بين ناجحة وفاشلة، ما يهدد بتقويض التقدم الهش الذي تحقق.
لكل هذه التحديات شددت مطالبات القمة الافريقية بضرورة وضع (مقاربة جديدة) للوقوف في وجه مخاطر عدم الاستقرار التي تهدد قارة توصف بأنها الأفقر في العالم، وفي جلسة إفتتاح القمة الافريقية والتي تسلم من خلالها الرئيس السنغالي ماكي صال، الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي من رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فليكس تشسكيدي، قال إن التحديات أمامنا تبقى كثيرة وملحة، خصوصاً في مجال السلم والأمن، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على البيئة، وفي مجالات الصحة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، قبل أن يشدد على أن تصاعد ظاهرة الانقلابات العسكرية تشكل مساساً حقيقياً بالديمقراطية والاستقرار المؤسسي في القارة، وفق تعبيره.
وكانت أفريقيا قد شهدت كثيراً من الانقلابات العسكرية والتعديلات غير الدستورية خلال العامين الأخيرين، ومن بين العوامل المشتركة للبلدان التي وقعت بها إنقلابات، كانت الهشاشة الامنية والتدهور الاقتصادي وغياب الشافية، وتمدد الفساد والمحسوبية ،والتنافس الاقليمي والدولي لموقع الاستراتيجي للقارة السمراء التي تقع بحسب علم الجغرافيا السياسية والجيوبلوتكس في منطقة الارتطام الرابعة، وتتنافس علي القارة البسمراء منذ نهاية الحرب الباردة ثلاث جهات، وهي اوروبا وامريكا والصين، وبحسب الدكتور داؤود بابكر هرون في كتابه الجغرافيا السياسية والجيوبلوتكس كان التنافس امريكيا واروربيا أي بين المستعمر القديم (الدول الاوربية) والطامع الجديد أي الولايت المتحدة الامريكية، وتتسم العلاقات الامريكية والاوربية بمزيج من التعاون والتحالف، حيث تعتبر اوروبا ان افريقيا هي مجالها الحيوي بحكم القرب الجغرافي، والروابط التاريخية الاستعمارية، وبالتالي تعمل علي احتواء المنطقة جنوب الصحراء عبر اتفاقية لومي واعلان برشلونة (الشراكة الاورو_متوسطية لمنطقة المغرب العربي) بينما تشكل افريقيا في نظر امريكيا فراغا استراتيجيا لابد من ملئه، وذلك في اطار تأمين المصالح الامريكية وفي اطار الهيمنة ،والزعامة المطلقة علي العالم، اما السودان يقع في منطقة الارتطام الثالثة، وهذه المنطقة في الشرق الاوسط وهي منطقة ذات ثروات حضارية وديمغرافية وامكانيات اقتصادية كبيرة حيث بها اكبر مخزون واحتياطي للنفط والغاز الطبيعي والمعادن النادرة والاستراتيجية وثروات مائية ضخمة اتاح لها موقع جيوبولتيكي مهم وحساس ي المعادلة الدولية.
إنقلابات السودان..
وفي كتابه السودان نحو الجمهورية الثانية.. دعوة لتاسيس جيوبولوتيكا للسودان النيلي شرح العميد الركن السر احمد السعيد مراحل التدخلات العسكرية في السياسية السودانية مشيرا الي ان المرحلة الاولي كانت ماقبل انشاء قوة دفاع السودان (1898-1925) والمرحلة الثانية ماقبل الاستقلال قوة دفاع السودان(1925-1956)، والمرحلة الثالثة الحكم العسكري الاول 1958-1964
والمرحلة الرابعة التدخل العسكري الثاني (1969-1985) المرحلة الخامسة التدخل العسكري الثالث (1985-1986) المرحلة السادسة التدخل العسكري الرابع يونيو (1989)،وفي كتابه اشكالية القوات المسلحة والسياسية تناول العميد معاش عبد الرحمن خوجلي الانقلابات العسكرية لماذا ؟وماهو المناخ الملائم للانقلاباتظ وماهي اسبابها؟ واهدافها وسرد الكتاب اثار الانقلابات في في تركيز السلطة في يد العسكريين ومصادرة الحريات والديمقراطية والسلام وحر الاحزاب وتعليق الدستور والعمل بقانون الطواري وفرض حكم شمولي ارتكاب الكثير من الانتهاكات بدافع تامين الانقلاب تفشي الفساد واستغلال النفوذ والمحسوبية منح صلاحيات واسعة للاجهزة الامنية لاحكام الطوق الامني.
أزمات كبيرة..
وفي مقابلة سابقة لي مع الخبير في العلاقات الدولية والتنمية الدكتور أحمد حسين قال لي إن الأزمات التي تحيط بالقاهرة الإفريقية أزمات كبيرة جداً، كتلك التي تتعلق بالبنية التحتية ومشكلات الطاقة، الصحة، فضلاً عن التدخلات على المستوى الإقليمي والدولي والصراع الملف من عدة محاور في غرب افريقا وشرق أفريقيا، والقرن الإفريقي بسبب البعد الاستراتيجي لباب المندب مشيراً لوجود ستة قواعد عسكرية موجودة بهذه المنطقة، والتي تعتبر معبراً للتجارة العالمية مما جعلها محلاً للاطماع الدولية، وبحسب حسين فإن التنافس على القارة الإفريقية ليس، وليد اليوم ،ولكن أثاره بدأت واضحة ابتداءً من غرب الإفريقية وشرقها وحتى السودان واثيوبيا التي تواجه عدم الاستقرار والاتقلابات والتطرف والارهاب، داعيا لتحقيق تكامل إقليمي حقيقي يعمل على توحيد النظم الجمركية والإستفادة من الموارد الدخلية ودفع الصناعات المحلية، وتابع ان الأنظمة الدكتاتورية ساعدت كثيراً في التدخلات والتوترات، وتاسف حسين على ان السودان المؤسس للاتحاد الإفريقي أصبح بعيداً بسبب الانقلاب العسكري المشؤوم.
ونوه حسين لغني القارة الافريقية بالموارد وبالتنوع الثقافي والاثني والمجالات الجيوسياسية، الا انه وبحسب حسين فإن الاستفادة من هذا الغني يتطلب ان تمتلك منظومة الاتحاد الإفريقي رؤية واضحة واستراتجية لافريقيا (2063) والاهتمام بقاضيا التنمية بالتركيز على ما تبقى من اهداف التنمية المستدامة وقضايا الحوكمة والحكم الرشيد والاستقرار السياسي ومعالحة ملفات الهجرة والتطرف والارهاب والقضاء على الأمراض المستعصية والمستوطنة، وقال إن ذلك يتطلب ترسيخ شراكة دولية تبنى على المصالح المشتركة، وأضاف أن ثمة نماذج كثيرة تحققت وفق هذه الرؤية كما تم في إثيوبيا والتي ما زالت تحتاج لاعادة توحيد اللحمة الداخلية، وحذر من دخول القارة في ازمات كبيرة قد تحدث تقسيمات جديدة وتدخلات،مشيرا لاهمية تحصن الدول من الانقلابات العسكرية بمساعدة الاتحاد الإفريقي. (يتبع)..